
مخلص أم مخ لص؟ – احمد عباس الذهبي
السياسي المخلص هو من يؤمن بان المنصب مســـــــؤولية وانه تشريف وتكليف .
والسياسي المحنك هو الذي لا يتعامل بالراهن وحده إنما من تشرئب عيناه وفكره الى المستقبل وما يحمل من إمكانات ومن معوقات ومن مصادفات .
والسياسي الحكيم هو من يوقن بان الناس قد يقتاتون على الوعود والشعارات ردحاً من الزمن . ولكن يأتي يوم لا يصدقون فيه وعداً، ولا يأخذون الكلمات بالاعتبار . فهم يصبرون لكنهم في النتيجة يحاسبون على النتائج الملموسة وليس على الوعود .
والسياسي الحكيم هو من لا يأخذه الغرور بالتصفيق والهتاف، وهو الذي لا يغتر بقوته العسكرية . وهو الذي لا يعتمد بان لديه من الأجهزة الأمنية ما يحميه . كلا ولا الجبال الشامخات بوسعها أن ترد الأذى أو الموت عنه .
وليدرك قول الحق تعالى – أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة .
والسياسي الحكيم هو الذي لا يتعامل على أساس حالة الضعف والوهن عند الطرف الآخر . فيتعالى عليه، وينسى عونه فيما مضى . ويتنكر للروابط التي رسمتها الطبيعة واقرها الله، فكما ان القوة آيلة للنضوب فان الوهن يستحيل الى قوة بمرور الأيام .تعج دول المنطقة بأحداث صاخبة ومتسارعة، إرهاب واعتداء وتعطيل هنا، قتل ودمار وترويع هناك، وبين هذا وذاك تدهور في الاقتصاد وتوقف عجلة التنمية، وكل ما تحتاج إليه دول المنطقة الإخلاص في العمل والممارسات السياسية.
أختلف كثيراً مع الذين يصفون السياسة بأوصاف قبيحة وسيئة، فالسياسة هي العصب الذي يدير شؤون الناس ويتحكم بحاضرهم ومستقبلهم، وقد مارسها أسلافنا منذ أيام الجاهلية مروراً بالدولة الإسلامية التي امتدت قروناً طويلة وأسست حضارة عريقة، وحتى يومنا الحاضر، إلا أن النجاح والفشل فيها مرهون بمبدأ الإخلاص وبعكسه تفشل أي دولة وتفشل معها أحزابها، وتتحول الأهداف إلى رغبة في الاستحواذ على السلطة وتحقيق المكاسب الشخصية والفئوية.
لذلك فإن كل المشتغلين بالسياسة إذا أخلصوا لأوطانهم وشعروا بالانتماء والولاء لها انتقلوا بها إلى بر الأمان، وبنظرة سريعة على بعض دول العالم التي نهضت وتطورت بسرعة كبيرة نجد أن العامل المشترك بينها هو وجود المخلصين فيها، سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة التي يجب أن تعمل من أجل المصلحة العامة لا من أجل مصالح طائفية وفئوية وحزبية، أو أن تتخذ من السياسة مطية لتصفية الحسابات، وما التجربة الماليزية والتركية والصينية عنا ببعيد.
تذكرت وأنا أسطر كلماتي هذه وأمعن النظر في أحوال الدول العربية قصة ذلك اللص الذي امتهن سرقة الحقائب النسائية والمحافظ الجلدية في بلده حتى فضح أمره، وصار يُؤتى به في كل حادث سرقة، فقرر اللجوء إلى أمريكا ليتخلص من هذا الحال ويمارس نشاطه هناك، فالتقى بلص أمريكي دربه على أسلوب جديد، وذات يوم أخذه لسرقة أحد القصور، فتح الأمريكي باب القصر بالمفتاح وكذلك الخزنة وأخرج النقود ووضعها على الطاولة وطلب من صاحبه إحضار ثلاث كؤوس ولعبة الورق ورفع صوت الموسيقى، فاستغرب صاحبه وطلب منه الهرب طالما أن العملية نجحت، رفض الأمريكي الهرب حتى دخل صاحب القصر وصوّب مسدسه نحوهما واتصل بالشرطة التي حضرت على الفور وسجلت اتهام صاحب القصر، إلا أن اللص الأمريكي قال لهم: لسنا لصوصاً بل نحن نلعب الورق وصاحبنا هذا خسر اللعبة ورفض أعطاءنا حقنا من المال فاتصل بكم متهماً إيانا بالسرقة، وعندما رأت الشرطة أن الموسيقى مرتفعة والورق وكؤوس الشراب على الطاولة صدقوا اللص وكذبوا صاحب القصر وحذّروه من تكرار الفعل، فخرج اللصوص ومعهم المال بحماية الشرطة.
هكذا هي العقلية الأمريكية، وهكذا هو السياسي الأمريكي -المخلص؛ لوطنه و؛مخ لص؛
معنا، يحتضن كل من شذّ عنا ويقف خلفه، يعيد تقسيم المقسم، ويثير الاضطرابات هنا وهناك، ويعين على نهب الثروات، وكل ذلك أمام الشرطة -أعني مجلس الأمن والأمم المتحدة- وبالقانون وتحت ذريعة حقوق الإنسان. إن ما نمر به اليوم من أحداث سياسية وأمنية واقتصادية تحتاج إلى – مخلص؛ لمواجهتها لا إلى ذلك – المخ لص؛ الذي شذّ عنا.



















