محفل الأمم وغزو الصحراء

محفل الأمم وغزو الصحراء
يحشد سادة العالم هذه الأيام آلتهم الحربية الدولية لغزو أمّة عزلاء تسكن الصحراء الكبرى بعد أن عرفوا كيف ينتزعون من محفل الأمم صكّ الغُفران الذي سيخلع مسوح الشرعية على هذا الغزو بحجّةٍ صارت ناموساً هذه الأيام وهي إستئصال بؤر الأرهاب في وقتٍ يتجاهل فيه العالم (متمثّلاً في المجتمع الدولي) ما تُخفيه هذه المغامرة المزمعة من خطرٍ لا على حقوق الإنسان التي يروقه أن يتغنّى بها وحسب ، ولكن على مصير هذا الإنسان أيضاً . الصحراء الكبرى ليستْ فراغاً يُبرّر نزعة المشاع التي إعتنقتها الأيديولوجيّة الإستعماريّة منذ القرن التاسع عشر لتُشرعن غزو هذه القارّة النبيلة ، ثمّ بلغتْ ذروتها في منتصف القرن الماضي حيث أباحت إستخدام المنطقة كساحة للتجارب النووية ، ولكن الصحراء كأيِّ وطنٍ في هذا الوجود هي في المقام الأوّل إنسانٌ زائد بيئة يسكنها إنسان . واللجوء إلى إستخدام الأسلحة الفتّاكة في حقّها هو في الواقع إرتكابٌ علني لجرائم الإبادة الجماعية وهو ما فعلته فرنسا الإستعمارية بالتفجير النووي في عام 1957 م لتُبيد أمّة الصحراء ، وهو ما تنوي أن تفلعه اليوم أيضاً لتُبيد ما تبقّى من هذه الأمّة بحجّة إستئصال بؤرة الإرهاب . كلّ ما هُنالك أنّها فعلتْ ما فعلته بالأمس في غياب المجتمع الدولي ، وتُريد أن تكرّر السيرة اليوم بمباركة هذا المجتمع متمثّلاً في محفل الأمم بعد أن إستطاعتْ أن توهم العالم أن الصحراء فراغٌ بالمطلق ، ولا وجود فيه سوى لأشباح المخلوقات التي تُمارس الإرهاب فتنطلي الخدعة على هذا العالم الذي يُعاني العماء كما لم يُعانِهِ يوماً ، والدليل هو السرعة التي نسي بها العالم ثورة شعب أزواد التي إندلعتْ منذ أشهر لتؤكّد هويّتها المغتصبة (المغتصبة بفضل الإستعمار الفرنسي ذاته في ستينات هذا القرن عندما أقدمتْ فرنسا الإستعمارية على تمزيق وطن الطوارق التاريخي لتوزّعه بين مستعمرات الأمس وحصان طروادة اليوم في كلٍّ من مالي والنيجر وليبيا والجزائر) لا لسببٍ إلّا للإنتقام من هذا الشعب جزاء رفعه السلاح في وجه أميرة الإستعمار الإفريقي طوال وجودها في رحاب القارة فيجد الشعب نفسه بعد رحيلها رهيناً في قبضة أنظمة الدول الأربع الشمولية التي ورثت تركته ليكتشف أن هويّته الثقافية قد إزدادتْ إغتراباً بل إضطهاد الأنظمة هدّد بزواله من خارطة الوجود . وما الثورات التي تواصلتْ طوال العقود الماضية سوى الدليل على الوعي بالخطر الذي يتهدّد هذا الوجود . وهو ما يعني أن هذه الأمة ضحيّة، وضحيّة مراراً لا مرة واحدة ، وكونها ضحية الأبد يجعل منها وصمة العار في جبين الأمم في وجود محفل الأمم وحضور مفهومٍ جديد هو المجتمع الدولي ، وفي الوقت الذي بلغ فيه التغنّي بحقوق الإنسان الذروة فكيف إذا كانت القضيّه هنا ليست حقوق الإنسان وحسب ولكنها قضية وجود هذا الإنسان ؟
أمّا الإرهاب في المنطقة فهو الدسيسة اللئيمة والورم الخبيث المدبّر الذي لم يكن ليحقّق لنفسه حضوراً هناك لولا مكيدة تغييب أصحاب الأرض الأصليّين ، وهو الدور الذي لعبته وريثة الإستعمار الفرنسي المتمثّل في رُباع الأنظمة الشمولية السالفة الذكر من خلال القضاء المبرمَج على الهوية الثقافية المميزة لأمّة الصحراء طوال العقود الماضية . وهي الأنظمة نفسها التي شجّعتْ تنامي نفوذ تنظيم القاعدة في هذه المنطقة لتنفيذ مخطّط محو الهوية بالذات . وها هي تُفلح اليوم في خلط الحابل بالنابل فتزجّ بالضحية في خانة الجلاد بهدفٍ مُريب : إستخدام جُرم الجلاد لا للقضاء على الجلاد ولكن لتحقيق التخلّص من الضحيّة . وما سيحدث اليوم على مرأى ومسمع من العالم هو عملية تطهير عرقي واسعة النطاق مدعومة بتفويض من الأمم المتّحدة ، تقودها جيوش عشرات الدول الإفريقية مجهّزةً بالآلة الحربية الأمريكية والفرنسية عتاداً وعُدّةً وخُبراء ، متوّجةً بمباركة المجتمع الدولي بأسره ، لا لإستئصال عناصر إرهابٍ سيعرفون بالطبع كيف يفرّون ، ولكن ما سيحدث هو ممارسة لمذابح جماعية ضدّ المدنيّين العُزّل ، وضدّ بقايا مُقاتلي جبهة الأزواد الذين ضحّوا في سبيل إستقلالٍ إغتصبه منهم تنظيم القاعدة قبل أن يكتمل ، لأننا لا يجب أن ننسى أن الجندي الإفريقي المخوّل بغزو المنطقة لم يكن منزّهاً يوماً من عُقدة الحقد العنصريّ المسبق مؤدّاهُ أن مَنْ سيُحاربهم هم ملّةٌ بيضاء غازية جاءت لتستقطع أرضاً إفريقية لتكوّن عليها وطناً قوميّاً . والأسوأ من كل شيء أنها جيوش سوف تأتي بروح الفتح المدعوم بالشرائع الوضعية الممنوحة من محفل الأمم إلى جانب الشرائع الإخلاقية الموهومة . وهم لن يجدوا أمامهم أشباح القاعدة المفترضة لأنهم سيتبخّرون بالطبع ليتركوا أشقياء المدنيّين لمصيرهم التراجيدي ، وسيُعاملون كلّ مَنْ وجدوا في طريقهم كإرهابيّين ، وستُرتكب جرائم تطهير عرقيّ لا يُمكن تجنّبها ، متوّجةً بذلك الفرمان الأممي التاريخيّ لأن المحفل إذا إستطاع أن يسمح بالغزو فإنّه لن يملك القوّة في أن يوقف المذبحة ، وستكون تلك جريمة تاريخيّة إذا غفرتها الأمم لنفسها اليوم ، فإن الضمير الإنساني لن يغفرها لمحفل الأمم في الغد .
بل لن يغفرها إلى الأبد !
إبراهيم الكوني
AZPPPL