ليس النفط .. بل الشفط – حسام الدين الانصاري

ليس النفط .. بل الشفط – حسام الدين الانصاري

 

كثر الحديث عن الميزانية والعجز الذي تعانيه بما لا يغطي نفقات الدولة ، والتبريرات التي تدعي بأن السبب يعود الى انخفاض أسعار النفط عالمياً ، وفي الوقت الذي تحافظ أسعار النفط لكافة الدول المنتجة والمصدرة على مستوىً واحد ، وإن هذه الدول وضعت خطط الترشيد الكفيلة بالحفاظ على عجلة الاقتصاد وتسيير مرافقها الخدمية والإنتاجية بالاعتماد على موارد الأسعار السائدة التي شملتها جميعاً.

مع ملاحظة أن تلك الدول رغم ما تعانيه من بعض مظاهر سوء الإدارة ، إلا انها لا تعاني من حالات الفساد والتلاعب بالمال التي وصلت الى مرحلة الشرعنة ، وإدراج البلد على قمة الدول التي تعاني من الفساد المالي والإداري بموجب قوائم المنظمات الدولية.

ولقد كان من بين مظاهر سوء الإدارة المالية والهدر الذي حصل في موارد الدولة هو توقف المشاريع التي بوشر العمل فيها منذ عدة سنوات ، كانت تعاني من التعثر وسوء التنفيذ وفساد الإدارة وتقاعس المتعاقدين الذين لا تنطبق عليهم صفة المقاولين ، ومن ثم هروبهم وتركهم للعمل في مرحلة الأسس في أحسن الأحوال رغم استلامهم لدفعات مالية كبيرة من تخصيصات المشروع ، وإن غالبية هؤلاء الذين حصلوا على هذه العقود ليسوا من أصحاب الخبرة والاختصاص ، ولا غرابة في أن البعض منهم هم من عمال البناء الذين تمكنوا عن طريق القوى النافذة أن يحصلوا على العقود الحكومية وبالتواطؤ مع بعض أًصحاب النفوس الضعيفة.

إن هذه الظاهرة التي تنسحب على آلاف المشاريع ، والتي وردت في التقارير الرسمية المعلنة قد أنهكت ميزانية الدولة الى الحد الذي جعلها تتجاوز الخط الأحمر في السحب من الاحتياطي النقدي لمعالجة العجز المالي.

هذا ، وأن مجمل الخروقات التي حصلت في البنية الاقتصادية للبلد كانت نتيجة لتخبط السياسة المالية والاقتصادية في فتح أبواب الاستيرادات العشوائية ، وعدم متابعة شروط فتح الاعتمادات ، وتهريب العملة الصعبة من خلال المصارف الأهلية التي لا ترتبط بعملية التنمية الاقتصادية والإصلاح المالي للبلد ، واختلال ميزان المدفوعات بزيادة معدلات الاستيرادات على الصادرات ، وتوقف العديد من المشاريع الصناعية المحلية بقطاعاتها الثلاثة (العام والمختلط والخاص) ليصبح البلد سوقاً استهلاكية للمنتجات والسلع غير الخاضعة لشروط الرقابة والمواصفات القياسية ، بالإضافة الى ضعف الرقابة والسيطرة على المراكز اكمركية الحدودية التي أصبحت خاضعة لمافيات تتحكم في إيراداتها ، كذلك منح العقود بصورة مباشرة من دون اعلان مناقصات أصولية مما أدى الى استنزاف ميزانيات العديد من المؤسسات والدوائر الحكومية نتيجة للمبالغة في أسعار الشراء، كما إن ضعف إنتاجية الدينار التبادلية مقابل ما يحصل عليه من السلع والخدمات أدى الى ضآلة دوران العملة في السوق المحلية ، هذا بالإضافة الى العقود الضخمة بمليارات الدولارات مع شركات وهمية لا تصب بمصلحة البلد وإنما لمصلحة الطرف الآخر الذي يختفي تحت عباءة هذه الشركات الوهمية ، وتكون النتيجة في الغالب فشل تلك المشاريع وضعف مردوداتها الاقتصادية واستنزاف موارد البلد وترجيح كفة الشركات المتعاقدة بالمزيد من الامتيازات والمنافع على حساب مؤسسات الدولة كما حصل في مشاريع الكهرباء والتراخيص النفطية ومشاريع بناء المدارس والعقود الزراعية وعقود وزارة التجارة .. وكثير غيرها من المشاريع المتلكئة التي صرفت عليها مليارات الدولارات بشهادة التقارير الصادرة عن المؤسسات المعنية ، التي شكلت استنزافاً لعشرات المليارات من العملة الصعبة التي كان المستفيد الوحيد منها هم صائدو العملات.

            وأمام هذا الواقع فإن التذرع بانخفاض أسعار النفط وتأثيره على الميزانية إنما هو ادعاء لا ينطلي على المواطن البسيط الذي يرى بأُم عينيه سوء التصرف بالمال العام وإثراء السياسيين الذين لم يكونوا يملكون شيئاً قبل احتلال مواقعهم الحالية ودخولهم مغارة علي بابا .