ليالي شهرزاد.. في نسختها الحيدرآبادية

ظلال ساحرة وارفة

 

ليالي شهرزاد.. في نسختها الحيدرآبادية

 

 

  هادي حسن حمودي

 

 

بعيدا عن مستنقعات الدم والحماقة، وقناني الشعارات المعلبة لخدمة التخلف والانحطاط.. فلنبحث عن واحة في هجير الحياة وظل شجرة أو نخلة أو سنديانة وارفة الظلال، فما أشبهنا بتائه في بيداء القيظ والويل يفتش عن جرعة ماء واستفاءة تقيه رياح السموم.

 

 

\(1)

 

ولذا سآخذكم معي إلى رحلة قصيرة نستعيد فيها أفياء ألف ليلة وليلة، عبر حديث قصير عن نسخة فريدة من تجليات هذه الفتاة الضالة، حسب وصف الروائي العراقي الكبير (محمود سعيد) كي نتثبت من أصلها وفصلها وجنسيتها، وننتبه إلى التشويه الذي نال وجهها الجميل، وأضر بنظراتها الساجية، وأمعن في مسخ قدها الرشيق الأنيق المثير لحب الجمال.

 

هذه النسخة، التي اسميتها في مقال سابق بالنسخة الحيدرآبادية، كانت ضمن مخطوطات أخرى أراد بعض القائمين على فهرسة المخطوطات الموجودة في حيدر آباد لضمها إلى دائرة المعارف العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى إتلافها بحجة المساس بالعقيدة والأخلاق. ولكن السيد إبراهيم بن السيد علي الداماد الخراساني (جد بائعها الذي اشتريتها منه) استنقذها مع مخطوطات أخرى كادوا يتلفونها. ولهذا الشراء قصة طريفة ولكن ليس هنا مجال ذكرها، إذ سأضمنها مقدمة الكتاب حين تأذن الظروف بطباعته ونشره. وهي تختلف من نواح كثيرة عن المطبوع من ألف ليلة وليلة بمختلف طبعاتها. وخاصة من حيث ما يسمى اليوم بالأدب المكشوف. حيث تتصاغر أمامها حتى الروايات الغربية المهتمة بالجنس. وهي حسب رأيي تعبر بالكلمات عما تعبر عنه الأفلام الجنسية هذه الأيام.

 

ومن أبرز الخلافات الأخرى أن فيها قصصا وحكايات تصور بالتفصيل ما صار يعرف اليوم بالعلاقة المثلية. والأهم من ذلك افتتاحيتها التي تصف أجساد أبرز شخصياتها، شهريار وشهرزاد، في ليلة زواجهما، جزءا جزءا.

 

وكذلك أوصاف ولادة شهرزاد لصبيين في تلك الليالي الألف، ونفاسها وما تبع ذلك من الاستحمام. وأما خاتمتها فتختلف عن الكتاب المنشور بطبعاته المختلفة. إذ تتفق شهرزاد مع أختها دنيا زاد على أن تقوم هذه الأخيرة بإغواء شهريار، وتنجح الخطة مما يجبره على أن يترك عادة قتل النساء اللاتي يدخل بهن. فلم تكن توبته ندما ضميريا بل إلزاما وإجبارا.

 

ولعل أهم اختلاف ذي أهمية شديدة أن النسخة الحيدر آبادية تخلو من كل ما يتعلق بالحروب الصليبية ومنها حكاية (عمر النعمان وولديه شرلكان وأخيه ضوء المكان والعجوز شواهي ذات الدواهي) التي نراها إضافة مصرية أو شامية وهي تشكل ما يقرب من جزء كامل من الليالي المنشورة، ونعدها أوهى حكايات الليالي.

 

(2)

 

وقد جاء في آخر هذه النسخة (صورة الغلاف الخلفي مرفقة):

 

فلما جاءه وقص عليه القصص قال لاتخف

 

هذا ما انتهى إلي من نسخة هذه النميقة والحكايات الأنيقة والأشعار الرقيقة المسمى كتاب ألف ليلة وليلة

 

انتسختها في ظاهر مدينة الكوفة في الثامن من شهر ربيع الأول

 

وأتممت إملاء على طالبي القصص والأذكار

 

وذلك في الخامس من رجب المرجب سنة اثنتين وأربعين وأربعماية للهجرة

 

على صاحبها وآله وصحبه السلام

 

وكتبه الفقير إلى رحمة ربه محمد كريم الدين بن أحمد اللنكري

 

ونظرا لسمك الورق ونوع الكتابة وانطماس بعض كلمات في شيء من صفحاتها من أثر الرطوبة والأرضة وعوامل أخرى، فلا أكاد أشك في أنها من القرن الخامس للهجرة. ومجمل صفحاتها ألف وسبعمائة صفحة. ولا توجد بها ليلة أقل من خمسين سطرا. كما أن فيها انقطاعا للحكايات في عدد من الليالي بسبب مرض شهرزاد وولادتها لصبيين.

 

ومن المعلوم أن مجالس القصاصين كانت تقام في معظم المدن الكبيرة في القرون الماضية. فلا أستغرب إشارة الناسخ إلى قراءتها أو إملائها. وإلى الأمس القريب كان في مقاهي بغداد (ومدن عربية عديدة أخرى) ما يسمى بـ(القصخون – أو الملا) وهو الذي يحكي القصص والروايات لمستمعيه.

 

(3)

 

نلاحظ أن الليالي بطبعاتها المختلفة يتفاوت فيها طول الليالي تفاوتا غريبا، فبعضها لا يزيد عن خمسة أسطر.وليس من المعقول أبدا أن مؤلفا يريد توزيع حكاياته على ألف ليلة وليلة لا يعرف أن هذه الأسطر الخمسة لا تستغرق حكايتها إلا دقيقتين على أكثر تقدير! فكيف يريد أن يقنع قارئها أو سامعها بأنها كانت ليلة كاملة؟

 

أما الليالي بنسختها الحيدر آبادية فلا تقل أية ليلة منها عن خمسين سطرا، حيث تستغرق روايتها ربما أكثر من ثلاثين دقيقة، مع ما يصاحب ذلك من ضحك تارة، وتناول أقداح الشراب أو الممسّك بعصارة الورد أو المسك تارة، أو همسة ومناغاة ومناجاة تصاحب (عبث الأصابع) أو (لمسات الأنامل) أو (انعطف عليها والتقم شفتيها) أو (زادت شهوته و(…) فقاطع حكايتها وصار..)

 

وما إلى ذلك من نغشات ولمسات وهمسات. ومن ناحية أخرى، فالليالي الحيدر آبادية لا تتفاوت أطوال لياليها كثيرا، فمعظمها، كما قلنا، خمسون سطرا أو أكثر قليلا. مما يوضح لنا أن مؤلفها ذكي متمكن من التأليف المنسق والتوزيع (الهارموني) للياليه. ذلك باستثناء الليالي من (300) إلى (310) حيث كانت شهرزاد في حالة نفاس بعد مولد صبيها الأول.

 

ففي تلك الليالي يتدخل المؤلف ليصف لقارئه دخول شهريار إلى حجرتها للاطمئنان على صحة الصبي، ويجري بعض الحوار الشفيف مع شهرزاد، وهو حوار يكشف تطورا في بناء شخصيته.

 

الليالي بطبعاتها المختلفة أهملت ذكر ليالي المرض أو الولادة والنفاس، مع أنها تفاجئنا في أواخرها بأن شهريار قد رزق من شهرزاد بالبنين والبنات. ولكن ألف ليلة وليلة تشكل ثلاثة وثلاثين شهرا وبضعة أيام، فكيف يتاح لشهرزاد أن تلد له البنين والبنات في هذه المدة المحددة من الزمن؟ ولقد عبر الدارسون هذه الحقيقة وأهملوها إهمالا تاما لأنهم تخيلوا أنها (مجرد حكايات جمعت اعتباطيا فلا يصح إخضاعها للمنطق والمحاكمة العقلية) .

 

أما في النسخة الحيدر آبادية فقد ولدت له صبيا في الليلة (300) ثم غابت عن القص عدة ليال لتعود في الليلة (311) ثم ولدت له صبيا آخر في الليلة (950) وتوقفت عن القص، وفي هذه الليالي يتدخل المؤلف، فيروي زيارات شهريار لها، واتفاقها في الليلة (961) مع أختها دنيا زاد لإغواء شهريار. ذلك لأنها، وقد شارفت حكاياتها على الانتهاء، أرادت أن تتثبت من إقلاعه عن قتل الفتيات اللواتي يتزوجهن. إذ تجعله يفهم أن الخطيئة لا ترتكبها المرأة فقط، بل يشاركها الرجل، فإذا كان لا بد أن يقتل مجموعة من النساء لأنه رأى خيانة زوجته الأولى وزوجة أخيه، فهو ليس بأفضل من أولئك النسوة. وينجح هذا الكيد النسوي ففي الليلة (961). ويجيد المؤلف وصف الدور الأنثوي المغري الذي قامت به دنيا زاد التي (فأشعلت دمه وانبهرت أنفاسه حتى إذا طلبت منه أن يقلع ثيابه ويقعد جنبها وينادمها بكأس طلا) أطاعها. ولّما دنا منها ومدّ يده إلى (…) فاجأته شهرزاد وضبطته بالجرم المشهود. فصاحت وولولت.. الخ). فخوفا من الفضيحة أعلن شهريار ندمه (وسفح دموعه على طرف إزار شهرزاد). وهكذا تاب شهريار، وإثباتا لتوبته دفع لعوائل الفتيات اللواتي قتلهن تعويضات مالية (وجمعهم واسترضاهم على مشهد من الأعيان والكبراء).

 

(4)

 

وهي خاتمة تلخص أهداف الليالي، وتبين التطوير الذي تستطيع المرأة إدخاله على شخصية زوجها، بل وأي رجل آخر. كما تفيد أن شهريار، وبرغم حبه لشهرزاد، وتعلقه بها، وإنجابها ولدين له، لم يكن قادرا على أن ينسى فكرته عن الخطيئة، وأنها متعلقة بالمرأة باعتبارها (من حبائل الشيطان)، كما تبين أن شهرزاد وبعد كل ما فعلته له لم تكن مطمئنة إلى توبته واستمراره في حالته الجديدة، فأحبت أن تجعله يتوب عن ظنونه ووسواسه،

 

وما يفعل، وذلك عن طريق الكشف عن كونه ليس أكثر من خطاء وآثم، لا يختلف بشيء عن إثم امرأته السابقة وامرأة أخيه. فالليالي بنسختها الحيدر آبادية تحمل رسالة اجتماعية مسخها ناشرو النسخ الأخرى لأسباب منها ما هو قطري، إذ أضافوا إليها حكايات عديدة من تراثهم المحلي أو حتى من تأليفهم، لتحل محل حكايات من بيئات أخرى، ومنها أخلاقي لما ذكرناه من الأدب المكشوف اللاذع الذي استعمله المؤلف، سواء في العلاقات الطبيعية أم العلاقات المثلية (ذكر – ذكر) (أنثى – أنثى) بل ثمة (حكاية العميان والعمياوات) تصف بالتفصيل ممارسة الجنس الجماعي المشاعي، حيث كلهن لكلهم.

 

(5)

 

وبرغم الأدلة التي قدمتها في بحوث سابقة (ومنها ما أشار إليه الروائي محمود سعيد nأنظر جريدة الزمان 6 ديسمبر 2013) عن نسبة الكتاب إلى ابن سكرة الهاشمي (ابن سكرة: هو أبو الحسن محمد بن عبد الله الهاشمي: شاعر متّسع الباع في ألوان الإبداع حسب تعبير الثعالبي في يتيمة الدهر 3/3. وهو من أهل بغداد توفي سنة 385هـ/995م) فإني أضيف هنا، ثلاثة أدلة جديدة:

 

* أما الأول فإن صفحة الغلاف وتحت عنوان (ألف ليلة وليلة) مباشرة نقرأ بيتين من الشعر هما لابن سكرة الهاشمي بلا خلاف، وهما: بين شخصي وبين شخصك بُعدٌ غير أن الخيال بالوصل سمْحُ

 

إنما أوجب التباعد منا

 

أنّني (سُكّرٌ) وأنت مِلْحُ

 

فكأنه أراد الإشارة إلى نفسه بهما بدلا من أن يكتب إسمه، لأسباب معينة. و(ملح) لقب أحد شعراء عصره.

 

* أما الثاني: فقد ورد في حكاية (العريان والسبع كافات) وهي حكاية بضمير المتكلم وتجري في حارة من حارات الكرخ ببغداد بيتان من الشعر، لابن سكرة الهاشمي:

 

(وقلت: جاء الشتاء وعندي من لوازمه سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا كنّ وكيس وكانون وكأس طلى

 

مع الكباب ……… الخ)

 

والبيتان لابن سكرة بلا خلاف. وحين يغضب عليه (أمير الكرخ) ويطلب منه أن يهذب ألفاظه ينشد بيتين آخرين يعرض فيهما بفقره وهما له أيضا:

 

قيل ما أعددت للبرد فقد جاء بشده

 

قلتُ درّاعة عري تحتها جبّة رعده

 

الدراعة ثوب من الصوف، يذكرها مع الجبة من باب السخرية مشيرا إلى أنه لايملك ثيابا تدفع عنه برد الشتاء. * وأما الثالث: فتقريعه لابن حجاج (هو أبو عبد الله بن أحمد بن الحجاج البغدادي: شاعر فحل حسب وصف البغدادي في تاريخه 8/14 توفي سنة 391هـ/1001م) على موقفه من المتنبي، والمعروف أن ابن سكرة كان يجل المتنبي إجلالا كبيرا، بينما كان ابن حجاج منصرفا إلى النيل من المتنبي بفاحش القول ومرذول الكلام.

 

وقد لجأ ابن سكرة في هذا الموضوع إلى قلب ما قاله ابن حجاج في هجاء المتنبي، إلى ابن حجاج نفسه، ووصفه بقوله: (فرمى في الكنيف كل ما قاله ابن حجاج بشعره السخيف) وهو يقصد (الشيطان ابن سمدنان) بطل هذه الحكاية الطويلة التي أسماها بـ(حكاية المهتاج إلى عجان ابن حجاج).

 

ضمنها مجموعة مقذعة من أشعار هذا الأخير يحاسبه عليها ابن سمدنان، ومنها: (ملاحظة: النقاط بين الأقواس مما لا يحسن نشره)

 

* تفديك أمي وأبي (….)

 

فما شككت أنها لحية ابن الحلبي

 

وقد بادلتها (..) لي   بمشورة (…) ولها (…)

 

* كأن (…) شمع في (…) فكلما لمسته راحتي لانا

 

* واستنطق ابن سكرة معاصره ابن حجاج أبياتا من الشعر تصف (شذوذ) ابن أخ هذا الأخير حيث كان يُرمى بالأبنة:

 

جارية مثل شراع المضرب المطنّبِ

 

صعدت (…)

 

حتى رأيت ابن أخي بحضرة المهذّب

 

(المهذب اسم عاشق الغلام)

 

* حتى متى أفديك يا ستّي …..  (قافية فاحشة جدا)

 

* كأن عذاره في الخط لام ومبسمه الشهي العذب طاء

 

* ويحول قصيدة ابن حجاج في هجاء المتنبي:

 

يا ديمة الصفع صبّي على قفا المتنبي

 

ويا قفاه تقدم واقعد قليلا بقربي

 

يا لحية هي عن (..) أهـل شيخنا المتنبي

 

والمكتظة بالبذاءة إلى أبيات في هجاء ابن حجاج نفسه.

 

بل ذهب إلى أكثر من ذلك ففي حكاية (الحجاج والجنية حجاجة) يضع على لسان الحجاج (وهو أبو الشاعر) أبياتا غاية في الفحش والإقذاع يصف بها امرأته (أي أم الشاعر) ويسميها بالجنية حجاجة وهي أبيات تروى لابن حجاج نفسه:

 

* كأنما باب سور (…) عنقود كرم (…) العنبِ

 

كأنّما (..) فوق (…) راكبٌ حمارة على قَتَبِ

 

و

 

جارية قد سمطت (…) بوهج حمى (…) الصالبِ

 

أخذت في الليل (….) إلى آخر ما لا يليق نشره صحفيا.

 

(6)

 

نخلص من هذا إلى أن ثمة اختلافات جذرية وجوهرية، بين نسختنا هذه وما طبع من نسخ الليالي الشهرزادية، سواء في بناء هيكل الليالي، أم في مضامينها، أم بوجود رسالات اجتماعية أراد المؤلف إيصالها بنقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت سائدة يومذاك.

 

وأنا أدري أن هذا العرض لا يغني عن قراءتها والاستفاءة إلى ظلالها الساحرة الوارفة..  على أمل تيسر ظروف إصدارها قريبا.