لغة السياسة لغة الحرب – احسان محمد علي

لغة السياسة لغة الحرب – احسان محمد علي

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وانقسام النظام الدولي الى معسكرين كبيرين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي اللذين هيمنا على مقدرات الشعوب، وقسم العالم يومئذ بين المنتصرين، نالت بعد ذلك معظم الشعوب استقلالها الشكلي بعد انتهاء الحربين العالمية الاولى والثانية، ان هذه السيادة غير الفعلية التي تحققت ربطت مصائر هذه البلدان المستعمرة باسيادها القدماء وظلت تدور في فلكها ومصالحها التي فرضتها الظروف وكرست مفاهيم الاستعمار بشكل جديد واطر حديثة تلائم المرحلة، بعد تطور نشوء الدول القومية على اساس عرقي او ديني (أثني) بالحدود المخطط لها في معاهدة (سايكس بيكو).

ويشهد العالم الان حالة من التوتر والترقب والذهول على ما تؤول اليه النتائج المستقبلية عقب صراع المصالح الاقتصادية والسياسية بين الانظمة التي تمتلك ماكنه هائلة من القوة العسكرية والاقتصادية ولما كان (الاقتصاد يقود السياسة، وليس العكس، فأن تضارب المصالح بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وتفكك الاتحاد السوفياتي، والدول الدائرة في ركابه الى دول متعددة، ادى ومن ثم الى هيمنة قطب واحد تسير وراءه الدول مرغمه لافتقارها الامكانيات التي تجعلها نداً قوياً ولقرض بالتالي ارادتها الوطنية وقرارها المستقل ومصالحها الوطنية والقومية.

واقع مضطرب

ان الواقع المضطرب الذي تشهده منطقتنا خاصة، بعد  عام2003  تحديداً .. لتكون بالتالي بداية غير معلنة لتدمير المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، عبر اطروحات التغيير الممكن لهيكلة الانظمة الدكتاتورية القديمة المصطنعة اصلاً بأنظمة فاسدة غير قادرة على ادارة دفة السفينة الى ضفة السلامة والتقدم والتطور والرقي والاستقرار، وفرض هيمنة فعلية للدولة ولسيادة القانون.

ان السياسة الناعمة التي تؤديها (امريكا) لخلق توازنات جديدة بعد انهيار الانظمة السابقة وادخال المنطقة في حروب اهلية طاحنة عبر اثارة النعرات الطائفية والعرقية والاثنية وخلق توازنات بين ثلاثة انظمة تؤدي دوراً فاعلا في منطقتنا الملتهبة واقصد (ايران وتركيا والسعودية) ان تقاسم الادوار وفرض الهيمنة او الوصاية على الشعوب سيقود ومن ثم الى تدمير امكانياتها الاقتصادية والبشرية ويبدد ثرواتها الطائلة على شراء المزيد في السلاح والذخيرة وتأليب طرف على طرف اخر عبر تهديدات مستمرة قد تدخل المنطقة في اتون حرب اقليمية تدوم طويلاً .. هل كل هذا هو اعادة انتاج لمعاهدة (سايكس بيكو) بلباس جديد وخرائط مفترضة حديثة تنقسم المنطقة بعدها الى دويلات ضعيفة مصدره للنفط وسوق واسعة لشراء البضائع الرأسمالية باهظة الكلفة لاستنزاف قدراتها الاقتصادية وتحطيم ارادتها الوطنية وتكبلها باغلال واعباء تنوء بحملها دول اكثر تطوراً وتقدما؟ً، ان الوضع في العراق وسوريا واليمن وليبيا ماهو الا اعادة للحرب الباردة السابقة وقد يشتعل  فتيلها الى حرب كونية تحرق الجميع.

نشرت مجلة (اليقظة العربية) أواخر عام 1970 تقريراً مفصلاً عن تخطيط الادارة الامريكية لرسم خارطة سياسية للمنطقة وبالنص الكامل للعبارة التي كتبت (يجب اعادة رسم خارطة سياسية للمنطقة) تبعها حديث عراب السياسة الامريكية (كيسنجر) بتفتيت الدول العربية والنفطية خاصة الى كانتونات كبقرة حلوب تضخ النفط الرخيص الثمن الى اوربا عن طيب خاطر.ولقد كثر الحديث قبل سنوات كثيرة عن خارطة الطريق وشرق اوسط جديد وما احتلال بغداد عام 2003  الا بداية لطريق مرسوم لفرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية والتلاعب بمصائر الشعوب وارادتها الوطنية وخيارها الوطني والقومي والامني والاقتصادي. ان لغة السياسة الدائرة حالياً في الدوائر السياسية واروقة الامم المتحدة ماهي الا تمهيد لإذكاء لغة الحرب التي تدق طبولها بين فينة واخرى، وماهي الا نتيجة محتملة لصراع المصالح وسعي الاحتكارات النفطية التي تتكالب على منطقتنا لتجعله بؤرة لصراع دامٍ قد يدوم طويلاً، ولن يأتي الحل الاّ بقيام حرب جديدة تضع الامور في نصابها فالغرب يواجه ايضاً ازمة اقتصادية واجتماعية وروحية وهو يحاول ان يحلها على حساب العالم الثالث.

بداية حرب

يقول (هزي كيسنجر) ان طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع منذ مدةٍ ليست بالقصيرة ومن لا يسمعها فهو اصم، فهل ستكون منطقتنا بداية لهذه الحرب الضروس التي ستحرق كل شيء وتدمر كل شيء ولا تأتي على شيء الا اكلته.

 ان نزف الدم الذي لن يتوقف هو افراز حقيقي لمعاناة الشعوب المغلوبة والمقهورة منذ قيام الحرب العالمية الاولى حيث اصطنعت الدول الاستعمارية حدوداً جديدة تعمدت ان تؤدي الى تقسيم القبائل بين عدة دول وتقسيم دول قائمة الى دويلات او فرض هيكلية سياسية عرقية او دينية على بعض الدول مثل (لبنان) مما ادى الى نزاعات وستؤدي الى نزاعات لا تنتهي وتبقى التبعية لهذه الدول رغم استقلالها ممثلة في المصالح الاقتصادية والقواعد العسكرية، فهل ستتحول لغة السياسة العجفاء الى لغة الحرب العصماء التي ستقود بالتالي الى الخراب، تغييراً يرسم معالم حياة جديدة على اسس توزيع الثروة بشكل عادل على جميع الشعوب لتنعم الانسانية بالتالي يقيم الحرية والعدالة والمساواة، انا لست من دعاة الحرب كحل بديل لتغيير الاوضاع لكن طبولها تدق بعنف وما احداث العراق وسوريا او كوريا الشمالية او بحر الصين الا تمهيداً لبعث الحلم الاستعماري القديم بالسيطرة والهيمنة على العالم، ان صراع القوى الكبرى نتيجة اختلال مصالحها وتضاربها سيقود بالتالي الى صراع حتمي على تقاسم مناطق النفوذ بينهما سلمياً او بلغة المدفع الى ستحسم الامور ولمن ستقرع الاجراس بالتالي لمن ستقرع الاجراس، واستشهد اخيراً بكتاب (الوجه الاخر لإسرائيل) كتـــبه اليهــــودي (آدم شامير) الذي يقول في احد صفحات كتابة الذي منع من التداول وسحب من الاسواق في حينها (ان العالم على اعتاب حرب عالمية ثالثة بدأت فعلياً على ارض فلسطين والعراق لإقامة امبراطورية امريكية إسرائيلية) عبر اثارة الفتن والاضطرابات السياسية والاقتصادية والعرقية والاثنية لتمزيق هذه الشعوب وتحطيم ارادتها وبناءها الاقتصادي والاجتماعي وتمزيقها قطعاً متناثرة يسهل التهامها مما يؤمن الحفاظ على المصالح الامريكية والدول الحليفة لها وثانية اقامة حدود آمنة لإسرائيل، وابقاء الدول العربية والافريقية تدور في فلك المصالح الغربية وتابعة لها وفاقدة لأي ارادة وطنية تسمح بقيام مشروع وطني مستقل بعد انهيار الانظمة الدكتاتورية المقيتة سابقاً.

فهل ستدق الحرب العالمية الثالثة طبولها ام ان لغة السياسة والحوار وتقاسم المصالح ستكون بديلاً في ايجاد استقرار ملائم لكرتنا الارضية المسكينة والمتعبة، ربما تنجح محاولات تقاسم (الكيكة) بين المتصارعين خاصة بعد تحقيق (الدب الروسي) من اعادة امجاده القيصرية بالوصول الى المياه الدافئة ووضع حلول ولو مؤقتة للوضع في (اوكرانيا) و (سوريا) و (كوريا الشمالية) وجعل بعض التفاهمات الى مستوى التحقق النسبي في توازن العلاقات الدولية الا ان تخفيف العنف واطفاء الحرائق المشتعلة في اكثر من مكان واضفاء وضع جديد يلائم التحالفات الجديدة في ميزان القوى المتصارعة قد يؤدي بالتالي الى تغليب لغة الحوار والسياسة على خطاب المدفع الذي سيحرق الجميع ويضعهم في اتون حرب شرسة لا تبقي ولا تذر.