نصب الحرية .. معاناة شعب
مصبوبات برونزية في منحوتة بغدادية- فنون – عبد الكاظم محمد حسون
لم يعد نصب الحرية في بغداد عمل فني عادي كغيره من الأعمال الفنية , وإنما هو عمل يحمل في طياته تاريخاً طويلاً لشعب عريق ويحكي معاناة العراق منذ زمن بعيد كما انه يحكي اكبر تغيير او تحول في تاريخ العراق الحديث حيث يجسد ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 من خلال الرمز لها
بجندي عراقي بطل يكسر قضبان السجن لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العراق , مرحلة الحرية والرخاء والتآخي والتطور في كل مجالات الحياة ومنها الزراعية والصناعية , ان الفنان الراحل جواد سليم كان مبدع بحق كان مثقفاً ومطلعاً على تاريخ العراق بكل حيثياته وكان موفقا أيضا بربط الماضي بالحاضر بلوحة فنية قل مثيلها أعطت لبغداد رونقاً خاصا وعنوان جديدا باعتبار ان النصب يرمز أولا وأخرا للحرية . ان جواد سليم هو جواد محمد سليم عبد القادر الخالدي الموصلي 1921- 1961 نحات من العراق، يعتبر من أشهر النحاتين في تاريخ العراق الحديث، ولد في انقرة لأبوين عراقيين واشتهرت عائلتة بالرسم فقد كان والده الحاج سليم وأخوته سعاد ونزار ونزيهة كلهم فنانين تشكيليين. وكان في طفولته يصنع من الطين تماثيل تحاكي لعب الأطفال، ولقد أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد , نال وهو بعمر 11 عاما الجائزة الفضية في النحت في أول معرض للفنون في بغداد سنة 1931. وأرسل في بعثة إلى فرنسا حيث درس النحت في باريس عام 1938-1939م، وكــــــــــــذلك في رومــــا عام 1939 -1940 وفي لندن عام 1946-1949 ورأس قسم النحت في معهد الفنون الجميلة في بغداد حتى وفاته في 23 كانون الثاني 1961, و أسس جماعة بغداد للفن الحديث مع الفنان شاكر حسن آل سعيد، والفنان محمد غني حكمت. كما إنّه أحد مؤسسي جمعية التشكيليين العراقيين , ولم يكن الفنان مجرد نحات وانما كان يمتلك مواهب وقدرات أخرى تثير الانتباه والإعجاب حيث كان يجيد اللغة الإنكليزية والإيطالية والفرنسية والتركية إضافة إلى لغته العربية، وكان يحب الموسيقى والشعر والمقام العراقي إضافة إلى كونه رساماً له لوحات كبير معبرة بلغ عددها أكثر من عشرين لوحة تبدا من عائلة بغدادية سنة 1953 م الى لوحة في محفل الخليفة سنة 1958م .
ان هذا العمل الكبير مزج خلاله الفنان الراحل بين القديم والحداثة حيث تخلل النصب الفنون والنقوش البابلية والآشورية والسومرية القديمة إضافة إلى رواية أحداث ثورة تموز 1958 م , أن النصب يحتوي على 14 قطعة من المصبوبات البرونزية المجوفة المنفصلة عن بعضها تم ترتيبها الحصان، رواد الثورات، الطفل، الباكية، الشهيد، أم وطفلها، المفكر السجين، الجندي، الحرية، السلام، دجلة والفرات، الزراعة، الثور، الصناعة مرتبة من اليمين الى اليسار كما هو اتجاة الكتابة العرابية , ولكل رمز من هذه الرموز له مضمون ومعنى وله علاقة بتاريخ العراق القديم والحديث , ويمكن اختزال هذه القطع إلى اثني عشر قطعة وهي عدد أشهر السنة تعكس تاريخ العراق القديم والحديث , وهي تحوي على رموز سحرية قديمة , موجودة بكتب السحر الأسود , ولكن أكثر ما يسترعي الانتباه في النصب هو الجندي الغاضب والذي يكسر الحواجز بالإضافة إلى الثور الأسود البارز , اي الآلة بعل , المعبود عند الشعوب القديمة والتي بسبب عبادتها لبعل او الشيطان الرجيم , فأنها تدمرت واضمحلت .
مشغل خاص
ان النصب على ضخامته لم يجعل الفنان الراحل هو الشخص الوحيد الذي على يديه قد تحقق انجازه فقد ساعده في ذلك كل من الفنان الراحل محمد غني حكمت 1929-2011 حيث تم تنفيذ أجزاء النصب في مشغله الخاص قي روما وهو الذي بذل جهدا في نصبه في بغداد لكون الفنان الرحل قد توفى اثر نوبة قلبية دون ان تتكحل عيونه برؤية عمله . كان لجهد النحات غني دور متميز وكبير في انجاز هذا النصب حتى ان الفنان محمد حكمت يروي انه اخفى خبر وفاة الفنان جواد عن اللحام الايطالي الخاص باللحام البرونز حتى لا يكون رحيل الفنان سليم سبب يمنع اللحام من الذهب الى بغداد . وثُبتت القطع او المصبوبات على لوحة من الخرسانة المسلحة مغلفة بالمرمر من تصميم المعماري العراقي رفعت الجادرجي الذي ساهم في مناقشة فكرة النصب مع الفنان الراحل جواد سليم باعتباره مدير الإسكان في العاصمة في ذلك الوقت ومُكلفاً من قبل الحكومة بإنشاء مثل هذا النصب إضافة الى نصب الجندي المجهول وقد تم انجاز العمل بإبعاد 50 متراً طول وهو عرض حديقة الأمة الحالية وعرض 8 امتاراً بينما بلغ الارتفاع الكلي 15 متراً .لم يكن اختيار ساحة التحرير الحالية موقع لهذا النصب جزافا ، فهذا الموقع بالذات يربط أهم شارعين في تأريخ بغداد هما شارع الجمهورية وشارع السعدون وهو أيضا مواجه لجسر التحرير، ذلك الجسر الذي ينقل البغداديين من الكرخ إلى الرصافة وبالعكس إن الشارعين والجسر ساهموا في تنويع زوايا رؤية النصب وأشكالها.لهذا النصب أثره على المجتمع العراقي على مختلف الثورات والعصور فلم يتوحد العراقيين برمز يوما كما توحدوا باتفاقهم بأن هذا النصب هو رمز للتخلص من العبودية والظلم . ورغم أن النصب لا يحتوي على اتجاهات سياسية غير كونه رمز للتحرر ألا انه أصبح رمزاً لثورة 14 تموز مما دفع الحركات مثل حركة 8 شباط 1963 وحركه17 تموز 1968 والمناهضة لثورة تموز 1958 إلى اخذ موقف العدائي من هذا النصب. حيث تم رشقه بوابل من رصاص في عام 1963 م . علما ان الفنان جواد سليم كان مستقلا وقد حُكي عنه انه عانى معاناة كبيرة من خلال إلحاح بعض الأشخاص الوصوليين في عهد قاسم من خلال طلبهم من الفنان إدراج وجه الزعيم عبد الكريم في قرص الشمس الموجود خلف الجندي العراقي محطم أبواب السجن , إلا أن الفنان سليم رفض هذا المطلب على الرغم من ما أصابه من قلق وضغوطات نفسية عالية جراء تلك المطالبات أثرت على صحته الشخصية , كان يروم الفنان ان يعطي للنصب بعدا وطنياً بعيداً عن الشخصنة , وكأن الفنان يفهم ما تأل أليه ظروف البلد بعد رحيله ومع ذلك لم يتخلص من الاتهامات من قبل معادي توجهات ثورة تموز 1958 مما سبب الكراهية له ولنصبه الخالد من قبل هؤلاء .
ولكن هذا النصب لا زال رمزاً عراقياً شامخاً وهوية بغدادية وقلباً نابضاً لا يموت يضخ دم الحرية والتحرر ومقارعة الظلم للعراقيين وأصبح مزاراً للثوار في كل حين تنطلق منه الهتافات الجماهيرية الغاضبة التي تنطلق الى عنان السماء كذلك اصبح مصدر إزعاج لكل دكتاتور وكل فاسد لا يحب وطنه ولا يشعر بتاريخ العراق المجيد. ونرى اليوم الجماهير المحتجة والمظلومة تتظاهر تحته كل جمعة ونرى صور الجماهير وهي جنب النصب وتحت ظله تنقلها كل وسائل الإعلام الوطنية العالمية .























