

كيف وصلت نسخة من التوراة إلى مكتبة الكويت العامة؟ – نعيم عبد مهلهل
1
في الجرد السنوي لكتب المكتبة العامة في مدينة الناصرية يتم تشكيل لجنة من ثلاثة موظفين يتم تسميتهم من قبل المتصرفية .ولكن في عام 1964 أضيف الى اللجنة موظف اتى من بغداد موفدا من اجل المشاركة في عملية الجرد ، ولا يعرف اي واحد طبيعة مهمته وغرضها . وكان سؤاله الوحيد لأمين المكتبة : توجد في المكتبة نسخة من توراة قديمة اهداها المعلم اليهودي يوسف حبو عند تأسيس المكتبة العامة عام 1945.
فتذكر أمين المكتبة أن معلما كان قد استعار تلك التوراة ولم يرجعها الى المكتبة ، وحين انتهت مدة الاستعارة تم تغريمه الثمن المقدر للكتاب وهو ثلاثة دنانير ،تم دفعها من قبل المستعير ووصل القبض محفوظا في اضابير ذاتية المكتبة.
قال الموظف القادم من بغداد : وتعرفون اين يسكن هذا المعلم.
ــ نعم أنه ابن مدينة وصديق ويسكن في محلة السراي .
ــ ولماذا لم تستعيدون الكتاب منه بالقوة او بالحسنى .؟
ــ نظام المكتبات العامة يقول ، من لا يعيد الكتاب يغرم ثمنه المقدر ، والرجل لانعرف لماذا لم يعد الكتاب ولكنه دفع ثمنه وفي العادة يكون مضاعفا مرتين.
قال الموظف : انت ترتكب خطأ سياسيا وتاريخيا عنما تفرط في كتاب كهذا.
قال امين المكتبة : هنا في مكتبتنا لا يوجد لدينا تصنيف للكتب النادرة ، ولم يخبرنا احد بأهمية هذا الكتاب ـكنا نحسبه كتابا دينيا مثل الكتب السماوية الاخرى ولدينا منها نسخ عديدة ، ولو اتى الامر من بغداد بضرورة الحفاظ على نسخة التوراة هذه ،لما اعرناها لاحد ،ومن يريد ان يطلع عليها سيطلع عليها داخل المكتبة فقط.
قال الموظف : وهل تعرف بيت هذا المعلم الذي استعار التوراة؟ .
ــ نعم .
ذهبوا الى بيت المعلم الذي اخبرهم انه استمتع بقراءة التوراة لولعه في التاريخ العراقي القديم ،وانه اراد الاحتفاظ بالتوراة ودفع الغرامة ما دام القانون يبيح له ذلك . وانه قبل اشهر سافر الى الكويت وضيفه احد الأصدقاء وكانت نسخة التوراة قد اخذها معه يقضي فيها ملل الطريق ، فانتبه الصديق الكويتي لها ، وسأله ان كان يريد بيعها ، فأن المكتبة العامة في مدينة الكويت العاصمة تشتريها .
ضحك المعلم وقال :لقد قرأتها مرات عديدة وسأبيعها حتى لو بخمسة دنانير ، لأني دفعت غرامة الكتاب ثلاثة دنانير واريد ربحا دينارين .
في اليوم الثاني ذهبا الى المكتبة العامة في مدينة الكويت وكان امينها رجلا مصريا الذي سكنته الدهشة والعجب ما ان عرضا عليه الكتاب التوراة وقال بارتباك : هل هذا الكتاب مسروق من كنيست يهودي في العراق ؟
رد المعلم : كلا ،هذه التوراة استعرتها كأي كتاب من المكتبة العامة ولم اعده اليهم ودفعت غرامته ثلاثة دنانير ،وهذا بين اوراق الكتاب وصل الغرامة.
ــ والان تريد ان تبيعه ؟
ــ مضيفي الكويتي وهو اقاربي اقترح علي ذلك ووافقت .
ــ وكم تريد ثمنه ؟
ــ خمسة دنانير .
ــ كلا سنعطيك مئتي دينار ،ولكن نشتريه منك بمكاتبة .
يقول المعلم : لم اصدق عرضا خرافيا مثل هذا ، وحين عدت ، جددت غرفتين في بيتي وبنيتهما من جديد ،وغرفة الضيوف التي تجلسان فيها الان واثاثها من بركات التوراة ،وما بقيَّ من المبلغ اشترينا به نيشانا لعرس ولدي.
عاد الموظف الى بغداد بخفي حنين ، فلم يكن بمقدوره محاسبة مواطن استعار كتابا ودفع غرامه عدم اعادته .وقال لأمين المكتبة : لقد خسرنا ارثا وطنيا.
2
بعد غزو الكويت كانت هذه التوراة من ضمن مقتنيات المكتبة العامة في العاصمة ، وقد نهبت من ضمن ما نهب من الارشيف الوطني الكويتي ، وقد وقعت تلك التوراة في يد جندي خريج في احدى الوية الحرس الجمهوري ويسكن حي سومر في الناصرية ، الذي انتبه الى ان هذا الكتاب الديني يحمل ختمين ،الاقدم هو ختم مكتبة الناصرية العامة ،والثاني ختم مدينة الكويت العامة . ولأنه خريج ومثقف فانه اخذ التوراة الى المكتبة العامة في الناصرية ،لكن احدى الموظفات رفضت استلامه لشعورها ان هذا قد يسبب لها ولأمين المكتبة اشكالات السؤال والجواب.
الجندي اخذ الكتاب الى مدرسته الثانوية التي انهى منها السادس العلمي ،واعطى الكتاب الى مدير المدرسة اهداء لمكتبتها ، والمدير بدوره اعطاه الى مدرس التاريخ الذي دون حتى ان يقلبه نضده بين كتب المكتبة الصغيرة.
بعد احداث انتفاضة 1991 .وانسحاب العراق من الكويت تعرضت هذه الثانوية الى عمليات نهب وضاع الكتاب الثمين أما حرقا او تمزيقا او باعوا بأوراقه بذور عباد الشمس ( حَبْ أكراد )























