مظفر النواب .. للشعر وطن – فوزي الاتروشي

مظفر النواب .. للشعر وطن –  فوزي الاتروشي

 

لو كنا نملك الوطن الذي تخيله (مظفر النواب) و(فؤاد سالم) و(ناهدة الرماح) و (زها حديد) و(علي الوردي) و(يوسف العاني) و(نازك الملائكة) ومئات المبدعين في شتى حقول المعرفة اقول لو كنا نملك وطنا مثله لكنا وفرنا العديد من حقب التردي والتخلف والتناحر.

فالوطن في ذاكرة هؤلاء قيمة عليا وسكن آمن والحب الاول والاعمق والاكثر رسوخا.

واليوم اذ يرشح (مظفر النواب) لجائزة نوبل فذلك يأتي كلحظة اجماع لشعب يبدو وكأنه لا يلتقي ولا يجمع على شيء وكأن ذلك صحوة ضمير ونحن نتشظى ونتفرق في مختلف الاتجاهات لا يمكن النظر للنواب وسيرته الذاتية كمجموعة دواوين وقصائد تمجد الوطن وتتغنى به ولا يمثل بجيل محدد من الشعراء ولا مجرد اسم في قائمة مثقفين وقفوا الى جانب معاناة الفقراء المحرومين والمهمشين في مواجهة الاستبداد اي كان نوعه اوتبريره .

 مظفر النواب هو هذا كله مضافاً اليه الرسوخ والرفعة والثبات والتماهي مع الوطن الى حد اننا لم نعد نفرق بينهما. فقد مرت حقب وتقلبات ومحطات سياسية في حياته لكنه دائماً المنتصر شعرياً وعملياً لصالح الحق والعدل وحتى حين انشق عن حزبه كان بديله الانتماء للوطن وهو في كل الحالات اقوى و اوسع واكثر جدوى من الانتماء لحزب معين اياً كان هذا الحزب. هو الشاعر الذي تعرفه النخبة ويعرفه المواطن العادي لان قصائده المكتوبة باللهجة العامية تحولت من ديوان شعر الى ديوان إغاني وكلماتها مازالت تتردد بيننا . وهو الشاعر الذي هاجر وتعذب وابتعد جسدياً عن مرابع الوطن ولكنه لم ينسلخ عنه لحظة واحدة وكان دائماً العين اليقظة على ما يدور في ثنايا وطن لطالما تحول الى سجن كبير له ولا مثاله من المبدعين .

من يقرأ (الريل وحمد) وقصائده المكتوبة بالفصحى سيجد ملف وطن ومعاناة شعب بكامله مثلما سيجد قلباً عاشقاً يحمل كل براءة الطفولة واشواق الحب الملتهبة فهو في عرضه لعواطفه شفاف ومثير ومبهر ويكاد كل العراق ينطق بأحواله على لسانه وهو في هذا لا يشذ عن قافلة الشعراء العظام في العالم الذين تلونت الأوطان بكلماتهم وصاروا بصمتها وجزءاً لا يتجزأ من عنوانها وملامح تضاريسها. الوطن في مخيلة مظفر النواب ليس بقعة ارض ولا تربة مقدسة بقدر ما هو ملاذ امن للانسان وتطلعاته واماله وآلامه وافراحه واحزانه واي وطن لا يوفر الامان والعيش الرغيد لساكنيه هو في النهاية سجن واسلاك سائكة وحقول الغام والوطن في شعر النواب ملون وبقدر الوان مكوناته فلا غلبة للون على اخر ولا وصاية لفئة على اخرى ولا اغلبية تفترس الاقلية وهو وطن لا فضل للرجولة فيها الا بقدر احترامها وتقديرها للمرأة شريكاً وعلى قدم المساواة المطلقة. لسنا في وارد استعراض الكم الهائل من الاناقة والجمال والبلاغة وشفافية التعبير التي امتعنا بها النواب على طول سيرته وتجربته الفنية فذلك متروك للنقد الادبي .

فكلامنا هنا ينصب على القرار الصائب الذي اتخذه اتحاد الادباء والكتاب العراقيين في ان يكون هذا الشاعر هو المتقدم الى ارفع جائزة في العالم وكان لهذا القرار ان يتخذ منذ سنوات وسواء فاز النواب او لم يفز فأنه يكفيه فخراً ان العراقيين بشتى الوانهم واتجاهاتهم وتنوعاتهم القومية والدينية والفكرية مجمعون على انه ممثلهم وممثل تطلعاتهم وحاضن عواطفهم والفوز باجماع الشعب العراقي في هذا الزمن امر صعب المنال فهل في ذلك عبرة للسياسيين واغلبهم مازال متعلقاً بهوية المنطقة او الحزب او العشيرة او الطائفة او الدين او القومية للفوز في الانتخابات في وقت يفوز النواب بصمت ويحصد حب الجميع طواعية  والسبب ان النواب يراهن على حب وصوت شعب بكاملة اما هم فيعتصمون بأوهى الحبال واكثرها عرضة للانقطاع والسقوط بهم الى الهاوية .