محطات.. رواية العراقي (مظلوم)     2-2

محطات.. رواية العراقي (مظلوم)     2-2

توظيف العجائبية السحرية في السرد

 فؤاد جابر كاظم

 ولاشك ان التغيير القيمي (السسيو-ديني) الذي أصاب (مظلوم) يعكس في بعض جوانبه تأثيرات هجمة الحداثة الاوروبية بقيمها المادية ومنظومتها الفكرية الجديدة. فالدين والقيم الاجتماعية القديمة في العراق – كما المنطقة العربية والاسلامية عموما- صارت عرضة لتأثيرات الانماط السلعية والفكرية الاوروبية منذ نهايات القرن التاسع عشر وخصوصا منذ بدايات القرن العشرين. وقد ظهر هذا التأثير واضحا ليس على صعيد انماط اللباس الغربي وسلعه من مأكل ومشرب بل في منظومات الافكار الايديولوجية المتصارعة داخل المجتمع. ولعل أكبر تجل لهذا الصراع في المجتمع العراقي في الفترة التي تغطيها الرواية، هو تلك المواجهة التي ستجري بين التيار الديني الاسلامي وبين حملة الافكار الشيوعية وكذلك القومية. يحسب للكاتب حميد الحريزي قدرته على اعادة تصوير الوقائع الاجتماعية التي تشكل اجواء الرواية بشكل خلاق. ذلك ان القاريء يقرأ الرواية فيستشعر وجوده من خلال شخصيات الرواية بل يعيشها وكأنه يراقب شخوصها عن قرب. بل ان الحريزي ينجح في خلق شخصيات خيالية فتحسبها شخصيات جقيقية تعيش بيننا مثل بقية الناس الاخرين.فشخصية “عوله” الكردي الذي يشتغل حمالا في سوق الشورجه، والذي يمتاز بقوته الجسمانية الهائلة (مايجعله هدفا للمحرومين جنسيا)، والذي تحول الى كادح شيوعي هي شخصية حقيقية لكنها تبدو أقرب للخيال(ج2ص 40  ومابعدها). كذلك شخصية “الملا” الكردي، الزاهد والعابد، الذي نذر نفسه لخدمة الفقراء والمحرومين والذي تعلم “عوله” على يديه مبادئ القراءة والكتابة، تبدو شخصية خيالية لكنها أقرب للحقيقة. ويبدع الحريزي في خلق شخصية خيالية هي أقرب ماتكون الى روح التاريخ الانساني أو القدر المجهول الذي يكشف لنا عن المصائر قبل وقوعها. انها شخصية استاذ فريد (ج 3ص  10 ومابعدها ) ذات البعد الاسطوري، التنبؤي ولكن باطار بشري من لحم ودم. ان هذه الشخصيات جميعا تبدو طبيعية وغير مقحمة بتاتا وكانها جزء من واقع الحياة حيث نعيش معها ونتشارك واياها صنع مصائرنا المجهولة. كتبت الرواية بلغة جميلة تمزج بين العراقية المحكية في الفرات الاوسط والعربي الفصيح. (ربما قريبة من لغة فؤاد التكرلي). فالرواية اذ تحكي بأمانة الواقع الاجتماعي وتبدلاته، فانها تأخذ بعين الاعتبار واقع اللغة المحكية والمتداولة بين شخوص الرواية. فهي تنتقل من لهجة أهل الريف بمصطلحاته وتعابيره (يحسب للكاتب اعادة احياء كثير من المفردات العامية الجميلة وتوظيفها في الرواية بشكل متقن، العوين والمحجال والصميصم الله والجرداغ والفوح وغيرها الكثير) الى لغة أهل المدن (النجف ومن ثم بغداد والعراق عموما). كما ان هذه اللغة تبدو متناسبة مع ثقافة شخصيات الرواية من فلاحين ومثقفين وشعراء، رجالا ونساء. بل ان لغة (مظلوم)، وهو الشخصية الرئيسة في الرواية، تبدو خير معبر عن مراحل التحول الثقافي والفكري التي مر بها الفرد داخل المجتمع العراقي خلال المرحلة الممتدة بين الخمسينيات الى منتصف السبعينيات. انها لغة تزاوج بين الهم اليومي والقضية السياسية الملحة على الفرد في وقت ما، كما تمزج بين النقاش الفكري والمعتقد الديني-السياسي الذي يؤمن به. يحلق الحريزي في نثره، مستخدما اسلوب تقابل المفردات وتعارضها ناسجا منها لوحة جميلة. بعد خروجه من السجن شبه مجنون، يستذكر (كفاح) وهو يقطع أزقة سوق المتنبي في بغداد، يستذكر “الشيوعي الاخير” (يقصد به على مايبدو سعدي يوسف، استطاب الانشاد قريبا من قبر “الشيوعي الاول” (ماركس) في بلاد الضباب، مقررا ان يوجه صواريخه الشعرية من على منصة في الهايدبارك، فلم تستوعب البصرة حروفه… ج1ص 21). أيضا…” والمربد قطعت أرجله فصار مرا بلا بد… أصغت لشكواه عاليات النخيل فاحترقت بنار الشكوى دون مجيب… المنبر يستجير من “زناة الحرف” ولا مجير… ج1ص 23). وتبلغ جماليات الاسلوب واللغة معا مبلغ التحليق العالي حين يصف الحريزي ولمرات عديدة عالم ممارسة الجنس، مذكرا ايانا بصور غابرييل ماركيز في “الحب في زمن الكوليرا”. يكتب الحريزي:” فار تنور الشهوة، تدحرجت الاقداح، صاحت الديكة، طارت الطيور، اقتلعت السدود، زمجرت الرعود/ أمطرت السماء…حين بلغ المد منتهاه… أغرق الزبد سدود الجسد… هدأت العاصفة وتراخت المجاديف وأنزلت الاشرعة… ج1ص 165).

تسجيل جميل

كذلك يحسب للرواية تسجيلها الجميل للعادات والتقاليد التي كانت سائدة بين أبناء الريف والمدينة على حد سواء. (كره أبناء الريف مهنة الحياكة، استنكاف الفلاح من بيع السمك في المدينة ص 133).  تقع الرواية، كما اسلفنا في ثلاثة أجزاء. لكن الرواية، خصوصا في الجزء الاول (والى حد ما في الجزئين الاخرين) كتبت من دون تبويب الى فصول ومقاطع. فلقد جاءت الرواية وكأنها قطعة واحدة يتداخل فيها الحاضر مع أحداث الماضي. لقد كان حريا بالكاتب ان يلجأ الى تقسيم الرواية الى فصول ومقاطع بما لايخل بوحدة الرواية ولايضر بها. ذلك ان هذا التقسيم يخدم القارئ ويسهل له حرية الانتقال من فصل الى آخر ومن مقطع الى غيره. (لاحظ الجزء 1ص 72? على سبيل المثال حيث ينبغي ان يكون هذا فصلا جديدا ). كذلك فان من الملاحظات الشكلية، هي عدم وجود تنقيط صحيح للرواية مما يسهل على القارئ الانتقال بالفقرات بشكل مناسب. وقد كنت أود اثارة مسألة كثرة الاخطاء اللغوية والطباعية لكنني تبينت من خلال كاتب الرواية الاستاذ الحريزي ان خطأ فنيا وقع أثناء عملية الطباعة حيث تم طبع النسخة غير المصححة مما أخل بجمالية الرواية شيئأ غير قليل.

امانة كاتب

كما أرى أن الكاتب قد أسرف كثيرا في الاقتباس التاريخي التوثيقي. واذا كنت افهم أمانة الكاتب وصدقه في الحفاظ على حقوق الاخرين وهو الذي أعترف في نهاية الرواية باعتماده على مصادر عديدة، فان هذا الاعتراف والاقرار يجعله في غنى عن ايراد بعض هذه المصادر في متن الرواية. كما ان الكاتب كان قادرا على اعادة صياغة بعض هذه الاحداث بلغته الخاصة بدلا من ايراد الاحداث التاريخية بشكل اقتباس حرفي. (لاحظ ص 180ص 181) كذلك وقعت الرواية في بعض مقاطعها في فخ اللغة الإيديولوجية السياسية البحتة. واذا كان بعض هذه المناقشات الحوارية والفكرية ضروري ولازم، بل وبدا ممتعا في بعض الاحيان لكشف شخصيات الرواية وماتؤمن به من أفكار، فان بعض أجواء الحوار، خصوصا في الربع الاخير من الجزء الثالث، يبدو زائدا. ذلك انه كان اقرب مايكون الى لغة الصحف أو المنشورات الحزبية مما نسمعه يتردد يوميا في الاعلام او النقاش الحزبي. (لاحظ ج1 ص 145ص 146). لقد بدا لي هذا الجزء من الرواية ذا بعد سياسي- أخلاقي، ومكتوب بلغة وعظية. كما أحسست انه قد كتب على عجل وكأن الكاتب أراد وضع نهاية سريعة لاحداث الرواية حيث تطغى فيه اللغة السياسية على اللغة الروائية، مما يفقد القارئ تلك المتعة التي تملكته خصوصا في الجزئين الاول والثاني.  ان هذه الملاحظات الطفيفة والصغيرة لاتنقص ، بأي حال من الاحوال، من قيمة الرواية ولا جماليتها. ذلك ان رواية الحريزي (محطات) تمثل بحق اضافة مهمة للمنجز الروائي العراقي بشكل عام. واذا ما استثنينا رائعة شمران الياسري (أبو كاطع) فانه لا يكاد يوجد مثل هذا العمل الروائي الملحمي الذي يمتد بحوادثه على مدى أكثر من نصف قرن من التاريخ العراقي المعاصر، بكل تشعباته السياسية والاجتماعية وتقلباته الفكرية الكثيرة.  لقد نجح الحريزي، من دون شك، في تقديم رواية عراقية استثنائية يمتزج فيها تاريخ (ماحدث) في العراق، بالسير الشخصي، بالعجائبي السحري على طريقة روائيي أمريكا اللاتينية. والحصيلة عمل عراقي رائع ومتميز يستحق الاشادة والثناء والتقدير.