مراثي درب القمر.. الزاملي يؤرشف الذاكرة

مراثي درب القمر.. الزاملي يؤرشف الذاكرة
حيدر حاشوش العقابي
من الإهداء يتبين إن الشاعر، مهتم بذاكرة حاضرة، ومن هذه الذاكرة الحية، تتوالد القصائد، تنبعث منها عطور الغربة، وعطور الغيبة، الاشتياق لعالم كان يؤنسنا، لكنه عالم يختفي دون ان ندركه تماما، عالم ضالع بالتعدي على كل ماهو جميل في هذه الأرض المهذبة، التي ندرك كم هي تافهة، من هنا يبدأ ليهدي هذه القصائد لروح أبيه، الغائبة الحاضرة دائما، يبدأ حميد الزاملي بالاشتغال على قصيدة الومضة المعروف بها دائما، وقد نجح تماما بكل قصائده، كما ينجح اشتغاله في القصة، أيضا على الومضة القصدية، بتكثيف مقبول دون أي غموض.هو يدرك تماما ان ابتعاده عن المألوف، سيوقعه، في مطب الظلامية، على الأقل لدى القارئ وهو لايريد إيهامه على الإطلاق، وهذا بالتأكيد هو عمل الشعر الحقيقي، الاقتراب من الشعرية، بصورة منمقة وسهلة الوصول، لبوابه الإذن التي تتمتع بالسماع، وتتمتع العيون بالقراءة، الشعرية الحقيقية هي التي تفرض نفسها تماما، فليس كل ماكتب هو شعر، والقصيدة النثرية عند حميد الزاملي لهذا حضورها دائما، منذ سنوات وهذا الشاعر يركب موجه الحداثة، ومنذ سنوات وهو يبدع تماما، لكنه بعيدا عن الأضواء، لأنه لايحتاج إلى هذه الإضاءة،
قالت اما لك ان تغادر؟
قلت ليس بعد
قالت ولماذا
قلت كل الدروب لاتصل، ماعدا درب القمر
وقد يسال القارئ من الذي يقصده الشاعر بهذا الدرب، درب القمر، أليس هناك حيرة في قلب الغريب عن وطنه، وعن سماءه وأشياءه، أليس بعيد عن أيام الطفولة، والحب الأول والحب الأخير، أليس من حقه أن يتغنى بهذا العراق، درب القمر هو درب العراق، البلد الذي يعشقه الشاعر، بلد أنبياءه، وأوصياءه، بلد كل مافيه ذاكرة حية، جميل ان يحرك الشاعر، هذا الجامد، الدرب ولكن إلى أين، ليس سوى العراق.
القصيدة عند الزاملي قصيدة حديثة، تنشط في استدراك الإحداث من وقت لآخر، ولا تعطي أي فاصلة، أي إن القارئ يجد نفسه متواصلا مع القراءة دون ملل، وهذا بحد ذاته، هو نجاح الشاعر في إيصال صوته وفق رؤية منطقية يفرضها الأسلوب الكتابي، وبالتالي إيصال مفهوم ما، عبر هذه البوابة، الارتدادية، أي نقطة التحول، من المكوث إلى الحراك.بمجمل العبارات الشعرية الفاعلة، ليسقط حالة الرتابة في النص، يقول الشاعر
الفراشات ينتظرن المغيب،
يضعن في التلاقي رائحة العشق،
إن الاقتراب من لحظة الفعل، تجعل السمة البارزة في النص، تؤكد، ان الشاعر عاش في غربة لانفكاك منها، هي غربة الوطن، اشتهاءه للشارع المغلق، للشباك المفتوح، للترهات العذبة، للأصدقاء الذين رحلوا كالفراشات، في مساء رطب، لقد وظف أسماء جديدة لجعل النص أكثر حلاوة ومرونة، وتقبله القارئ بسهولة، الفراشات…المغيب…هي غربة الأصدقاء الذين تفرقوا هناك في أقاصي المدن، اللاهية، الاحتراق الداخلي في هذه الغربة، أي لظى هذا، يطلقه الضمير الحي ببسالة، ؟
جاء الأصدقاء
طرزوا الأفق بالرحيل
وتركوا الفراشات…
خلف المكاتب
الكل يمضي عبر بوابة الأمل الضائع، في دهاليز الصمت، الكل تعود غربته، لكن الصراع مازال قائم، دائما ما تطلق القصيدة استهجانها من الواقع المر، ويأتي صوت الشاعر الذي يلعن كل ماهو غير اعتيادي في خريطة المدن الفضية، وفي ذاكرة التراب، يرتقي النص لمرتبة عليا، عبر رمزية النص، الذي يلمع دائما، وهو يهذبه أي الشاعر، لإخراجه للضوء، بأيسر الطرق، ودون أي تعقيد يقول الزاملي
هاجرت فلم أجد في عيونهم بابا،
فتحت حقيبتي لبقايا وداع ..وتراب
فصار بيتا تمائمه تطوي العذاب،
اعترتني رجفة السرير
حين يحتضن المرايا
والشرفة التي هيمن الحب عليها وذاب،
أي رباط هذا الذي يحمله الشاعر، أي قدسية يحمل هذا المهاجر في الأرض القاحلة، هو يحمل تراب وطنه الذي التصق على حذاءه، هو يفتخر بهذا التراب الذي حمله للغربة، اعتراه نوع من الذهول، وهو يرقد فوق سرير، من غربة، لكنه يلتصق بهذه الذاكرة، الوطن، الذي غادر معه، وحمله في جيبه، إن قصيدة النثر تحتاج إلى جهد استثنائي، لاكما يزعم البعض بسهولتها، وعندما تسأله أن يكتب يعتذر إليك، إن المستوى الإبداعي لايحدده جنس معين على العكس تماما، فالتجنيس ليس ضرورة ملحة، للوصول إلى ذروة العمل الفني، إنما هناك مقومات أساسية، لنجاح أي عمل أدبي، هو الذكاء والفطنة، واحتراف الصنعة الفنية، التي أجدها هنا في هذه النصوص في المراثي، الكاتب نشر العديد من قصائده في وقت قريب، في صحف عديدة كانت تهتم بالشأن الثقافي الحقيقي، ووضع بصماته على هذه الصحف، على الرغم من الفورة الحقيقية الحاصلة في ذلك الوقت، لكن سار بزورقه، بهدوء، كما يفعل دائما بكتابته للقص مثلا، انه يحاول الاقتصاد بالكلمات، عبر تكثيف قرائي، قادر على تقريب المدلول، ومباغتة القارئ بصور سمية فعالة، يتذوقها، وأيضا يقتصد بعنصر الزمن الذي يراه القارئ ملائما تماما، فهو لايبحث، عن الاستغراق الطويل، في القراءة في زمن الانترنيت والفضائيات الغربية، وفي خضم هذا التساؤل المشروع، هل بقي شيء، للشعر والأدب عموما، نقول مازال الشعر بخير، على الرغم من االالاف من الخناجر المصوبة على عنقه، مازال يتنفس للان.رغم جحود البعض، الذي أعلن موت الشعر، لكنني اجزم انه حي لايموت، وهذا ماتوكده مجموعة حميد الزاملي، مراثي درب القمر، لقد بنى قصائدها، على مستويين، المستوى الأول الاختصار بالكلمات، والثاني هو الضربة الموسيقية الغير عاطلة، وبذلك استطاع تجنيس نصه، اتجاه قصيدة النثر، التي مازال الاحتراب الأدبي على أشده من جراء تسيدها للساحة الفنية، والتي تؤكد إن الشعر صياغة للمعاني وصور عديدة، في إطار واحد القصيدة، وان روح الشعر موجودة في هذه الماكينة التي لاتتوقف على الإطلاق، مهما حاول البعض الغارق في توهانه من أن يلقي عليها رصاصة الرحمة حسب تفسيرهم، هؤلاء الذين لم يقدموا شيء سوى استرسال، لعمل شائك بلالون ولا رائحة،
يقول حميد الزاملي
ياصديقي كم تسألني المنايا
في أي قرنفلة
تهدج الحزن وصلى
ياصديقي ..لاتبتئس سنصل
تلفنا الريح وأوراق الخريف
هذه هي اللغة الشعرية الجميلة، التي طرزها الشاعر على فراش المجموعة، ليجد لها مكانا لدى المتلقي، وقد استوعب تفاصيلها تماما، أصبحت الرؤية واضحة، رغم الجدلية التي يراها البعض، المهووس بتصدير أفكاره الميتة، نحن نحتاج دائما لما هو جديد، وعملية الخلق لاتؤجل أساسات الشعر، القديمة على العكس تماما، هي تعيد هذه الروح المفقودة، واحتفظت بملامح يصعب، على مؤثر خارجي إلغائه، شرط الذهاب خارج الخطابية المباشرة، التي أكهلت، قصيدة النثر بعض الأحيان، ربما يكون حميد الزاملي هو امتداد للتيارات السابقة، السبعيني، أو الذي يليه التيار الثمانين، وحالة الاغتراب، هي المهيمن على كل نصوص المجموعة، المراثي،
يقول الشاعر
ورقة بيضاء
من ذا يبصم الليل
في صندوق الشكاوى
وأي شكوى ترتجيها من زمن آفل، زمن اللاجدوى، زمن الشر القابع خلف نوافذ الحب، زمن الجدران الواقفة في طريق الحرية، وجنون الشعر، ورائحة الأزمنة العاقر، زمن نبدله تماما بأفراح مبتذلة، والرفض لكل ماهو مألوف في حياتنا المجسمة بلا ضوء، هذا هو نصيبنا ياصديقي من الرفض، احتقار الإنسان، وتعطيل حياته بكاتم من الضمير الميت، ما زال الكبار يلعبون، على طاولة الفقراء، يلعبون القمار والتشظي، هوايتهم احتقار الإنسان، في عالم مخيف مدنس، وهكذا تقول أنت
في العشاء الأخير
تذوقنا الوداع…
بلا ملح
وغادرنا محطات الصمت، إنها غربة الروح، نشيجها في ليل دامس، عيون ترى قرص الشمس وهو يغادر ر خلسة هذه الأمكنة، حملنا أرواحنا على اكفنا، اتفق معك ياصديقي، إننا أسئنا فهمنا للحياة، فالحشد الذي جمعته المقابر، هي علامة على عدم فهم أنفسنا، وعدم معرفة الآخرين يقول الزاملي،
ينساب العشق من أصابعي
قبلة ثملة
يبوح لها الجلنار،
اعشق العمر واخجل من دموعي
عندما أكون بلا جراح..
لماذا علينا ان نعرف الفرح من خلال الجراح، ومن خلال البكاء، لماذ1ا علينا أن نطلسم حياتنا بأكاذيب، عديدة؟الأوجاع مزمنة ياصديقي، ولا مفر منها، والشمس ستعود حتما، تنير هذه الشواهد، التي نزفنا دمعا جليلا عليها، الغرابة في هذه المجموعة، هي طريقة الصعود والهبوط في النص، الواحد، وهذه مشكلة حقيقية، نواجهها بعض الأحيان ومعظم الشعراء يعانون هذه المعضلة، أي عدم الكمال في العمل الأدبي، او كتابة النص، فالكمال لله وحده، ولا عجب في ان نرى بعض، التشظي في مقطع معين، أو استخدام المباشرة، في مكان آخر، لذلك فالمقارنة بين مقطع وآخر تكون مألوفة لدى القارئ، وسيميز المقطع الممتلئ، والمقطع الهش، فمقطع
الغيوم تحتفي
وتلوح بلا سيف
مع رائحة الضباب، فهذه المع أوقفت عملية الاسترسال الفني، وأجهضت على اللقطة الفنية الجميلة، الغيوم تحتفي وتلوح بلا سيف، هي تحتاج إلى جواب، لمن تلوح؟وبالتالي انقطع الوميض الشعري، عند المتلقي، وفي مكان آخر اختار له شعرية منمقة، يقول
احلامنا تلوذ بالأوجاع
وترافق البوح
إلى نافذة البنفسج..هنا يكمل حالة الاسترسال، او إكمال إرساله الشعري، كما يريد بطواعية ودون تكلف، والغربة عند حميد الزاملي لها ثوابتها التي لم تتغير، فهو وان كان في هذه الغربة القاتلة، لايفقد حجم كبرياءه على الإطلاق، فكبرياءه، من كبرياء هذا البلد النخلة، يقول في موضع آخر..
أيها الساعي إلى راسي..ولو كانت أيها الساعي لراسي لكانت أجمل..لاتحاول إنني اسكن مابين النخلة والأنف، هو يحافظ على شموخه وعزة النفس التي يحتفظ بها كل عراقي في الغربة، ويعود لنفس الثيمة،
الغيوم تحتفي
وتلوح بلا سيف
مع رائحة الضباب، لمن تلوح هذه الغيوم لمرتين؟لقد قطع شريطه الشعري، وترك القارئ يفقد شيء من المعنى، فلوا كمل فعل التلويح، لكان أجمل من ترك الجملة فضفاضة تماما، وفي مكان آخر يستحضر قصيدة قارئة الفنجان للقباني، عبر لغة جديدة،
قالت قارئة الكف..أرى زمنا مهدورا في خطوط يديك،
أما في القصيدة الأصلية،
جلست والخوف بعينها تتأمل فنجاني المقلوب
قالت ياولدي لاتحزن
فالحب عليك هو المكتوب،
فالقصيدتان تعطيان سمة الضياع، والخوف المفاجئ، واغلب الظن انه خوف الغربة، ويصعد بنا حميد الزاملي الى، سلم القصيدة، وفق معطيات النص المقطعي الممتلئ، على الرغم من بعض الفتور في أماكن…غير خصبة شعريا، يقول الشاعر
يامن تشحذ الأشعار..
والياسمين
لم نطلق لحد اللحظة تلك العصافير..وتلك العواطف هي عواطف الحنين بالتأكيد، .كما يوكدها المقطع التالي ..في البوابة الأولى
قبعات زرقاء..
تستفز الرحيل..
البوابة الثانية قال له..
هل انت من العراق
سقطت منه دمعة
وتكدست عنوة حقائب الألم
وفاضت جيوب الجروح..
اهتز رأسه
وبالشمع الأحمر
ختم الأوراق
وهكذا بهذا السيل من الكلمات المنمقة يكمل الزاملي مجموعته الشعرية، بكل احتراقاتها ومجاهلها وغربته هو، يرى في مرآته دموع الأمهات، وصبغة الشوارع، الارتداد الخافت لأمل مبطن، لايعرف أنصاف الحلول، ينام على سرير من غربة، وعلى مخدة من كبرياء، ويوم آخر يتفقد صحبة، ويرسم وجوههم بدموعه اللاهبة، اما العاصفة فستنتهي، وسنعود مرة أخرى لدرب القمر، لنصبغ ضريحه بالقبلات.
/5/2012 Issue 4193 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4193 التاريخ 7»5»2012
AZP09