مسؤولية نشر اللغة وإلتزامات الصحافة
سامر الياس سعيد
لايختلف اثنان على الأدوار المهمة التي تضطلع بها الصحافة عموما من خلال اعتبارها أداة هامة في نشر الثقافة والرقي بالمجتمعات والشعوب من خلال إضاءة منجزها الأدبي والثقافي فضلا عن اعتبار الصحافة مادة مهمة في التوثيق والتاريخ والأرشفة فهذا الامر منحها ديمومة انتصرت بها على مختلف التقنيات الحديثة التي باتت تنافس السلطة الرابعة في مهمتها من جانب نقل الأحداث وتوثيق تواريخها حيث عملت الصحافة كمرآة عاكسة إزاء ما يجري في العالم لتنقل بالرأي والحقيقة ما يحدث في مختلف بقاع العالم بالإضافة الى الدور الحيوي في نقل ثقافات الشعوب وإضاءة مشهدها الإبداعي بالكثير من الأفكار والآراء حتى أسهمت تلك الوسيلة بتصغير العالم واعتباره بقعة صغيرة تتلاقح فيها الثقافات وتنهل من معين الإبداع الذي لاينضب وقد رسخت الصحافة في مجمل سيرتها أهمية كبيرة نابعة من خلال عكس تلك الصحف لأوجه الحياة بكل جوانبها المختصة بالمحور الاجتماعي او الفكري بالإضافة الى مصدر الإشعاع الفكري والأدبي وإذ كانت الصحافة السريانية قد حافظت على تقليدها بتخليد ذكرى صدور اول صحيفة من خلال عيد انطلاقة الصحيفة السريانية الأولى من مدينة اروميا بايران وهي تحمل اسم (زهريري دبهرا) فان على هذه الصحافة التي تتكلم هذه اللغة الأصيلة ان تسهم بشكل كبير في نقل اللغة ليس على صعيد المتكلمين بها فحسب بل على صعيد الثقافات الأخرى لان نقل اللغة السريانية التي عدت لغة الإبداع والثقافة في أزمان سابقة مسؤولية مهمة لاتضطلع بها المؤسسات المختصة فحسب بل هي مسؤولية كل فرد من الناطقين بهذه اللغة عليه ان يكون على قدر تلك المسؤولية في استعادة الدور المهم والمتميز الذي لعبته هذه اللغة الأصيلة التي تحدت الزمن وانطلقت من جديد لتشهد صحافتها ربيعا بعد سنوات التغيير من حيث عدد الإصدارات وتنوع العناوين التي تميزت بأحرف لغتنا السريانية المتألقة .. لاشك إننا نعتبر الصحافة بشكل عام مختبر المواهب الشابة والقابليات الجديدة بل يعتبرها البعض ميدانا تتوسع فيه القابلية لاكتشاف الإمكانات والمواهب الأدبية والفكرية والفنية حتى إذا تكامل نضجها واستقام عودها باشرت مهمتها القومية التي تتلخص باستعادة دور اللغة السريانية كمصدر إشعاع فكري وثقافي ومنذ صدور أول صحيفة باللغة السريانية كان المهتمين يشيرون الى دور الصحافة في استقطاب المواهب والإمكانيات الجادة من خلال توليه لمهمة الإعلام والقيام بدور نهضوي ينعكس بالإيجاب في استنباط أشعة الضياء التي عناها اسم الصحيفة الأولى لتشرق من جديد على الناطقين باللغة من اجل استنهاض دورها الحيوي الذي لم يخفت بريقها على مر الزمان فهي تعد من أقدم اللغات الموجودة على وجه البسيطة ولكن بمرورالاف السنين برزت عدة لهجات وخطوط عديدة لكتابة اللغة السريانية وكانت هذه اللغة تعرف بالآرامية نسبة الى ارام الابن الخامس لسام بن نوح الجد الأعلى لجميع الشعوب السامية وكانت اللغة هي المتداولة بين الذين استوطنوا بلاد آرام الشام وآرام النهرين منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد وفي الألف الأولى قبل الميلاد امتدت الى شمال وشرق الجزيرة العربية وشمال شرق مصر وانتشرت في العالم القديم انتشارا واسعا وكتبت بها بعض مقاطع أسفار الكتاب المقدس مثل سفر دانيال وطوبيا ويهودت واستير وعزرا إضافة الى إنجيل متى ويذكر التاريخ عن الآرامية بأنها كانت لغة دولية في الشرق واستمر ذلك زمنا طويلا حيث لم تضاهيها لغة أخرى في الانتشار إلا اللغة الانكليزية وفي عصرنا الحديث بل ان اليونانيين والرومان تعلموا صناعة خط الكتابة بالحروف الهجائية من الـــسريان وكان ذلك في عام 1590ق م.
وما يختص بمقالنا هذا فان اللغة الآرامية كانت لغة الدولة الآشورية وما بين النهرين بعد اضمحلال لغتها الاكدية وكتابتها بأبجديتها المسمارية في القرن الثامن قبل الميلاد كما كانت اللغة هي المتداولة في البلاط البابلي سنة 625-605ق م على عهد الملك نابو بلاصر كما كانت لغة اليهود بعد عودتهم الى فلسطين بعد ان نسوا لغتهم العبرية التي شهدت اختفاءا في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وأصبحت لغة محدودة يقتصر تداولها على بعض الطقوس الدينية ..
وإذ أبرزنا ان للصحافة السريانية إسهام كبير في نقل إشعاعات اللغة السريانية فالتاريخ يشير الى ان اللغة السريانية فرضت نفسها بجدارة من خلال عدم وجود أي مصدر لمؤرخ عربي او إسلامي إلا وضمن إشارته بذكر اللغة السريانية كلغة جميع الناس في العهود القديمة أي إنها كانت لغة ادم وشيت وإدريس ونوح وإبراهيم واسحق وإسماعيل وغيرهم كما ان العهود المتتالية شهدت فترات متباينة لازدهار اللغة والتي شهدت أيضا دخول التقنية الحديثة عليها لتسهم بنقلها الى افاق أوسع وقد تابع المؤرخون ان ( نابليون بونابرت) حينما احتل مصر في عام 1798 كان يصدر أوامره بثلاث لغات من بينها السريانية الى جانب اللغة الفرنسية والعربية كما استقطب مطابع كان من بينها مطبعة متخصصة بطبع الحروف السريانية وعرف عن الأديب المصري الشهير (طه حسين) إتقانه للغة السريانية حينما تعلمها في جامعة القاهرة على يد البروفيسور( ليتمان) وكان حسين بناء على تلك الدروس التي أتاحها له ليتمان قد حفظ الكثير من النصوص المكتوبة باللغة السريانية حتى انه ألقى كلمة وداع بهذه اللغة لأستاذه ليتمان بعد انتهاء مدة تدريسه في جامعة القاهرة عام 1914.. وإذ كان للمطابع دور كبير في نقل الثقافات فقد عنى الاباء الدومنيكان بهذا الامر حينما استقدموا مطبعتهم المشهورة في شتاء 1857-1858 لتقوم هذه المطبعة بطبع المطبوعات بطريقة القوالب كونها كانت مطبعة بدائية جدا ثم وجودا ان هذه المطبعة تعمل بالية بطيئة مما دفعهم لاستقطاب مطبعة حديثة وصلت مدينة الموصل عام 1860 بعد رحلة شاقة انطلقت من أوربا عبر ميناء الاسكندرونة لتصل الموصل على ظهر الجمال وعدت المطبعة الأولى التي تتولى طبع مئات الكتب بمختلف المواضيع الدينية واللغوية والتاريخية والعلمية وبلغات عديدة هي العربية والكلدانية والسريانية والفرنسية واللاتينية والايطالية والتركية وزاد عدد طبعات بعض كتبها على عشر مرات وبعد مرور زمن طويل على وصول المطبعة وجد الاباء الدومنيكان ان للصحافة دور حيوي في الإسهام بتثقيف المجتمع وتنويره فأقدموا على إصدار مجلة شهرية باللغة العربية ذات طابع ديني حملت اسم مجلة (إكليل الورود) حيث صدر العدد الاول في كانون الثاني من عام 1902 وصدر العدد بثماني صفحات ولم يمض سوى عامين حتى صدرت المجلة باللغة الكلدانية وذلك في آب عام 1904 كما صدرت المجلة باللغة الفرنسية في كانون الثاني عام 1906 وكانت أعداد المجلة بهذه اللغات مختلفة فلكل عدد مواضيعه المختلفة وما يعنينا عدد المجلة الذي صدر باللغة الكلدانية حيث تضمنت المجلة المذكورة مقالات دينية تعليمية مع قصص وقصائد وأخبار وكانت تلك المواضيع بالكلدانية الفصحى وعادة ما كانت تنشر مقالات باللهجة المحكية (السورث) لكنها ما لبثت ان التزمت باللغة الفصحى ومن ابرز كتاب المجلة الاباء شموئيل جميل وادي شير وحنا قريو وظل القس الأخير المحرر الوحيد للمجلة حتى تموز عام 1907 حيث صدر العدد الأخير من المجلة باللغة الكلدانية وكان يطبع من كل عدد300 نسخة ..
وبناء على دراسة موسعة عن مجلة(إكليل الورود) بلغاتها المختلفة أضاء عنها الراحل الاب الدكتور (يوسف حبي) ونشرها في مجلة الهيئة السريانية في المجمع العلمي فقد نوه بان رسالة المجلة كان لخدمة وتجسيد الكلمة التي طالما كانت سرا وفنا وحب أما الرائد الصحفي الراحل ( احمد سامي الجلبي ) فقد كتب عن مجلة (إكليل الورود) بأنها كانت مكرسة لنشر المذهب الكاثوليكي على نطاق واسع على الرغم من اهتمامها بالمواضيع الثقافية والاجتماعية ونشر مواضيع الإرشاد وأخبار المجتمع الموصلي ..وإذا تفاءلنا بالدور المهم والبارز الذي اختطته مجلة (إكليل الورود) في الإسهام بوضع بصمة بنشر اللغة بين ابناء شعبنا والمجتمع عموما في مدينة الموصل فلابد ان نشير الى الدور الذي نبتغيه من صحفنا التي باتت تنطلق بإشعاعاتها الفكرية والثقافية لتعزز هذا الدور الحيوي بإبراز اللغة السريانية ضمن صفحاتها لتعيد لتلك اللغة القها البارز الذي لم يخبو وفي دراسة موسعة نشرها الباحث الدكتور (بهنام عطا الله) في مجلة (موتو عمايا ) بعددها الرابع والصادر في ايلول عام 2010 تناولت الصحافة السريانية في سهل نينوى ابرز الكثير من المعطيات التي لخصها بضرورة بلوغ النضج المطلوب في بنية الأداء الصحفي للانطلاق وترسيخ صحافة سريانية تأخذ على عاتقها إبراز هموم ابناء شعبنا والأخذ بيد العديد من الأقلام الواعدة كما ركز عطا الله خلال دراسته الى دور الصحافة عن طريق تفعيل كل الإمكانات المتاحة من اجل إقامة الدورات الصحفية وتعليم اللغة السريانية وهي مقومات اعتبرها (الباحث) خارطة طريق لبلوغ صحافة سريانية ناجحة وناضجة لها دورها الحيوي في المجتمع مشيرا بان كثرة الصحف الصادرة في المنطقة ومعظمها يخصص صفحات باللغة السريانية الى جانب اللغة العربية دليل على الانفتاح والتحرر ومؤشر على مدى تحضر وتمدن وثقافة المنطقة كما انه ظاهرة إعلامية بحسب الباحث للارتقاء بصحافة الناطقين بهذه اللغة نحو الأفضل وترسيخ تراثه وتاريخـــــه وثقافته ..
كما في هذا المجال نلمس مبادرات إعلامية تهدف الى تعليم اللغة السريانية عن طريق هذه المطبوعات ومن بينها اسهامة مجلة (الإبداع السرياني) عبر التركيز على عمق اللغة في محاولات لنشر اللغة بتقديم دروس تتناول كلمات سريانية ولاننكر الجهود الهامة التي يضطلع بها اتحاد الأدباء والكتاب السريان في هذا المجال ولاسيما مع مطبوعته الفصلية التي يصدرها الاتحاد باسم مجلة (سفروثا ) والانعطافة التي عززها صدور مثل هذه المجلة بلغات متعددة لاسيما اللغة السريانية متناولة الكثير من البحوث والأفكار التي تصب في الإسهام بشكل كبير بنشر اللغة وإضاءة الكثير من جوانبها الهامة من قبل كتاب ومفكرين ..
المصادر
1-السريان:الاسم الحقيقي للآراميين والآشوريين والكلدان-موفق نيسكو2012
2-الاباء الدومنيكان في الموصل :اخبارهم وخدماتهم 1750-2005 بهنام سليم حبابة
3-الدليل المرشد للجرائد الموصلية للفترة من 1885-2005 – عبد الجبار محمد جرجيس
4-صفحات مطوية من تاريخ الصحافة الموصلية – احمد سامي الجلبي 2006
5-مجلة موتو عمايا – العدد الرابع أيلول 2010
6-مسيحيو العراق-الاب سهيل قاشا 2009
7-مجلة الإبداع السرياني
























