مصر .. وحلول الرئيس الخامس
لم يكن مساء الرابع والعشرين من حزيران ( يونيو) الجاري يوماً عابراً في تاريخ مصر، حيث الموعد شبه المقدس، للإعلان الرسمي لنتائج.. انتخابات الرئاسة المصرية، المرحلة الثانية والأخيرة لتسمية الرئيس الجديد، وبعد سجل وجدل مازالا مستمران في مصر وخارجها حتى أللحظه.. أعلن المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات عن فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين وذراعهم السياسي (حزب الحرية و العد اله) السيد محمد مرسي، وليكون الرئيس الخامس في تاريخ مصر الحديث بعد السقوط غير الرسمي للملكية في ثورة 23 يوليو تموز من عام 1952 من القرن الماضي، وتسنم اللواء محمد نجيب منصب الرئاسة في حزيران (يونيو) من العام الذي تلاه، وكأول رئيس مصري في عهد الجمهورية ولكن الأخير لم يصمد كثيراً أمام مؤامرات بعض ضباط الثورة ومنهم.. جمال عبد الناصر.. حيث أجبره رغم إرادة المصريين آن ذاك على الخروج من القصر الرئاسي، وإرغامه على الإقامة الجبرية في (فيلا زينب) في ضاحية المرج في القاهرة، وليبقى معتقلا تمنع زيارته سبعة عشر عاما الا ان أطلق الرئيس السادات الكثير من حرياته وهو يقول : له أصبحت ألان حرا.. ولكنه مكث في نفس المكان أثنى عشر عاما أخرى.. وبعد (نجيب) تسلم جمال عبد الناصر مقاليد الحكم في شتاء عام 1954.. ولكي يوصف بأنه من اكثر زعماء القرن أثارة للجدل… ورغم تمتع عبد الناصر بشعبية واسعة.. ولكون الكثيرين من المصريين والعرب ذات التوجهات القومية العروبية الرائجة آن ذاك.. قد وجدوا فيه شخصية تتميع بصفات كاريزمية قيادية تتماها مع طبيعة الصراع العربي_ الإسرائيلي، ولكن مواقف الرئيس آنف الذكر.. ورؤاه كان ينظر لها بعيون تصأصأت أحداقها بالريبة والاستنكار.. ولاسيما مواقفه من ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق، وتآمره على الثورة وزعيمها الوطني عبد الكريم قاسم.. ووصل الحد إلى إرسال بنادق(بور سعيد) للعراق في المحاولة الانقلابية الفاشلة والتي قـــام عبد الوهاب الشواف عام 1959، علاوة على تعذيبه وقتله واعتقاله وتصفيته الكثير من الشيوعيين والإخوان المسلمين وعلى حداً سواء في داخل مصر، وبعد وفاة عبد الناصر في عام 9701، فأن الرئيس الثالث (أنور السادات) والذي تربع على عرش الرئاسة من بعده قد حقق انتصارا رغم كونه غير كاملا في معركة أكتوبر 1973 مع إسرائيل، وبعدها بخمس سنوات وقع على اتفاقية السلام معها (كامب ديفيد) في عام 78 ولذلك وصف بأنه ( رجل الحرب والسلام)، وبعد اغتياله في عيد الاحتفال بالسادس من أكتوبر من عام 81 من مجموعة وصــفت بأنها إسلامية متشددة !، وبعد مرحلة السادات فأن حقبة الرئيس محمد حسني مبارك قد بدأت والتي استمرت ثلاثة عقود بالتمام والكمال قبل أن يُنهيها هدج صوت شـــباب 25 من يناير كانون الثاني، في ميدان التحرير بالقاهرة ومعظم المدن المصرية.. وهو ينبئ بنمط جديد من الثورات، تنتقل فيه كاريزمية الشخصية الثورية الى الجماهير ويتحكم بها ( عقلها الجمعي) وكامتداد طبيعي لثورة الياسمين في تونس الخضراء، حيث لم يصمد الرئيس المخضرم حسني مبارك! إلا اكثر من أسبوعين بقليل.. عندما أطل نائبه (عمر سليمان) في الساعة السادسة من جمعة 11 شباط فبراير من العام الماضي وليعلن تخلي الرئيس من منصبه وتسليم كافة السلطات إلى ( المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، مؤمناً إلى عصرٍ جديد من الديمقراطية.. وليكون(صندوق الاقتراع) هو الرحم الأصلح والذي يُنجب السلطات، التي تكلف بإدارة المجتمع والدولة بدلاٌ من فوهات البنادق.. أو (سبطانات) المدافع والدروع. أن التحول الهام الأخير والذي يصبوا إليه الكثيرين من مواطني مصر الكنانة، بالمزيد من الكر فئ في سمائهم ولتهطل مطراً غزيراً يبعد عنها.. سنين الظمأ والنكد سيما وأنهم حنأوا تلك الأرض المعطاة بدماء الشهداء من نساء ورجال وأطفال واللذين سقطوا وهم يَحبون نحو كواكب الحرية الواعد في ميادين التحرير.
إن فوز مرشح الإخوان المسلمين وفي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ مصر.. وفي خضم التطورات السياسية الدولية والإقليمية المتسارعة.
يدعونا حقا إلى الركون في عوالم القلق على مستقبل مصر بعد ان انشطر سكانها إلى شطرين شبه متساويين احدهما، انتخب مرشح اكثر الجماعات الاسلامية جدلا في تاريخ مصر.. والأخر فضل مرشح لبرالي علماني، وضعوه نداده الاسلامويين ! في كفة (الفلول) وباعتباره احد أركان نظام حسني ! وحسب ماروجت له ماكنتهم الاعلامية المضادة، وفي هذه المناسبة ألتاريخية لابوسعنا إلا أن نضع بصمات رؤانا وأفكارنا، والتي كانت كنتاج طبيعي لفهمنا العميق لتاريخ جماعة الإخوان ومنذ تأسيسها في عام 1928 من قبل مرشدها الأول (حسن البنا) والذي تم اغتياله في خريف عمر النظام الملكي البائد، حيث كان الأخير إسلاميا متصوفا تواقا لإقامة دولة إسلامية حيث انخرط ومنذ نعومة أظافره في تأسيس عدد من الجمعيات ذات الطابع الإسلامي ، ومنها ( جمعية منع المُحرمات)!!.. وبعد اغتيال البنا في عام 949،فان الجماعة لن تتوقف بنشاطها في مصر وخلال حقبة العصر الملكي، وبعدها في عقود الجمهورية العتيدة وكانت مواقفها من مختلف تلك الحكومات، ومواقف الحكومات منها، تتسم بشكل عام بالتذبذب، فمرة يُغض النظر عن نشاطها ومرةً يتم اعتقال وإعدام قياديها مثلما حصل أبان حكم عبد الناصر.
ولم يستطع الإخوان ومنذ تشكيل جماعتهم إخفاء نواياهم والتي أشرنا لها وهي تسييس الدين والركوب إلى السلطة من خلال أيديولوجية إسلامية ذات طابع مذهبي خاص، رغم أنهم في اكثر من مناسبة من تاريخهم أعلنوا بأنهم ضد التحزب! ولكن مجمل المعطيات والشواهد والتي أصبحت جلية واضحة أثبتت بطلان تلك الإدعاءات وخاصة بعد تشكيل حزب الحرية والعدالة والمشار له في إطراءنا هذا.
إننا نرى في تلك التطورات ألهامه والمتسارعة في مصر وعموم المنطقة كل المُسببات اللازمة لإثارة الجدل والتساؤلات الغير واضحة الاجابة حول مستقبل مصر واستقرارها وتماسكها الاجتماعي والسياسي، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين للقنوط إلى احد المفكرين وهو يقول (لابُد من كسر الجوزة للمعرفة ما في باطنها)..!
عارف الماضي – النجف
/6/2012 Issue 4238 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4238 التاريخ 30»6»2012
AZPPPL
























