تنوع الخطاب السردي‮ ‬في‮ ‬قصة نافذة على الساحة‮ ‬.. لازمة رمزية لمفردة الرائحة

تنوع الخطاب السردي في قصة نافذة على الساحة

لازمة رمزية لمفردة الرائحة

خضر عواد الخزاعي

في قصة”نافذة على الساحة”يضعنا القاص محمد خضير أمام عدة مقاربات زمانية تنتمي لمرجعيات ثِيميّة متنوعة، وترتبط إجرائيا مع أنساق مكانية وشخصية وتاريخية، ومستويات متعددة، تشكل قيَّم نصّية مستقلة بذاتها، مع وجود خيوط من العلائق المنتمية ضمناً لمضمون النص، فالفتى منذ ثلاثة أيام في بيت خالته للحصول على المساعدة المادية، فيما نعرف منه أن أمه ومنذ عشر سنوات قد افترقت عن شقيقتها، حين كان عمر الفتى وقت فراق الشقيقتين خمس سنوات، في الوقت الذي تنتظر فيه الخالة زوجها الغائب منذ خمس سنوات، حيث هاجر للعمل صيادا في الخليج، بالإضافة الى الزمن الخارجي للنص “زمن الكتابة” أو زمن النص نفسه، هذا الزمن المعوَّم الذي ينتج في النهاية ما يسميه رولان بارت “الإيهام بالواقع” . يضاف الى كل هذه الأزمان زمن القراءة، إن خلخلة الزمن، أو حتى مستويات الخطاب في النص كما في “لقد مضى اليوم الثالث على زيارتي…” ثم الانتقال ضمن “الوحدة الحكائية” اذا يحق لنا اجرائيا ان نسميها – كون القارئ سيصادف في النص وحدات حكائية متعددة- الى نسق زماني آخر”أتذكر كلمات أمي :لقد مضت عشر سنوات …”.هو ما يمنح النص القدرة على محايثة هذا الواقع، وإخراج النص من واقعيته الايهامية الى آفاق “واقعيته الافتراضية” ، التي أسس لها القاص محمد خضير بوقت مبكر من اشتغاله في السرد القصصي، أو مايسميه الناقد ياسين النصير”مرتبة التشخيص”أي تمييز الخاص ضمن حدود العام الاجتماعي، فهناك في النص أيضا ثلاث شخصيات نسائية رئيسية هي:/الأم – الخالة – الزائرة – وأيضا امرأة النافذة، تلك اللمحة الخاطفة التي تترآى من خلف ستارة نافذة، وكأنها، شحنة مضافة لتعزيز المعنى العام لثيمة النص أو تبئير حبكته السردية، في ابراز الجانب الذي حرص القاص على الاهتمام به دون غيره وهو حالة “الاغتراب” النفسي التي تعيشها شخصيات النص، ابتداء من الفتى الذي لم يغادر الغرفة منذ ثلاثة أيام في انتظار ما ستقدمه له الخالة، إقراضه المال “منذ ثلاثة أيام وأنا أشم رائحة الطين حولي … لاشيء غير رائحة الطين”.هذه المتلازمة الرمزية لمفردة “رائحة الطين” والتي ستبقى ترافقه حتى النهاية رغم السينوغرافيا المغايرة، التي صممها القاص للنص. فالمكان عبارة عن غرفة خشبية في الطابق العلوي،غرفة عارية كئيبة سيئة الطلاء، تطل بواسطة نافذة مشرعة، على ساحة قيرية مغبرة، لكن رمزية الطين ورائحته، وسط هذه البيئة المتيبسة،كانت التفاتة مهمة، وبذرة غير متوقعة وضعها القاص في هذا السياق لعمل نوع من الإزاحة الحسية، لإبعاد العطوبة والتوحد اللذان كانا يهيمنان على ذهن الفتى، وكذلك المرأة، وخلق الصورة المُتخيَلة التي لايمكن لها أن تفرز حيثياتها دون الاستعانة بدلالات رمزية، تحمل في طياتها نوع يماهي المعنى العام وينسجم معه، بالإضافة إلى شخصية الفتى هناك شخصية الخالة التي تبدو أكثر حضوراً في سياق النص،بكل ماتحمله من حمولات نفسية وتاريخية ضاغطة/التوهم – التخيّل – النوراستينيا. وهيّ الأخرى تعيش محنة أخرى وفصل آخر من فصول تعددية الزمن وهيمنته، بين مفارقتها لزوجها منذ خمس سنوات، وإحساسها العالي بانتظار لحظة رجوعه، وكأنها ستحدث بأي لحظة، هذه الهيمنة المفجعة للزمن تحاول المرأة التحايل عليها من خلال ممارسة لعبة السرد الملحمي، للهروب من سوادية الانتظار، وما يحمله من يأس، وفي محاولة المرأة بسرد حكاية “الأرملة والثور”ما يشبه الطقوس الدينية لإعادة الخلق والإحياء، فالأساطير تتلى لغرض القيام شعائريا بإعادة خلق بداية الزمن حيث استهلت جميع الأشياء .أو ربط العناصر الأسطورية مع الخرافة Legend والحكاية الشعبية Folk tale. فسرد الرواية يأتي بعد أن تُخبر المرأة. الزائرة باحتمالية موت زوجها، مع عدم قدرتها على التفكير بذلك واستيعابه. وكأن السرد مقدمة أو افتتاحية للرواية”أقول أنه سيرجع يوما ما إذا كان الموت قد اختطه … لاأستطيع أن أفكر بذلك.لاأقدر”.لكنها أيضاً لا تستطيع أن تبعد عن ذهنها تصوّر أن تكون هيّ نفسها صورة مُستنتسخة لصورة الأرملة في حكاية “الأرملة والثور”. ولإبعاد الحكاية عن الرتابة والخطابة يعمد القاص الى خلق مستويات من الخطاب السردي، يكون فيها الاستماع الى الحكاية عن طريق الفتى. وليس الزائرة فقط، ولكن بصوت المرأة نفسها، وهيّ تحكي بلسان زوجها، أو ضمير الغائب”هو”. “قالت خالتي:- سأحكيها لك. قالها هو لي”. وهو ما يمكن أن نطلق عليه تقانة “التبئير” أو “التبئير الداخلي”، على حد قول جيرار جينيت. رغم تعدد الرواة، حيث يكون السرد مسترسلاً على أكثر من لسان/قالت/سأحكيها/قالها.حيث تتوزع منافذ الرؤية هنا، بين “هو” فاعل المنطوق، وبين “أنا” فاعل النطق. وبين الشخصية والرواي. وال”هو” فاعل المنطوق هنا /المرأة+ زوجها، و “أنا” فاعل النطق، هنا /السارد وهو الفتى. فالمبئر هنا الأرملة، والمبار هو الثور/الزوج في العقل الباطن للمرأة،والتبئير هو”الموت”. الذي أرادت المرأة أن توصله كثيمة، في نسيج حبكة الحكاية القصيرة، حيث يتساوى الرواي هنا/المرأة، مع مايسميه توردروف “الرؤية المحايثة”. في سردها لحكاية الأرملة كما هيّ، حتى أن المرأة، وفي أسلوب ملحمي، تقطع السرد في أكثر من مكان، مُستدركة لحيثيات القص، في إشارة من القاص، إلى انها لاتمتلك أكثر، مما أخبره بها زوجها،مستخدمة أفعال استفهامية مثل:”أسمعتِ” و”أتصدقين؟” خلال سردها للرواية:”إنها قصة عن صداقة بين أرملة وشبح ثور./أتصدقين؟”.. ثم “كلا لن أذهب وأنا وسخة وغير جميلة وبلا أقراط وبلا أساور./أسمعتِ؟”.واستخدام “التبئير” كتقانة لسرد حكاية “الأرملة والثور” وفي أكثر من مستوى سردي، هو مايسميه الناقد المغربي محمد عبدالكريم التازي”الوعي الحداثي بالكتابة” . أو الوصول بالنص الى حالة من الانفجار تخلخل بنيته كمسرود حكائي وتحوّله الى نص مفتوح يعوم على فضاء متحرك من الإفاضات التأويلية، سواءاً كحكاية شفاهية مروية للمتلقي/ المستمع والذي هو هنا “الزائرة + الفتى + القارئ للنص”، كنص سردي مكتوب، ففي كِلا الحالتين تكون التقدمة سواءً بزمنيها “الحقيقي” زمن رواية الزوج للحكاية. أو زمنها “الافتراضي” وهو الزمن المسترسل، من الزوج إلى المرأة الى الزائرة ومن ثم الفتى، حتى يصل إلى القاريء.أما تناول الحكاية بمعزل عن النص، وتفكيكها بنيوياً على شكل وحدات قرائية على طريقة رولان بارت، فمفردات/يدخل/يجلس/ينظر. هي متواليات من أفعال تنتج معنى واحد يفيد “السكون والأنتظار”، فليس هناك من فعلٍ شاذ، يمكن له أن يؤطر المشهد الأسطوري لهذا اللقاء، ويكون مماهياً له في السياق على الاقل غير الحضور المادي، والليلي لشبح الثور الطوطمي، الذي يدخل غرفة الأرملة من كوَّتها، ومع ذلك فإن هذا التوظيف المتعمد للأسطورة يمكن اعتباره تقانة مضافة لتعميق النص وإثرائه . والحكاية هنا بترميزها الطوطمي”شبح الثور” هيّ نوع من أنواع التواصل أو “لغة” .أنظمة من المعاني في مستويات متعددة، وهيّ هنا تجد صداها عند المرأة الراوية، والزائرة المستمعة،التي تكتفي بالإشارات والإجابات المبتسرة، أغلب وقت الحكي،”أوه .. نعم .. كلا”. والسارد/الفتى.الذي يستمع الى الحكاية بطريقة غير مباشرة.قصة “نافذة على الساحة” قصة الزمن في أسوأ تجلياته، في انعكاسه الدؤوب على الروح البشرية، بل يمكن اعتباره Theme”” النص، سواءاً كان هذا الزمن زمن فعل السرد، أو زمن الأشياء المروية ، كما يقسمه بول ريكور، فكل شخوص القصة يعيشون تجلياً ما، لمحنة الزمن، ابتداءا من السارد/ الفتى المحاصر برائحة الطين، والمرأة خالته، المثقلة بأعباء سنوات الانتظار، لإياب الزوج الغائب. والزائرة التي تبدو في غاية الزينة، والتي لم يكن مرورها إلا عابراً، وكأنه جاء لتبرير محتمل لغياب ما، ربما موعد عشق، وتلك المرأة الغريبة التي تقف خلف النافذة، والتي تقع عينها على الكلب الذي يتبول في الساحة، في لمحة سريعة وقريبة من فتاة النافذة في قصة”أمنية قرد”.فهذه الأرواح التعيسة والمستلبة روحياً، كان يجمعها زمن واحد، هو زمن فعل السرد، والذي جعل له القاص فضاء متغيراً، تمتد حدوده بين الغرفة والساحة،عبر النافذة الوحيدة، للدلالة على ثباته وسكونيته، بينما يباعدها الزمن الآخر/المحاكي. الذي حرره القاص من مرجعيته الظرفية، وجعله أكثر ارتباطاً بالنسق السيميائي للزمن، كقيّم “الماسلف” التي تشكلت منها كتابة النص كما يصفها بارت.بكل أطواره التاريخية والأسطورية وما ينتجه أو يخلفه من اشارات،لإضفاء الطابع الدرامي للنص. فإذا كانت الغرفة بفضائها الضيق، ليست إلا انعكاساً لحالة الضيق التي يشعر بها الفتى ذي الوجه التعس والداكن، كما تصفه خالته، مرةً، والنحيف والجاف مرة أخرى، لتوكيد حالات الذبول والقنوط واليأس، التي يعاني منها الفتى، وصوت أمه يرن في رأسه “صوت أمي يسكن رأسي”. فإنها بالنسبة للمرأة،أشبه ماتكون بالمصحة النفسية. التي تجتر فيها المرأة خيبة فراق زوجها، فلاشيء يثير اهتمامها غير غيابه،/ليس عندي أي خبرٍ عنه/كان كريما معي/قال انه سيذهب في سفينة للخليج/أقول انه سيعود يوما ما.أما حين تطل على الساحة الترابية، فإن أول مفارقة تحدث لها هيّ توهمها، بأحدهم انه زوجها الغائب، وكأنه امتداد لحالة التوهم أو التعاشق الملتبس الذي تعيشه المرأة، بين زمانين، زمنها الراهن، والزمن الاخر، زمن الزوج. وفي مقابل تواتر المنطوقات السردية هنا أو مايسميه تودوروف “نمط المنطوق” .أو “الرؤية السردية”، كأسلوب يدرك به الراوي الحكاية، وسجلات الكلام، كطريقة في عرض الحكاية وتقديمها، فإن التمثيل هنا يبدو ليس الظاهرة الأكثر تعقــيداً، بل الأكثر تبريراً لمقتضيات النص.