
كلام أبيض
متى يرفض الأكراد الإنفصال؟ – جليل وادي
ليس دفاعا عن الاخوة الكرد ، ولا تفريطا بوحدة العراق ، لكن من حق أي شعب ان يقرر مصيره ، والاكراد ليسوا استثناء من ذلك ، فهم امة مزقتها المؤامرات والمصالح الدولية ، وصنعوا منها بؤرة توتر مستقبلية ضمن مخلفات الدولة العثمانية ، وفي أوج المد القومي الذي ساد القرنين الماضيين والذي تشكلت بموجبه غالبية الدول ، لم يتمكن الاكراد من تشكيل دولتهم ، وظلوا الشعب الوحيد المتناثر بين القوميات الاخرى ومنها العربية والتركية والفارسية ، ولم تفلح حركات التمرد الكردية التي تستمد قوتها وتواصلها من الشعور القومي المتنامي من تحقيق الحلم الكردي بتشكيل الدولة ، ، كما لم تتمكن المحاولات الممنهجة وغير الممنهجة للأنظمة السياسية من تذويب هويتهم الثقافية او دمجهم في المجتمع ، نعم تحقق للاكراد في العراق ما لم يتحقق لهم في غيره من الدول ، لكن ذلك لا يعادل حجم الظلم الذي تعرضوا له طوال تاريخهم ، ولذلك ليس عيبا استثمارهم الفرصة التي سنحت لهم بعد سقوط النظام السابق للحصول على اكبر قدر ممكن من المكتسبات ، وبالمقابل يفترض الا تكون تلك المكاسب على حساب اخوتهم والوطن الذي مازالوا محسوبين عليه ، فخطوط الرجعة يجب ان تؤخذ بالحسبان ، لان مشكلتهم ليست عراقية فحسب ، بل متداخلة مع دول الجوار ومصالح القوى الدولية المهيمنة على مصير المنطقة بالمجمل .
العراقيون بمختلف قومياتهم تتملكهم مشاعر الاخوة وحقائق التاريخ والمآسي المشتركة ، ولذلك لا يرغبون بانفصال كردستان ، يريدون استكمال المشوار ومواجهة التحديات وبناء الوطن سوية ، فقد تداخلت الدماء ، وضم الجميع خندق واحد ، وآخرها خندق مواجهة داعش ، لكنهم لن يقفوا حائلا امام تطلعات تسعد اخوتهم في كردستان .واذا كانت المشاعر هي الحاكمة بالنسبة للشعب ، فليس بالضرورة ان يكون الأمر كذلك بالنسبة للقوى والتيارات الفاعلة في المشهد السياسي العراقي ، فمنهم من يرى في الانفصال تصدعا للجسد العراقي الذي يفترض المكافحة للحفاظ عليه واحدا مهما تطلب الأمر ، متناسين ان الوقوف في طريق هذه الرغبة له اثمان باهظة يدفعها الشعب العراقي بكرده وعربه وتركمانه وغيرهم، وبذا نضيف مآس جديدة لما فات من مآسي . وقبل ذلك ألم يتبصر هؤلاء بمواد الدستور ، وكيف وقعوا عليه من دون توقع جميع الاحتمالات ؟ والصنف الثاني لا اعتراض لديه على الانفصال ، ويقر بجميع الحقائق التي أوردتها ، لكنه حذر من مطالب الاكراد المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها وبخاصة محافظة كركوك ، وهذا الصنف لا يريد أن يلصق بتاريخه التفريط بكركوك لاعتبارات شتى ، بينما يرى الأكراد ان الانفصال لن يكون ناجزا من دون كركوك ، ذلك انها المقوم الاساس للاستقلال ، فاقتصاد الدولة الكردية يظل هشا من دون نفط كركوك ، فضلا عن عوامل اخرى لا ترقى الى العامل الاقتصادي ، واذا تمكن العراقيون من تجاوز عقبة كركوك فالعراق بأمان تماما ، وهناك صنف مستسلم للمتغيرات الدولية ، بوصف الارادات الدولية حاسمة ومتحكمة في المسألة الكردية ، ان أرادت للاكراد الانفصال فلن يكون بمقدوره الاعتراض على هذه الارادة ، مع ظنه ان العوامل الدولية والاقليمية ستقف حائلا من دون تحقيق الرغبات الكردية .
لقد تأمل الكرد بعناية في مختلف هذه العوامل طوال المدة الماضية التي أعقبت التغيير في 2003، وتبين لهم ان عراقا معافى سيطول أمده ، وان توافقا حقيقيا لن يتحقق مع الشركاء لاختلاف التوجهات والرؤى والولاءات والتصورات ، وبالتالي لا يمكن لهذه الاختلافات العيش تحت سقف واحد ، وان ما اصاب المنطقة من خلخلة تعد فرصة تاريخية قد لا تتكرر لتحقيق ما يتطلع له الشعب الكردي ، فما الذي يدفع الاكراد للتمسك بالبقاء ضمن العراق الواحد ؟ كان يمكن لذلك ان يكون لو كانت بغداد قوة اقتصادية مؤثرة ، ولو استعادت بغداد وزنها الاقليمي والدولي والحضاري ، على المعترضين ان يفكروا بالكيفيات التي تدفع الكرد راغبين وليس مقهورين لرفض الانفصال والانتماء الى الوطن ؟ شعلة بغداد المتوهجة كفيلة بكسب القلوب ، وبعكسه دعوا الناس تعيش حياتها .
ديالى


















