لعبة المفارقة الروائية – اضواء – عبد الكريم حسن مراد

وهن الحكايات ذات العناوين

لعبة المفارقة الروائية – اضواء – عبد الكريم حسن مراد

ثمة حكايات كانت تنام في مدونات وأقراص (سي دي)، سجلت وكتبت كي لا تضيع في فوضى هذا العالم حكايات لأناس عاشوا في زمن ما في بقاع الأرض، وفي بقعة تحمل اسم وطن دونت بأمانة لتكون شاهدة على عصر مضى وعصر حالي نعيش كل أوجاعه، حملها كل من علاء وهديل كل على انفراد، دون أن يرى أحدهما الآخر لأن لكل منهما حكاية مؤلمة مع الآخر، حملها السارد ( أنا الكاتب) ليفتتح به سرده الروائي حيث قال ( عرفت علاء وهديل منذ خمس سنوات خلت من واقع حياتي الأربعين)، إذا لقد افتتح الروائي أحمد ابراهيم السعد ومن خلال سارده في روايته (وهن الحكايات) أول خيوط روايته والتي تبدا بأسلوب العناوين وتحت عنوان أولي (خارج قوس.. داخل الحكاية) ليرسم لنا ملامح علاء وهو يسلمه (شريط السي دي) وهو في مقر عمله أي عمل السارد، حيث يقول (دخل علاء إلى مقر عملي في الصحيفة وأعطاني شريط تسجيل سي دي ، سألته عما يحتويه، فقال وهو يشرب بعجالة من استكان الشاي، وتصورته سيغادر فوراً: اسمع ما في الشريط واقرأ ما في القرص فهي لك ليغادره، وكان موقناً أن علاء لن يغادر البلاد بعد كل ما تعرض له من خطورة، لكن يقينه لم يكن صحيحاً، فلقد سافر إلى بلجيكا، هذا ما أكده السارد ليحمل حاجياته للعودة إلى بيته، وقد تلقته زوجته بعدة اسئلة، فأراد أن يستفزها ويسكتها، فأخبرها بأنه بصدد كتابة رواية، فخيم الصمت في المكان، لتحدث بعد ذلك زوبعة هوجاء من الزوجة لتؤنبه وتشاجره من أجل أن  يوفر لقمة العيش لأولادهم بدلاً من المضي إلى هذه الترهات، ولكن قبل هذا كان قد صعد الى سيارة تكسي، فغفا فيها ليجد نفسه أمام داره دون أن يعي، إلاّ انه أضاع الكيس الذي يحوي المذكرات ( السي دي)، وفي البيت ظن أنه قد نساه داخل البيت، فطلب من زوجته أن تبحث عنها، فأخبرته بأنها لم تجد أي كيس، حينذاك أدرك فعلاً أنه قد أضاع الأمانة، فيبقى حائراً، ولكن ثمة بارقة أمل طرأت في ذهنه حيث ادرك بأنه يحفظ جزءاً من تلك الحكايات حيث قال ( نسيت فكرة البحث عن الكيس، وبدأت أشك بقدرتي على تذكر ما جاء في الشريط، ودفتر المذكرات والقرص “سي دي”)، لقد تذكر مقولة بورخس ( إن فن تأليف حكايات يقوم على إعادة تركيبها وروايتها من جديد )، وقد فعل ذلك حين قال ( فعلت نصف ما قاله بورخس لأني كنت أتذكر نصف مذكرات هديل واغلب ما كتب علاء، فيما احتفظ ثقب ذاكرتي بالصور الممكنة من حكاية أم حسن التي أبقيت شللها المبكر وغير المقنع)، ربما لأن شللها هو البؤرة التي انطوت عليها حكاياتها التي بدأت بابنها الوحيد (حسن) ليرسم لنا السارد أول خيوط سرده ومن خلال حسن الذي فقد سنة 1993 في حادثة سينما الوطن في شارع العشار، والذي اعتقل من قبل رجال الأمن التابعة لصدام بعد ان رسم لنا السارد شيئاً من ملامح المدينة وبكل أشيائها، ليصل بنا إلى داخل صالة السينما والذي كان مع الجمع يصرخ على مشغّل الفيلم بأعور لأنه قد قطع الفلم، وكان مفاجأة غير متوقعة لدخول رجال الأمن ويقتادونهم إلى جهة مجهولة لأنهم قد وصفوا مدير السينما بالأعور، لتبقى أم حسن تنتظر عودة ابنها حسن الذي ذهب ولم يعد ( تعيش مع اخوالها وجدته فخرية على طريق اسمائها الكثيرة التي نمت مع حكايتها التي لم تصل إلى قباب الأولياء الذهبية)، يفتتح السارد أول شريط الحكاية وتحت عنوان ثانٍ ( قوس أول _ نزول)، وعلى لسان بطلتها والتي قالت ( لي اسمان، أقيس بهما مزاج من ينادي عليّ)، إذاً ثمة اسمان للبطلة (فشلة) كما تقول و(رضوية) أيضاً هذان الإسمان يطلقان عليها عندما  يكون مزاج الأم متعكراً، وتنادي بهما عليها، لتحملنا بعدها البطلة ذات الأسماء التي ذكرناها إلى سرد شيء من حياتها وهي في معية أمها وأخوالها والتي سميت باسم (نعمة) لتتذكر أول لعبة جنسية تعرضت لها من خلال محاولة خالها صادق في ملامستها، حيث قالت ( لقد مررّ عضوه على بطني لتعود وتتذكر بقايا من سائله المنوي الذي بقي على ثوبها، تذكرت تلك الصور وهي تشاهد الملابس الداخلية لأخوالها، ومن خلال البقع الصفراء الباقية عليها، لقد اجاد الروائي في رسم تلك اللوحة الجنسية ليحملنا بعدا مع البطلة وهي داخل غرفة خالها جاسم، ليسرد لنا وبأسلوب السارد الموضوعي صورة السجادة الموجودة في الغرفة وهي لراعي يقف ممسكاً بعصاً وسط جمع من الخراف وتحيط به هالة من نور، انها تمثل صورة سيدنا المسيح (ع)، لينتقل ويرسم لنا صورة أخرى لسجادة كانت على بعد امتار من السجادة الأولى تمثل سفينة نوح (ع) راسما لنا الجبل الذي آوى إليه ابن سيدنا نوح (ع) ظناً منه بأنه نجا من الطوفان، وكذلك لقد خلق الروائي روحاً حية في صورة السجادة، وقد أبدع فيها

منذ زمن بعيد

إن المرتكز الأساسي الذي اشتغل عليه الروائي هو زمنان وعالمان (ماض وحاضر)، ولقد نقل الروائي شيئاً من عوالم غير عراقية حيث مسقط رأس البطلة (نعمة) وهي الأحواز، وهذا ما يؤكده من خلال لعبة السرد ما بين الزمنين لينتقل إلى عوالم علاء وهديل، ولينقل لنا شيئاً من مناجاتهم وتحركاتهم وما يتعلق بأفكارهم والتحدث بأسلوب الفلاش باك بالنسبة لهديل وعلاقتها بعلاء وما نتج عنه من عملية اغتصاب قد لا يعلم به علاء لأنه ترك هديل منذ زمن بعيد، ليعود إلى عنوان (أنا الكاتب) ليتحدث عن شخصيات روايته ( المفترضة) والتي بنى عوالمها من مخيلته التي رسمت صورها بإتقان، لينتقل بنا الروائي ( أحمد إبراهيم السعد) إلى بقية أحداث عمله (وهن الحكايات)، ولقد أجاد في توظيف وحدات شخوصه وتوزيع الأدوار عليهم، وكذلك السارد في عمله المفترض من خلال تدوين الحدث والصراع، متنقلاً بنا إلى أماكن رسمها ببراعة.

إن (وهن الحكايات) بنيت أو ارتكزت على ثلاثة محاور، قسمها الروائي (علاء _ هديل _ أنا الكاتب)، والتي قدم في تلك الشخصيات شيئاً من يومياته وذكرياته وما يعيشه الآن كل على حدا دون أن يلتقي أيٌ منهم بالآخر، لكنهم كانوا يرسمون ويستذكرون حياتهم مع الاخر، كهديل التي كانت تدون معاناتها في المكان الذي تسكن فيه كبيت أختها وزوجها واطفالهم والتي تشير إلى الشجون وذلك عندما تختلي بزوج اختها الذي كانت تكرهه وتصفه بأنه غير حضاري وانتهازي، وكذلك معاناتها مع ابناء أختها الذين كانوا  يسمعونها كلاماً تلو كلام ويعيرونها بأنها معوقة (مبتورة الساق)، والتي حصلت نتيجة صاروخ إيراني سقط بالقرب منها  في حرب الثمانين، وتم تعويضها بساق اصطناعية أمريكي الصنع، كذلك تدوينها بما تشعر به في بطنها من ذلك الجنين الذي كان يتحرك والذي زرع بذرته علاء نتيجة عملية اغتصاب قد لا يتذكرها علاء أو يتذكرها، فقد اختفى من حياة هديل، لينتقل بنا الروائي ويسرد على لسان تدوين السارد (أنا الكاتب) بقايا حكاية الفتاة ذات الأسماء المتعددة كـ(نجاة وفشلة ونخلة ونعمة ورضوية) لتستقر أخيراً على اسم نورية والذي اطلقه عليها الرجل العسكري الذي وجدها مرمية على الحدود وفي ثكنة عسكرية بعد تعرضها لعملية اغتصاب من قبل جنود عراقيين على الحدود (حرس الحدود) إبان العقد السبعيني أو اواخره، والذين ظنوا أنها جاسوسة تعمل لصالح المخابرات الإيرانية، إن شريط ذكريات البطلة يمضي بالعرض لتصل بنا إلى زواجها ليصل بنا إلى زواجها بدارم، الرجل الذي كان محباً من قبل جنود الحدود وذلك لشيء من بلاهته، ولترزق منه بولد اسمته (حسن)، يكبر حسن ويصبح من عشاق السينما، وكان يحمل في جيبه صور ممثلات أجنبيات في جيبه، ومن رواد سينما الوطن في العشار، ومن مدمنيها لسنوات، وعشقه ذاك أودى به إلى اعتقاله مع مجموعة من رواد السينما في أمسية قضوها في الصالة والتي تلكأت الإدارة من عرض الفيلم مما أثار غضب الرواد واطلاق مسميات على مشغّل الفلم، مثل ( أعور) مما أثار غضب مدير السينما الذي قام بإبلاغ رجال الأمن، ومن خلال جهاز الهاتف وكان ذلك زمن الحصار، ليعتقل كل الرواد ويساقوا إلى جهة مجهولة، لتبقى ذاكرة حسن عالقة في ذهن أمه، والتي وجدت بقايا من جمجمته في مقبرة جماعية بعد (2003)، فعملت له تمثالاً وضعته في غرفتها، تحاوره كلما حنت له، لينتقل بنا الروائي أحمد السعد وتحت عنوان ( قوس ثاني / صعود / (التمثال) ليرسم ومن خلال تمثال (حسن دارم) الشاب المغدور ليستنطقه ساردا لنا شيئا من معاناته أو سبب مقتله، متحدثا لنا حسن عن تلك الرصاصات التي قتل بها، وفي ذلك يقول ( كان في جيب بنطالي صورة لممثلة شهيرة، وفي جيب صدري وبطني ثلاث رصاصات كلاشنكوف، وما كانت عيناي معصوبتين لذلك رأيت قاتلي، لقد تحدث عن معاناته وألمه وحزنه وفجيعته لما أصابه من أولئك القتلة ( قتلته ناقلاً وبألم صوراً مؤلمة لما تعرض له منهم، راسماً صورة أولئك القتلة واصفاً كيف كمموه وعصبوا عينه وجردوه من ملابسه ليغتصبوه متناوبين عليه الواحد تلو الآخر ثم ليُقتل كما يقول برصاصات مغتصبيه.

لينتقل بنا الروائي إلى بقية عناوين روايته، ليصل بنا إلى النهاية التي لم تكن متوقعة من قبل شخصية السارد ( انا الكاتب) الذي يُفاجأ بعلاء وهو يقتحم مكان عمله، وكل ظنه ان علاء لن يعود إلى أرض الوطن، وبعد أحاديث قصيرة فوجئ الكاتب بان علاء يخبره عن مصير ( أقراص السي دي ودفتر المذكرات) التي أودعها عنده، فكان الإحراج بالنسبة له وبعد صمت طويل أخبره بانه قد فقد تلك الأمانة في سيارة التاكسي، وكان قبل سؤاله عن القرص أخبره علاء عن فصول روايته أأكملها أم لا، لقد تشجع الكاتب وأخبره بالحقيقة والتي أضحكت علاء بهستيرية مما أزعج الكاتب الذي راح يساله عن سبب ضحكه، وبعد توقف علاء عن الضحك أخبره بأن الأقراص لم تكن تحوي سوى لقاءات اجراها علاء مع أناس لهم معاناتهم، فسجلها لينشرها في صفحات جريدتهم، لكن المفاجأة كانت بالنسبة لعلاء عندما اخبره الكاتب بان مع الأقراص الضائعة ثمة دفتر مذكرات يعود لـ(هديل)، بوغت علاء لسماع اسم هديل فراح يستفسر عنها، وهل هي موجودة فعلاً، أخبره الكاتب بوجودها مما زاد الشوق في قلبه لها، وأخبره _ أي الكاتب _ بأنه كتب روايته معتمداً على مخيلته التي راحت ترسم له صور الحدث راسمة ملامح شخصياته ليفاجأ علاء بأن الكاتب كتب رواية افتراضية، منهيا روايته والتي أجاد بها، ولكن مفاجأة لم تكن متوقعة بالنسبة للكاتب عندما أخبره من قبل علاء بأن الشخصيات التي بنى عليها روايته هي شخصيات من بنات أفكاره هو، كشخصية أم حسن، ومفاجأة اخرى لم يتوقعها وهي إن الشخصيات التي رسم ملامحها موجودة في الواقع، ولكن ليس كما صورها هو، فهناك اختلاف ما بين الحقيقة والخيال (الوهم)، فكانت له أشبه بالصعقة الكهربائية، فلقد فوجئ بوجود تلك الشخصيات بأسمائها الحقيقة، ولكن لم يكونوا كما دونهم هو، فخياله خلق عوالم جاءت قريبة من الواقع ولكن ليس كما هو مدون في الرواية..لينهي الروائي أحمد ابراهيم السعد (وهن حكاياته) بتلك المفارقة الروائية للسارد (أنا الكاتب)، والتي لعبها بإجادة تامة، وبأسلوب الميتاسرد، ومن خلال لغته الجميلة والتي كانت بأسلوب السهل الممتنع… إنها رواية الوجع الإنساني… بغداد

19/1/2015

–           رواية /وهن الحكايات/ أحمد إبراهيم السعد/ دار تموز/ سوريا/ دمشق/ 2014