مشروع مقترح لخدمة بغداد ولياليها الدرامية

مركز لدراسات الف ليلة وليلة

مشروع مقترح لخدمة بغداد ولياليها الدرامية

 باسم عبد الحميد حمودي

يقول المستشرق الدانماركي ج. أوستروب) فيما عدا الكتاب المقدس لاتوجد سوى كتب قليلة حققت انتشارا واسعا وطافت العالم بارجائه مثل مجموعة الحكايات العربية الشهيرة التي عرفت تحت اسم الف ليلة وليلة) ويغطي كتاب الاستاذ الدكتورصالح الصحن  ( الف ليلة وليلة في السينما والتلفزيون عند الغرب ) الصادر حديثا دور الليالي العربية في هذين الحقلين وفي الاداب والفنون التشكيلية الاوربيةوفنون الاوبرا .

ويعمد مختلف الدارسين الى اعتبار ترجمة انطوان غالاند لليالي العربية بين عامي 1704-1717  هي الترجمة الاولى التي نقلت الليالي الى الغرب وقدمتها كافضل المنجزات السردية العربية التي  افادت- وما تزال- الكثير من المبدعين.

 ونحن نجد في الفصل الذي قدمه د. الصحن  في كتابه النافع عن (الف ليلة في القصة والرواية العالمية ) مايقدم جهدا صادقا في .تنقيب اثر هذا الكتاب المبهر في هذه الاداب, كمانجد في الكثير من الدراسات التي سبقته تفاصيل متعددة عن هـــــذا الاثر السردي العربي على  آداب وفنون أمم وشعـــــــوب  في شتى أرجــــــاء الارض

بغداد   مهاد ( الف ليلة وليلة ) الاساس

والعراق , دون سواه , هو الركن الدرامي الاساس في حكايات الف ليلة وليلة التي يسميها الغربيون ( ليالي بغداد ) أو ( الليالي العربية ) , وبغداد -دون غيرها من مدن الدنيا – مركز الليالي الالف , حتى وأن ابتعدت الاحداث في ليلة وأخرى عنها, ولايخفى على أحد أن العالم المتقدم بأسره قد نهل من هذا الكتاب  السردي المهم الذي وضعه الغربي يوما قرب مخدته قريبا من الكتاب المقدس لكي يضمن وقتا ممتعا قبل الخلود لراحة النوم .

في دائرة المعارف العالمية كتب جمال بن الشيخ مقالة قصيرة انطلت وقائعها على كثيرين ممن يعون الموضوعية أو يستخدمونها لأهوائهم , وخلاصة ادعاء أبن الشيخ أن الف ليلة وليلة نتاج عمل عدة شعوب , وبذلك حاول   تضييع جهد مؤلفها البغدادي الذي يميل د. عبد الملك مرتاض ( رئيس جامعة الجزائر السابق ) الى اعتباره أبن عبدوس الجهشياري (ص6 من كتابه: الف ليلة وليلة – دراسة سيمائية تفكيكية لحكاية حمال بغداد ط : دار الشؤون الثقافية -بغداد 1989), فيما  اعتبر الاستاذ حسان الاعرجي أن المؤلف البغدادي لليالي هو الكاتب الكبير أبو حيان التوحيدي  , ولكل مبرراته ولكنهما يقفان مؤكدين على بغدادية التأليف والوقائع ولا يريان في عدم موضوعية أبن الشيخ ألا هفوة مقصودة.

 في الفصل السابع من كتاب الصديق مرتاض وعنوانه ( المعجم الفني للغة السرد ) يقول انه كان مشاركا مع الاخرين في ارائهم حول عدم بغدادية المؤلف حتى انتبه وهو يدرس حكاية حمال بغداد الى لغة السرد فيها وفي الحكايات الاخرى ( عدا ماأضيف زوراً الى الليالي ) الى نمطية اللغة وورودها من مورد واحد وقال بالنص ص273مايلي: (    هذا المعجم الفني الذي رصدناه أصبح وسيلة  لاستكشاف معجم فني عام عبر الحكايات الاخرى في الليالي …..وبطريقة تشبه المصادفة في بداية الامر ثم بدافع حب الاستقراء( وجدنا ) تواتر عبارات بعينها ومواقف بعينها  ) ثم  يقول بعد ذلك : (( كيف يتعدد المؤلفون  وتتوحد اللغة الفنية للسرد؟ثم كيف يتعدد  هؤلاء المؤلفون وتتوحد الرؤية الفنية كما تتوحد المواقف والشخصيات وتتشابه على تباعد بين الليالي؟  وكيف نفسر أذن هذه الوحدة الفنية العامة التي تطبع هذا الاثر السردي العظيم ؟ )

هنا يضع د. عبد الملك مرتاض سؤالامهما آخر أذ يقول في ص274 : ((هل يمكن لمجموعة مؤلفين , أولي ثقافات مختلفة وأيولوجيات متباينة ومنتمين الى أزمنة  وأمكنة متباعدة أن يوفقوا الى  نسج  هذا العمل الفني الكبير على هذه الصورة من الانسجام وهو ما أطلقنا عليه (( الوحدة الفنية للسرد )) ؟ وهل سهل على الآخر أن يقلد الاول ؟ وهل يجوز أذا يسرعليه ذلك أن يجاوز الشكل السردي العام الذي يمكن أن يتأتى له, الى المعجم الفني العام لهذا السرد  عبر الف ليلة وليلة , أي عبر مئات الحكايات الجزئية  وعشرات الحكايات  الكلية ؟ ))

ولابد أن نشير هنا أن مرتاض ومحسن مهدي ومحسن الموسوي أحمد رضا حواري وسواهم ممن اسهموا في تحرير العدد الخاص من مجلة ( التراث الشعبي ) الخاص  ب (الف ليلة وليلة )الصادر عام 1989 الذي اشرفت على تكليف كتابه وتحريره ( فيما اشرف الفنان شوكت الربيعي على تصميمه ورسم لوحاته ) لم تفتهم ان الكثير

من الحكايات المضافةالى  النص الاصلي للحكايات كانت نصوصا ملفقة زائدة لا تنتمي الى روح الليالي الااسما  ونحن نجد في كتاب د. محسن مهدي عن الف ليلة ( الجزء الاول الخاص بمقدمة التحقيق والنصوص ) لا ما يؤكد عراقية الليالي فقط بل يؤكد ايضا أنها لم تكن كاملة كألف ليلة (بل هي تسمية للأبهار فقط ) وأن الوراقون في القاهرة والشام قد اضافوا الى الليالي من ما لديهم من خزين حكائي وباعوها للمستشرقين .

نجدأن مرتاض يوضح أن الجهشياري قد دون 480 ليلة زمن الخليفة المقتدروأن ( معظم الحكايات تنطلق من مدينة بغداد او تنتهي اليها) , وأن المؤلف لابد أن يكون بغدادي الدار رشيدي العهد عربي الثقافة, ويورد مرتاض أن المؤلف قد يبدا روايته -كما في حكاية عمر النعمان- من دمشق في الليلة الخامسة والخمسين ولكنه يعود في الليلة التالية ليذكر بغداد عاصمة للملك .

  حدائق الف ليلة ومعمار مدنها

يقول د. محسن الموسوي في مقدمة كتابه( الف ليلة وليلة في نظرية الادب الانكليزي )ص9  :((معروف أن الحدائق وحدها تقدم عددا من الادلة التضاريسية والمعمارية والاخلاقية ايضا. حتى أن دراسة عن  الحديقة المغلفة) ) قام بهاأحد الباحثين…. ومعروف أيضا أن أحد المعماريين الامريكان في مطلع هذا القرن ( المقصود ق20)قام ببناء مدينة صغيرة موزعة حسب الخرائط العمرانية المتكررة في الف ليلة) مما يدل على الحرص ..على التدقيق في معرفة الاطار العمراني لليالي الالف ومحاولة. تأثيث الفضاءات في الليالي.

   محسن مهدي وعراقية الليالي

  قام د. محسن مهدي في كتابه ( كتاب الف ليلة وليلة في أصوله الغربية الاولى) ط. ليدن 1986 بالأشارة الى أن وضع النسخة الرئيسة من الليالي ( التي اسماها : النسخة الام) تم في القرن الثالث الهجري وأن هذه النسخة قد ضاعت لتظهر من جديد بين الرواة في القرن السابع الهجري سماها نسخة الدستور , وأن النسخة الام يمكن أعادة تركيبها من جديد من النسخ الخطية الموجودة , ثم قام محسن مهدي (رح ) بالتأكيد على عراقية النسخة الام القديمة مع ايراد ملاحاظاته الفاحصة على نسخ كلكتا وبولاق والمغربية وبرسلاو وكشف الاضافات غير الحقيقية على الليالي ومنها حكايات علاء الدين وعلي بابا .  وكنت قد ذكرت في ص294 من كتابي ( سحر الحقيقة) أن عبد الصاحب العقابي قد اشار الى عراقية نسخة برسلاو المطبوعة عام1714 وأن ميخائيل صباغ ( أحد معاوني دي ساسي) ذكر أنه عثر على نسخة الحكايات  عن مخطوطة بغدادية كتبت عام1703وكانت هذه هي النسخة المزورة التي اعتمدها برين وبيرتن على ما يذكر حسين هداوي.

  مركز دراسات الف ليلة

كل آلاف الكتب والدراسات التي كتبت والافلام والمسلسلات التي انتجت وقصائد الشعراء بمختلف اللغات الحية وروايات الكتاب العرب وغيرهم التي تأثرت بالليالي  أو افادت من شخصية من شخصياتها تؤكد على غراقية هذا السفر الخالد وبغداديته  … ومن الصحيح ان الكثير من احداث الليالي جرت في دمشق الشام والبصرة الفيحاء وقاهرة المعزوفي سلطنة عمان  وفي بلاد فارس وتركيا لكن المهاد الرئيس هو بغداددون غيرها , اذ هي مدينة الليالي الشهرزادية . وقد باتت الحاجة ملحة الى تأسيس مركز لدراسات الف ليلة وليلة في بغداد  للأحتفاظ بالكتب والمدونات والافلام والدراسات الخاصة بالليالي وبمختلف اللغات , وتنظيم ارشيف عالمي خاص بالمسموع والمدون والمصور من حكايات الليالي وجمع ما أنتج عنها بكل الغات الحية , اضافةللمؤلفات الخاصة بها والطبعات المتعددة منها , وكل ما يتعلق بالليالي البغدادية من صلة . بغداد دون سواها من المدن هي موئل هذا المركز الذي لن ينافسها عليه أحد , هو جدير بها وهي جديرة به , فاذا قام هذا المركز – كنواة أولا – بدأ العمل الجاد من اجل تكوين أقسامه وجمع الآثار  المتعددة والخاصة بالليالي , بعد ذلك يبدأ العمل  الانتاجي بالمركز متمثلا ب :

1-         اصدار مجلة أرشيفية خاصة بالموجودات

2-         اصدار مجلة دراسات خاصة بالليالي

3-         توزيع نشرة الكترونية بالوسائل العلمية المعروفة

4-         اصدارطبعة موثقة بالليالي بالعربية والكوردية والتركمانية والمندائية والسريانية

5-         الاستعداد للبدء بالاعداد لندوات سنوية علمية عن الليالي

6-         اعادة طبع الكتب الرئيسية  الصادرة عن الليالي من قبل المؤلفين العراقيين كبداية

ولابد من الاشارة هنا من ضرورة تصنيع منتجات خاصة بأبطال الليالي – بالاستعانة بمعهد التراث الشعبي – من البورسلين والخشب والقماش لتباع لزوار المتحف حيث سيقتني الزوار نماذج مجسمة من  : دليلة المحتا لة – قمر الزمان  – مريم الزنارية -ابطال الحكايات الرئيسين : شهرزاد- دنيا زاد – الوزير – شهريار  وغيرهم .

لا اريد التوسع في الاحلام والمطامح لكن بغداد ولياليها تستحق من جهدا علميا ينحاز اليها ويخلد اثرها الدرامي الخالد الذي نهلت من كل آداب الشعوب.