مصير غامض –نصوص – علي حسين عبيد

سرد.. فصل روائي    2-2

مصير غامض –نصوص – علي حسين عبيد

خرجت صباحا من حجرة الحاج وحدي، أهذي بيني وبين نفسي وأتخيل حجرته واجواءها اليقينية الهادئة وأريجها الخاص وتلك الآيات القرآنية المخطوطة على الجدران هنا وهناك، والمباخر عند الغروب واللون الأخضر الذي يطغي على كل الألوان، إخضرار الجدران والمناضد والأفرشة والاغطية والمناشف وبعض المصابيح والستائر وبعض ادوات الطعام ونباتات الظل، وفوق هذا كله طبيعة الأجواء الأيمانية المستقرة التي تفرض سطوتها عليك شئت أم أبيت، خطوت على غير هدى في شوارع الرباط المغسولة بالندى البحري الأخاذ، بالكاد افتح عينيّ في وهج الشمس، عيناي ما تزالان جاحظتين حمراوين وجسدي مهدم وروحي حائرة تائهة جزعة من حالة التيه القديمة الجديدة، في ارضي كنت مبعثرا وتأرجحي بين الشك واليقين دفعني الى البحث عن الجديد وهنا ينتعش الارتباك ثانية في داخلي ويخلخل نفسي، لا طريق محدد يقود الى هدف محدد، الضربات تتوالى تباعا، والفشل في العبور والضحك على الذقون والزمن المهدور، كل هذا وغيره صنع متاهة لا مخرج منها، بغتة انتعشت روحي، تذكرتُ قبر امي، ورأيت زوجتي ومرت نعيمة امام بصيرتي وثكلى المطار وميريل ستريب وطفلي الأصغر، وجوه حبيبة أخذت تترآى، كان ألق الحدائق يتماوج امام بصري الكليل الذي بدأ يتعافى، وثمة اخضرار مدهش لأوراق الاشجار وبقايا قطرات ندية تتساقط فوق الرؤوس وهواء عذب يداعب الوجوه، اجواء صباحية نموذجية ولكن بقايا بعثرة في الافكار والوقائع والشكوك لا تزال تلازمني، فكرت وبحثت عن الاسباب، وقلت لنفسي (ما أن نتسلم نتيجة القبول من السفارة السويدية حتى يتغير كل شيء، بل سيستقر كل شيء، وستبدأ برحلتك الجديدة في الحياة وهي قطعا ستختلف عن حياتك الماضية التي ستركن الى حتفها بلا رجعة).

أوصلتني الشوارع الى مقبرة المدينة، المقبرة الحديقة، هكذا تبدو للرائي وهكذا يحلو لي تسميتها، القبور تسطع تحت ألق الصباح والندى يغسل الشاهدات والزهور تصطف الى جانب بعضها وتشيع في القبور بهجة من نوع خاص، ولكن كيف يتجاور الموتى والبحار، سألت نفسي، وقلت ان غضب البحر لا تحكمه شريعة ولا عرف ولا قانون وهؤلاء النائمون المطمئنون لا حول لهم ولا قوة ماذا لو ثار هذا المارد العملاق وأغرقهم، رأيت عائلة تسكن المقبرة، امرأة ورجل فحسب وغرفة كقن نعيمة تحت المصعد، يبيعون البخور والزهور والصابون للزائرين، ويا للدهشة، رأيت زجاجات بيرة تصطف الى جانب البخور، انهم يبيعون الجعة في القبور ولا أحد يعترض، هكذا يلتقي الموت بالحياة معا بلا مشاجرات او مشكلات تذكر، ثم فكرت من هذا الذي يسكر عند القبور ولماذا هنا بالذات ومدينة الاحياء تضج بالحانات، وفجأة خطر في بالي أمر (تحت هاجس البعثرة والشك) ان أسأل الرجل لماذا يبيع الجعة هنا وينتهك حرمة الاموات، دنوت منه، كان شكله مثيرا للمخاوف مقلقا، ذكرني بالمشعوذين والسحرة وربما هو واحد منهم، سألته السؤال الذي لم أستطع كبته في نفسي، بغتة ضحك الرجل وقال بلغة فصيحة متعثرة ( ألا تعرف اننا أموات أيضا) صفعتني هذه الكلمات بموجة شك وقلق هائلة، شعرت بعطش قاتل، ثم تذكرت أن حياتنا الكبيرة نفسها مقبرة، وأن الرجرجة التي عذبت مخي، روحي وجسدي، والشك الذي أحالني الى ريشة في المهب ثم هذا الطوفان من اليأس وهذا الصمت المميت للسفارة السويدية بعد شهر ونصف من الانتظار (طلباتكم قيد دراسة دول الاتحاد الاوربي)، كل هذا يدعوني لمنادمة الموتى، فأنا لست بأفضل حال منهم، ولا أنا انسان من الدرجة الاولى وهم من العاشرة، اننا سواسية اذا لم يكونوا افضل مني، فأنا ميت في الحياة، وهم أحياء في الموت، (الأحياء نيام، فإذا ماتوا انتبهوا)، وما هي سوى لحظات حتى شعرت ان القبور كلها تنظر إلي شزرا، وبعد لحظات أخرى وأنا بين الصحو والغيبوبة وقبل أن أشفي عطشي، رنَّ صوت موبايلي، فجفل قلبي، وقرأت أسم الشاعر في الشاشة، فتحت الخط وآفاق المياه تمتد الى ما لا نهاية أمام بصري:

–        أين انت؟

–        في المقبرة.

–        هل سمعت……؟!

–        ماذا…؟

–        السفارة السويدية……؟

–        أي … يا ألله…..

–        رفضتْ………….

–        رفضتْ ماذا ؟!!!

–        رفضت منحنا تأشيرة الدخول…………………

قبل الظهيرة بقليل، وجدت جسدي يتبعثر فوق شوارع المدينة، مسطولا من هول الصدمة، لملمتُ نفسي شيئا فشيء، كان ثمة شيئاغريبا مزعجا ومشاغبا في داخلي، يجب أن أتخلص منه، انه يثقلني، يزعجني، يدمرني، أمام بناية البرلمان، مقهى واسع، إرتقيت طابقه العلوي، وهناك وجدت دورة مياه، بطني يقارب الانفجار ومثانتي، خطفتُ قطعة صابون ودخلت الحمام، تخلصت من ملابسي، ثم انهمر الماء منعشا لذيذا باردا فوق رأسي وعلى بقايا جسدي، بدأ جسمي يخف وروحي تستقر، خرجت وأعطيت درهما لعامل التنظيف، تسكعت من جديد في الشوارع، رأيت عموري تحمله امه، بكت حين رأتني، عموري لم يتبسَّم بوجهي كعادته، (هل سمعتَ بالكارثة، قالت لي ذلك من دون ان تتوقف)، تركتها مبتعدا وصوت نشيجها المقهور يلاحقني، أدرت رأسي وأنا احث الخطى مبتعدا، كنت اتمنى ان ارى وجه عموري لآخر مرة قبل أن نفترق لكنني فشلت، لقد نَسِيَني على ما يبدو، تسكعتُ في المدينة طويلا، نزلت الشمس سريعا نحو اعماق المحيط وظلام مفعم بالندى بدأ يهبط، هدأت الارض قليلا، لقد وصلنا نهاية المطاف، هكذا فكرتُ بهدوء، وليس ثمة ما يدعو للقلق بعد الآن، إلتقيت جمال الرسام، كان حزينا وكنت منهكا، قلت له:

–        هل سمعت ما حدث؟

–        نعم؟

– لقد سرقت السفارة السويدية فلوسنا!!

– كيف؟!

– ألم ندفع لهم فلوس الفيزا مقدما ثم رفضوا منحها لنا.

–        نعم هذا صحيح .. ماذا ستفعل؟

–        سأغادر طبعا ؟

–        هكذا بسرعة؟

–        ألم نصل الى طريق مسدود؟

–        نعم ولكن ثمة محاولات أخرى؟

–        كلا سأعود، ليس  هناك ما يفرق بين الأمكنة.

تبسَّم قليلا وقال:

–  ألم تمض الحياة بالاتجاه الصحيح؟

–        بعد غد  سأحــــجز بطاقة الإياب على اول رحلة.

هذه ليلتي الأخيرة مع الحاج صباح وجمال الرسام، كان الحاج كعادته يحتل الزاوية جالسا على الارض مباشرة، وكنت أجلس على المقعد بمواجهته، وجهه مليح كالعادة، كأنه لا يحمل ثقلا ما في جسده أو روحه، الحياة والموت عنده سيان، بدا ودودا بالغ الود هادئا ثابت الجنان، وأعجب كل العجب من أين يأتى بكل هذا الثبات، كأنه جبل، لا تهزه ريح، فوق رأسه مصباح ابيض يشع نورا مضاعفا وجنبه مباشرة على الجدار الأخضر آية قرآنية (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)، فكرت كيف ستكون حياتي المقبلة، كنت انظر للحاج وأسأل نفسي، أليس الموت حلا للطرق المسدودة في الحياة الدنيا، وبدلا من العذاب والبحث اللامجدي عن أراضٍ بديلة إخترْ الموت لينتهي كل شيء، ولكن حتى الموت ليس متاحا لمن يرغب بتبديل حياته، ماذا تقول ايها الزاهد الطهور، انني لا زلت اشعر بحركة مخادعة تحت اقدامي، ان روحي لا تزال تتخوف من القادم وان المجهول ما زال اخطبوطا عصيا على الفهم، لقد هدَّأتْـني صدمة الرفض وأوصلتني الى جانب من الحل وإن كان قاسيا بل مدمرا، ولكنه حل على اية حال، ثم سألت الحاج:

– ايها الزاهد المتطامن هل يمكنك أن توقف الارض عن الحركة كي أكف عن الشك وأصل الى يقين مطلق؟.

 ضحك الحاج بقهقهة هادئة وقال:

–        أنا أرضي ثابتة لا تدور ولا تتحرك.

 ثم شرق بضحكته وهمهم برقة وهدوء وثبات وأضاف:

–        عليك ان توقف ارضك بنفسك.

في الليل، بين اليقظة والنوم، شعرت بحاجتي للأمان، لأول مرة، كنت غالبا ما أشغل نفسي وافكاري بالخوف والقلق والمجهول القادم، أما الآن فأنا أفكر بالأمان للمرة الاولى، صحوت تماما ودخلت حجرة الحاج خلسة وأخذت سجادتي، ثم دخلت حمّام الحجرة واغتسلت، كان الوقت يقارب الفجر، توجهت الى القِبلة، وفرشت سجادتي باتجاه النافذة البيضاء، سطع نور الفجر، ومن خلل النافذة انشق طريق واضح وضّاء ما لبث أن توسَّع وتعالى باتجاه السماء، كنت أتطلع بهدوء من الشباك المدوَّر في الطائرة التي أقلعت بي قبل قليل، وأنظر الى المدينة البعيدة التي خلفتها ورائي، والى السماء القريبة مني، لقد صارت السماء أقرب إليَّ من الأرض، نعم إنها أقرب كثيرا مما كانت عليه.