مصطلح العصر الجاهلي.. مرة أخرى

مصطلح العصر الجاهلي.. مرة أخرى

شكيب كاظم

اولا – في زاوية (كتب لا تموت)كتب الباحث العراقي المغترب المتمكن (رشيد الخيون)،عرضا أو إضاءة ولا أقول تغطية،كما شاع في أساليب الصحافة, متأثرين بالكلمة الإنكليزية cover)  ) عرضا لكتاب المؤرخ العراقي الكبير الراحل الدكتور (جواد علي) (1907 -1987) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) تفنيد مصطلح الجاهلية, إذ جاء قول الاستاذ الخيون”في الجزء السابع من الكتاب يدرس مؤرخنا الحياة الاقتصادية، بما فيها من حضارة الزراعة والري والتجارة والحرف والري، وكأنه يريد القول”كيف نحصر هذه الحضارة بالجاهلية وعندما نقول (الجاهلية) نعني إنكار وجود العقل،وليس مثلما برر المتأخرون،اطلاق هذه التسمية بأنه الجهل بالإسلام ووحدانية الله،وحتى هذا لم يكن دقيقا،فتلك الحضارة عرفت الله حق معرفته وعبدته على طريقتها،اوبما أفرزته الحياة أنذاك”.

تغيير مصطلح

اقول: إن لفظة (الجاهلية أو الجاهلي) لاتقدح بكرامة العرب،كي نغيره أو نحاول تغييره إلى مصطلح (العرب قبل الاسلام)وهو مادعت إليه الجهات الثقافية في العراق،نهاية عقد السبعين من القرن العشرين،ودعت إلى درسه ومناقشته،وكان الملحق الاسبوعي لجريدة (الجمهورية)الذي كان يصدر كل يوم سبت مكانا لنشر هذه الدراسات والبحوث،وبين يدي عدد الملحق الصادر يوم السبت 15-4-1978 وبالعدد المرقوم 3246 لان لي مقالا فيه إلى جانب المؤرخ الكبير جواد علي،الذي أوضح أن مصطلح الجاهلية الذي ترجم إلى اللغات الأجنبية بالجهالة والجهل مصطلح نشأ عن جهل بكيفية نشوء المصطلح (…)وعندي أن الموضوع غير مهم،لانه”مصطلح” ولا مناقشة في المصطلحات (….) أود القول إني رجل عملي (هكذا وردت،واظنه يقصد علمي وحصل خطأ في الطبع),ولا احفل كثيرا بالمصطلحات… إنما أهتم بالنتاج. نتاج الإنسان الذي هو الأساس في تكوين التأريخ،فالتاريخ شيىء مضى،ولا يمكن أن يخلق جيلا جديدا،انما الجيل هو الذي يخلق التأريخ..كل ما يستطيع التأريخ الماضي أن يفعله في حاضرنا هو أن يقدم لك حاصل حساب،قديكون مسرا،وقديكون غير مسر،ويمكن الإفادة منه كتجربة.

أما الأستاذ الدكتور محمد توفيق حسين ،فذكران كلمة الجاهلية وردت في القران الكريم،وصفا لبعض أحوال العرب وظروفهم الاجتماعية،فاتخذها المسلمون مصطلحا اطلقوه على تأريخ العرب السابق على ظهور الإسلام،وشاع المصطلح (…)وفي ذلك شيىء كثير من الغبن لهذا التاريخ،ولم يكن المسلمون أول قوم يفعلون ذلك بمخالفيهم العقائديين أو الحضاريين،فالاغريق اعتبروا كل من ليس اغريقيا بربريا.

في رأيي (…) أن نعيد النظر في هذه الفترة من تاريخ العرب،على ضوء الوقائع التاريخية،والاثار المكتشفة،والتحليل العلمي للحضارات،فنستعمل (…)مصطلح (العرب قبل الاسلام),وهو مصطلح دقيق ومحايد.

أما الأستاذ الدكتور هادي حمودي أحمد الحمداني فقال”وفي رأيي أن اصطلاح ( الجاهلية) لو بقي على حالته دون أن يتعرض للمناقشة والتفضيل لكان افضل في دلالته وتركيبه،بعد أن أصبح رمزاً لعصر من العصور التاريخية (…) إننا أحوج ما نكون الآن إلى غلق باب المناقشات في أمور نختلف فيها،ولانصل بعدها إلى نتيجة ترضينا.واقول إن رأي الدكتور هادي من اجرأ الاراءالتي قيلت لأنه لم يكن يوافق توجهات المؤسسة الرسمية الثقافية أما أنا فقلت في مساهمتي في النقاش ذاك” إن وصف العصر الذي سبق الإسلام بـ(الحاهلي) قد جاء في نصوص عدة،هي القرآن الكريم واحاديث رسول الله (ص) وكبراء العرب في العصر الإسلامي،ولاضير من اطلاقنا التسمية ذاتها على ذلك العصر،خاصة وأنها متداولة منذ ذلك الوقت،اضافةالى أن ليس في التسمية ما يقدح فينا كعرب.اقول لقد دونت رأي الدكتور جواد علي الذي كتبه سنة 1978 ولا ارى ضرورة أن نقوله ما لم يقل ولاسيما أننا نكتب لذاكرة الحياة وللعلم أو كما ذكر الباحث الخيون ( وكأنه يريد القول)فجواد علي قال الذي يريد قوله.

 ثانيا – الشيء الثاني الذي أود الوقوف عنده،قول الباحث رشيد الخيون”ولد جواد علي ببغداد،مدينة الكاظمية في العام 1907(…) أكمل الدراسة الثانوية،في مدرسة الإمام أبي حنيفة النعمان،حيث مدينة الأعظمية السنية،والتي مابينها ومدينة الكاظمية الشيعية عبور دجلة،يوم لم يكن الإنتماء المذهبي أو الديني بالحسبان،وكان بمعيته أخيه وصفي علي،فلما دخلا مدرسة أبي حنيفة،قال لهما مديرهما الحاج نعمان الاعظمي (ت 1939).

– أنت جواد علي واخوك وصفي علي،بعد أن كان إسم ابيهما عبد علي.” وقد رجع الباحث الثبت رشيد الخيون،الى كتاب (الأثار العربية.منتخبات المؤرخ الدكتور جواد علي،مكتبة الاسكندرية 2014.مقدمة بشار عواد معروف)مما يدل وليس ( يدلل)- كماورد-أن جواد علي لم يكن مشغولا منذ صباه بما يشير إلى المذهب أو القوم،فظل هذا الإسم ملازما له .

توثيق علمي

أقول: اذ أختار الدكتور جواد علي هذه التسمية،فان أخاه الطبيب العدلي،الذي شــغل وظيفة مدير معهد الطب العدلي ببغداد سنوات طويلة،كان يعرف بـ ( وصفي محمد علي) وليس عبد علي،اوعلي. اورد هذا للتوثيق العلمي والتاريخي فحسب،فاناغير معني بما توحيه التسميات.

ثالثا – قرات خبرا عن فوز الباحث والروائي التونسي شكري المبخوت بجائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والادب لقدرته على تمثل المنجز النظري بلغة نقدية رصينة علميا وجماليا.في تفاصيل الخبر ورد-كذلك-ان جائزة فرع الدراسات الإسلامية ،وموضوعه في هذه الدورة (الأعمال التي أنجزت في تحقيق كتب التاريخ الاسلامي والتراجم) قد ذهبت الجائزة إلى الأردني بشار عواد.،استاذ الحديث في جامعة العلوم الاسلامية العالمية بالأردن.

قلت: ان الأستاذ الدكتور،بشار عواد معروف، استاذ عراقي وهو ابن أحد الإخوة الذين كان لهم شأن أي شأن في الدرس التاريخي والتربية وهم الأستاذ الدكتور ناجي معروف (1910-1977) صاحب موسوعة،عروبة العلماء المنسوبين للبلدان الاعجمية ، وشقيقه التربوي أحمد معروف (1918-1969) الذي كان أحد مدرسي الثانوية المركزية ببغداد القريبة من وزارة الدفاع،يوم انتظمنا للدراسة فيها في العام الدراسي 1960-1961 أما الدكتور بشار فكنت احظى بحضور مناقشاته للبحوث العلمية في الماجستير والدكتوراه في معهد التاريخ العربي والتراث العربي للدراسات العليا، يوم انتظمت للدرس في المعهد سنة 2001 – 2002  وكان جادا في مناقشاته وعلميا وكثيرا ما امتنع عن قبول اطاريح ورسائل لانها كانت تفتقر الى الدقة والعلمية، ويمنح الطالب اشهرا كي يعيد كتابتها.هذه شهادة للحقيقة ولتأريخ الرجل الناصع علميا الذي جاءته الجائزة السنية البهية تسعى.

حاشية

(1) نشرت الدراسة في احدى الجرائد العربية الصادرة في لندن بتاريخ السبت 13/ كانون الثاني /2018.