ما لا ينطق..تحكيه القسمات لكاظم مزهر**
تهشيم الرؤيا طريقاً للشعر**
قراءة عبدالغفار العطوي – البصرة
اتخذت من تهشيم الرؤيا طريقاً لها لولوج عالم الشعر، ابتداء من العنوان وانتهاء بآخر نصوص
المجموعة حيث يتأبط الشاعر مشروعه التدميري القاضي بدفع الرؤيا الشعرية نحو حافة التهشيم،
وذلك لإراقة القدر الكافي من البوح الشعري إزاء ما عجز عنه الشعر في الإيصال الناعم لما وراء البوح، وبسبب إشكالية تقييد الرؤيا لصالح الشاعر نراه ينزع إلى تقويض العنوانات في ترتيب غريب ملفت للنظر كأنه يلعب أو يتقصد الاستفزاز العلني ناحية تحديات القراءة التي باتت تحاصره.1
لا نعرف لِمَ اختار الشاعر إلباس عنوانات المجموعة والنصوص لباس الغموض والبلبلة، بينما هو في
أمس الحاجة لاصطياد المألوف والواضح منها، فما تعني ما لا ينطق تحكيه القسمات، نافورة العبث،
المسافة تهزأ بالواقفين، الغيمة تلويح مقترح الخ..؟
باعتقادي ان غاية الشاعر من كل هذا الإجراء التحوطي هو الاقتراب من ذائقة القارئ ومداعبة
منظومته الثقافية وجس نبضه قبالة ما يمكن أن تؤهله المساحة الثقافية المريحة التي وضعها الشاعر بتقديراته لنهج ضربة استباقية للرؤيا المحفزة لتوقعات القارئ، إذا أحكمنا الطوق على فرضياته مسبقاً ما يريد وما يصنع قد نصل إلى نتيجة مقبولة حول فكرة التسلل لفرضية تهشيم الرؤيا لماذا خلخلة العنوانات هي واحدة من خطوات الشاعر نحو التهشيم، لأن قبول القارئ بهذه الخطوة وهضمها يعني قبوله بالنصوص التي سيهرسها في ضربات ماحقة والمبررات التي نجدها في ثنايا النصوص تكشف عن المخاوف والذرائع مختلطة التي يقدمها الشاعر لقارئه مقدماً للتنصل من عواقب ما تؤول إليه عملية التهشيم بما يعطيه الفرصة للقول بان العالم خارج النص، أي العالم الأكبر يريد ذلك، يريد حتماً عالماً ممزقاً ورؤية شاذة وطبيعة جامحة وأغاليط وتوقعات بفساد النيات والذمم، وهكذا هو يفسر عبثه بذاكرة
القارئ بانتقائه لعنوانات لا تتركب على دلالة ولا تجنح على مقصد، حتى توطئته للمجموعة تبتز القارئ بحذقية التنصل من مسؤولية ما يسكت عنه قول الشاعر ويمرق عليه الشعر مروق المتشككين، كونه يطلق محض سطور هي مجرد رسالات للجميع بلا استثناء غير معنية بكائنات أخر، من هنا يجد الشاعر إن الأرضية ممهدة للقيام بصولة التهشيم من أجل خلق مساحات عازلة في النصوص يدخل منها للرؤيا التي تتلبد بغيوم التمزق والضبابية، ولا تشفع له اطلالته على عالم الشعر، وعلى عالم الحقيقة التي سيراها متلاشية في سيرورة التحولات التي سيذكرها تباعاً مع وجود روح التفاؤل فيها التي تتشظى في آخر المطاف مع متعة ضياع الشاعر في طرق العروج إلى السماء.
أول الغيث قطر كما في (نافورة العبث ص 8 ماذا يتوقع الشاعر من فكرة الضياع المشار إليها في الإطلالة التي يعاود في ذكرها طوال المجموعة كأنما هو يشكو من قلة الإنصات لضياعه :أوقدت المصباحلا زيت سوى رذاذ نافورة العبثتلكزني أحجارفي ذاكرة الأرضوأوراق سمرغائرة في الطينفي كفي قبضة من تراب بيتي والثاني استهزاء ما بين الرؤية والرؤيا مفارقة في صفوف الواقفين في المسافة تهزأ بالواقفين ص 11 الذين يصنعون المكائد في فضاء الشاعر ثراك مرصود بالمكائدملبدة سماؤك بسحب الوصاية تطاردك تلسكوبات الفجيعة ويحاك لثوبك خيط مستديم تنازعه العناكب بأدبارها شرنقتك عباءاتهم فآثرت الوقوف وهم يمرون أيها المارد المتسمر برايات المندفعين مع الحلكة.
جثامين الكلام
وإذا سقط المطر تأتي التهشمات ليس في الرؤية القائمة على البصر، بل في الرؤيا الشاملة التي تمتد نحو بناء صورة الأفول وانتهاء الأشياء كما في المطر يتكرر ص 20 المطر النازل هذا المساء المطر المتساقط طوال نهار اليوم و آخر ليل البارحة يٌشرع نافذة قصية في زمن آفل أخطو ما بين الباب والغرفة المفعمة بالأصوات أنظر في خمس مرايا، والسيدة الجاثية قرب المدفأة النفطية ويتعامل الشاعر كاظم مزهر مع التهشم من خلال تعتيم الصور، في النظر إلى العالم بالمقلوب أو كما هو مائل في تصوره، ففي وقفة ص 28 اعتراف صريح بذلك لا بد أن أعترف، الأرض أحياناً لا تدور وهي الساعة التي أوصد فيها ما تبقى من نوافذ يفجؤني وجه هندي ( بالطبع أحمر مستعرض ومستدق النهايات أعرف من خلاله، الأرض لا بد أن تدورلكنها أحياناً لا تدور وكذا العطب يدب في أوردتي ولعل الشاعر يقر مع نفسه بأن ما يفعله هو مجرد قرار ص 41 يتخذه في لحظة تشوه وتهشم لذاته دون مسوغ أو مبرر يوم قررت مزاولة صمتي لم يبق في الوادي حجر إلا أبهره صدى كلماتي لم أدرك قبلها حقائب الريح الخافتة يمكنها السفر أبعد من الضجيج وحفر جداول في قلوب مبللة بالهدوء لم أعرف للسمع مآرب في القسمات وهي تسجي جثامين الكلام في تجاويف التغاضي.
مياه الذاكرة
العالم الذي يراه الشاعر عبر نصوصه في هذه المجموعة يقف متهشماً في عيون الآخرين ، في رؤيتهم لحقيقة ما يجري أو ما ينقله الشعر باقتضاب، ليؤشر على قناعة معينة كما في مواساة جدتي ص 74 في ان الصورة التي يبنيها الشاعر عبارة عن ما لا ينطق وان كانت تحكيه القسمات باهض حملها ثقيلة حد البكاء لا الأرض تحملها لا يعرفها سكان البحار تمقتها الصافـّات الرسالات تشبهها وحدها السماء ختار لها الظهوروالعالم الذي لا يراه الشاعر وتغفل عنه عيون الآخرين يتهشم لوحده في ظل الغياب ص 83 المطنب للحقيقة التي ما فتئ يبحث عن دقائقها الشاعر وحده بهاجسه وشكوكه أنت المتلفعة بالمسافات إلام يلبسك الضبابأنا الحالم، ومنذ صخورأمارس سيري، مثل نهريحفر دون مشيئته خطاهومع ذلك يسحبه الـ صمت ص 107 بعيداً عن مرساه، رؤيا شاعر فرض لعالمه قناعاً يخادع به ظله، ولم يعلم انه بذلك إنما هو يغذي ذاته المهشمة لن أكون صاخباًهذه الليلةأرفض أن أبتز الأوقاتسأدخر صياحيحين تثمر الفسيلةللرطبمذاق فصيحوفي مياه الذاكرة ص 124 يتزحزح الشاعر عن مركزه في الرؤيا المهشمة للعالم نحو هامش الماضي السليموأنت ترمي ببصركبعيداً هناكالأفقينبثق من عنق زجاجةالحاضرمقبرة الخطىحين يغدو اليوم رفيقاًسايرته بالأمسوها أنت تركتهوإذا تمت عملية التهشيم في رؤيا الشاعر من خلال ما لا ينطق فان ما يلوح به كاظم مزهر لا يبدو في القسمات، بل في مكابدة اليقظة ص 135 بسبب الروابط الحميمة التي يقيمها مع ذاتهالكون سكونصمت في أرجاء النبضالهدأة تورق بأجفاني ألف عينهل أبصر صوتيملقى ما بين ركام ………..أيقظت رميم مسافاتيوغرزت الخنجر في جوف العتمةويتوج نصوصه بتهشيم العالم المرئي في سفر الحفاة ص 149 راسماً صورتهم على ممشى البحر بلا عنوان الحفاة يلملمون أوصالهموهي تقيئها المقابرالقادمون بلا جياديمتطون جذورهميقطرونبألوانهم الخريفيةمن دروب الطينيفخرون بأنسابهم
المتحجرةوعلى مقربة من سيف البحرخلعوا أقدامهم الشتائية.
/7/2012 Issue 4265 – Date 31 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 31»7»2012
AZP09
























