
كلام أبيض
مرارة التنكر – جليل وادي
انه لأمر مضحك حقاً، ولا أدري كيف يعقله المسؤولون ؟ مع انك اذا تحدثت معهم اظهروا لك فلسفة وحلقوا في التنظير بعيدا، ولم يعد أمامك من سبيل سوى ان تلزم الصمت على مضض، اذ تغدو بنظرهم جاهلا ولا تفقه من الأمر شيئا، لا تبتئس قلت لنفسي، فالستون عاما التي مرت من عمرك أرتك من الحوادث أغربها، ومن المشكلات أعقدها، فبمقدورهم ان يسفهوا قولك، المهم ان ينتصروا في ميدان الحديث، كيف لك ان تتجرأ وتسألهم : أيعقل ان يكون سقي حدائق مركز محافظة بسيارة حوضية (تنكر) ؟ واذا تعطل ماتت الحدائق، وقبل ذلك تتكسر الأغصان وتتساقط الورود وتنحني الشجيرات وبقسوة من فرط قوة ماء الخرطوم الذي لا يسيطر عليه عامل السقي الا بصعوبة، وياويل الحدائق عندما يكون مزاجه متعكرا بفعل لهيب الجو او ملل العمل اليومي، او ان تقول لهم : لِمَ يشتد عمل سيطرات التفتيش وقت المغرب بينما ينعدم وقت الظهيرة، وكأن الارهابيين لايرتكبون جرائمهم الا عندما تكون النسائم عليلة، وربما يمط شفته السفلى ذلك المسؤول الأمني اذا قلت له ان تفجر التذمر المتراكم أشد خطورة من مفخخات الارهابيين .
منذ أكثر من نصف قرن من عمرنا الذي قضيناه بالآهات والأنين ونحن نحسب لكل الاشياء حسابا الا للانسان،، لأبسط الأشياء أثمان رخصت ام غلت الا بشرنا لا ثمن له، يُذل عندما يريد قضاء حاجة، ويُهان اذا دعا لحق، ويُنهر اذا طلب ما هو مشروع، ويُقتل اذا رغب بممارسة حريته، ويُقاد قهرا دفاعا عن رغبات المهووسين، ويُضلل بفعل رقة أحاسيسه، ويُؤدلج بسرعة لنقاء سريرته وثقته بمن سموا أنفسهم أوصياء .
فلا الأوصياء ولا المهووسون ولا العباقرة الذين نصبوا أنفسهم قادة كانوا أوفياء لهذا الانسان الذي صنعت أنامله مجد الانسانية الذي يتفاخرون به صباح مساء، جبل هو لا تهزه ريح كما قال الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكالعنقاء تبعث من الرماد مهما ادلهمت الخطوب، لكن لا أظن سيدرك عظمته من لا يمكن وصفهم الا (بالبوخة) و (الهنبلة)، الذين لايستحون من أنفسهم عندما ينعمون بالكهرباء بينما يغط رعيتهم بالظلمة، وعندما يستمتع أبناؤهم بشواطئ المتوسط، وأبناء غيرهم تتقاسمهم تقاطعات الطرق .
صدقاً انه ضحك كالبكاء كما وصفه الكاتب الكبير عبد الرحمن طهمازي في عموده الاسبوعي في جريدة النهضة البغدادية وكان ذاك بعد سنوات قليلة من الاحتلال المشؤوم يوم كان العباقرة يسمونه تحريرا، فأطلق طهمازي صرخة مدوية واعتكف بعدها في زاوية منسية لايدري مصيره أحد، مع انه من أبرز المفكرين العرب، كنا نترقب بشغف بالغ مقالته الاسبوعية التي تنشرها جريدة الجمهورية صباح كل يوم اثنين في ثمانينات القرن الماضي، من يطرق أبواب المفكرين ؟ ثقوا ان المخارج من تلك الأبواب، وليس من نوافذ اولئك الذين كانوا يبيعون (الايس كريم) الى وقت قريب، فليس من تبدل بشي سوى في ربطات العنق .
والا كيف احتلت داعش ثلث العراق، وكيف يقاوم شرذمة مسلحة ثمانية أشهر مع انهم محاصرون من الجهات الأربع ؟ ويقابلهم رجال لا يشك في شجاعتهم وغيرتهم البتة، من أين كانوا يحصلون على السلاح والمؤن وكيف هرب قادتهم البارزين ؟ أعرف ان لقول الحقيقة أثمانه، لكن الرجال الكبار الذين يضعون الأوطان في حدقات العيون لايخافون قولها، والا فهم ليسوا كبارا وان ادعوا ذلك، وطبل لهم الاعلام، وصفقت لهم دول الجوار او احتفت بهم جموع من الذين تحركهم العواطف أكثر من العقول .
فأمور الرعية يا اخوتي تُدار بذات الطريقة التي تسقى فيها حدائق المدن، بطريقة (التنكر) وليس بأكثر من ذلك، ومع هذا هناك من ركن وجدانه عند حدائق دول الجوار، فيوجه خرطوم المياه باتجاهها، بالرغم من مرارة ثمارها وفساد عطرها في ذائقة العراقيين وأنفاسهم .
ديالى


















