كوشه وانصاف المظلوم- قيس الدباغ

قيس الدباغ

علي ولقبه كوشه لأن لديه سيارة حمل يعمل عليها ويضع مخدة من الاسفنج تحته في مقعد السياقة وسمي كوشه لهذا السبب لانهم يعتقدون بأن علي صاحب الجسم الضخم جدا لا يحتاج لكوشة لترفعه قليلا ولكن هذا ماحدث للمسكين علي حيث يعمل على نقل صناديق الخضراوات والفواكه بسيارته الحمل من علاوي الخضراوات إلى الأسواق.

وفي أحد الأيام وهو راجع محمل بالصناديق حدث إنفجار سيارة مفخخة على طريقه فلجأ إلى طريق فرعي ترابي للتخلص من الازدحام حرصا على الفواكه والخضر من التلف تحت الشمس لساعات بعد أن يفتح الطريق عليه انعطف إلى المناورة وأثناء مسيره اصطدم بمفرزة طارئة .

تم إيقافه نزل المسكين رافعا يديه وكان جهما طويلا يرتدي سروالا أسود ولديه لحية سوداء غير مشذبة تقدم نحو الضابط ببطء صاح به الضابط أرفع قميصك للأعلى للتأكد منه بأنه لايحمل حزاما ناسفا.

فعل الرجل ذلك وكشف عن بطنه وصدره ملتفا حول نفسه كأنه راقص فنون شعبية.

إنتهى التفتيش الأولي تقدم الجنود حوله سأله الضابط هويتك قدمها المسكين.. سأله الضابط مالذي حملك على سلوك هذا الطريق أجاب علي بعفوية بالغة والله سيدي انفجرت سيارة مفخخة على الطريق وكما ترى محمل خضرة وفواكه وخشيت عليها من التلف فسلكت هذا الاتجاه، أجابه الضابط ها يعني انت مخطط لكل شيء فجرت السيارة ثم جئت بهذا الطريق بعد أن استطلعته أمس كطريق لهروبك.

ما إن إنتهى الضابط حتى انهالت الركلات والضرب على علي من قبل الجنود وقف علي صامدا أول مرة ولكن بعد برهة سقط على الأرض ولم يعد يرى شيئا فقد الوعي وعاد اليه رشده بعد ساعة في مركز الإعتقال بعد شهر وصعوده ونزوله تم الإفراج عن علي عاد للبيت وقد تحطم له ضلعان من صدره مع جروح وكدمات تولى مضمد المحلة مهمة التداوي اليومي لعلي وبعد شهرين إستطاع الذهاب إلى الجيش واستعاد عجلته الموقوفة لديهم برفقة بعض أصحابه الذين ساعدوه في شراء إطارات جديدة مع بطارية حديثة وسلف وداينمو .

وكل تلك المواد كانت قد نزعت من عجلة المكرود فقط الكوشة بقت لم تسرق ، سلم العجلة لأحد السواق ليتولى قيادتها والعمل عليها لحين إستعادة عافيته الكاملة وفي غضون ذلك سلك الطريق إلى المسجد القريب من داره للصلاة وقراءة القرآن وبدأ يتكون لديه ردة فعل على ماجرى له ولعجلته فأنعطف إلى جناح رفض القوات الأمنية والنظر إليهم بنظرة الخوف والريبة والحقد لأن اضلاعه لازالت تؤلمه من الضرب المستمر من فترة اعتقاله إلى الإفراج عنه.

وفي ليلة سوداء دخل الدواعش إلى الموصل وانهارت القوات الأمنية ، خرج علي كوشه مع مجموعة من الشباب وغالبيتهم قد تعرضوا إلى الإعتقال والضرب خرجوا فرحين بخسارة القوات التي كانت تقهرهم والمصيبة بلا ذنب ارتكبوه. كان والد علي معلق قلبه في المساجد وخصوصا مراقد الأنبياء والصالحين وأصيب المسكين بجلطة دماغية على أثر تفجير أحد المراقد وسقط على الأرض وتم اسعافه للمستشفى ٫

حزن علي كوشه على حزن أبيه كثيرا مما دعاه إلى التكلم بصوت عالي ضد ما فعله الدواعش تم اعتقال علي كوشه من قبل أمنية الدواعش وبدأ الضرب والتعذيب لكي يعترف علي بأن لديه إتصال مع قوات الجيش التي تتحشد خارج المحافظة وتم كسر أضلاع علي التي لم تلتئم بعد وبأعجوبة ومعجزة الهية خرج علي محطما من أمنية الدواعش وصل داره محطما وعاد مضمد المحلة لمداواة علي وبعد فترة ليست قصيرة عرف علي أن مدينته تعاني من أزمة وقود خانقه وأن أصحابه من مالكي عجلات الحمل يذهبون بطرق ترابية وعرة ليجلبوا البانزين من منطقة الشيخان الواقعة خارج سيطرة الدواعش تهريب ذهب معهم لأن المعيشة أصبحت لاتطاق٫٫ز

وعند ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم تم إلقاء القبض على علي كوشه من قبل قوات البيشمركة بإعتباره مهرب ولما كانت لحيته طويلة حسب القوانين الداعشية السائدة في مدينته وبالفعل تم الضرب والركل بعلي حتى فقد الوعي ،الله يسبب الأسباب جاء ضابط من البيشمركة لزيارة الموقف وأثناء تفقد الموقوفين شاهد علي وعرفه لأنه من أصدقاء الطفولة سابقا أخرج علي وساعده على الجلوس في سيارته الحمل وعلى الكوشه التي لم تفارقه وقال له أذهب ولاتلتفت خلفك ولا تقف مهما حصل٫٫٫ز

طار علي الى مدينته مخترقا الوديان الوعرة ولما وصل داره محطما يعاني من كسر في القدم والذراع إضافة إلى ضلوعه السابقه جائه مضمد المحلة صائحا به ٫.. بس افهمني انت تشارك في حلبات الرهان على المصارعين وكل يوم تجيني مكسر محطم ، نظر علي الى المضمد ببرود وأشار بيده إلى السماء ولسان حاله يقول ذلك تقدير العزيز الحكيم.

وبعد عدة أشهر عاد علي كوشه إلى العمل في نقل صناديق الخضراوات والفواكه بسيارته وكان يحمل الصناديق على كتفه الأيمن لأن الأيسر يؤلمه كثيرا كما أنه يوفر أجرة العامل لأن عائلته تحتاج أكثر وهكذا مرت الأيام وبدأ الجيش بتحرير الساحل الأيمن.

فرح علي بالتحرير وخرج مع عائلته مبتهجا فرحا للخلاص من داعش وأخذ طريقه للنزوح للساحل الأيسر وعند الخروج لابد أن يمر بعدة سيطرات للتدقيق ومر من الأولى والثانية وفي السيطرة الثالثة تأمله الضابط كثيرا وقال له شكلك يقول انك مقاتل داعشي أجاب علي بعفوية دخيل الله والله أنا شبعت قتل وضرب من الدواعش وهنا أقتنع الضابط نوعا ما ولكن جندي خبيث تحرك بسرعة وفتح بقوة قميص علي وقال سيدي شوف آثار حمل الجعبة العسكرية معلمة على متنه والحقيقة أنها آثار حمل صناديق الخضراوات والفواكه على متنه الأيمن .

وهنا عاد الضرب والركل والاعتقال وأعترف وإلا هنا انفجر علي كوشه صائحا بكل قوته يارب هل بقت قوة في هذا العراق العظيم لم تقتلتي وتضربني وتعذبني واللكمات والضرب بأخمص البنادق لم ينزل إلا على جسدي .

وفي لحظة فارقة جاء مضمد المحلة المستديم في علاج علي وكان رجلا كبيرا حلف للضابط بأغلظ الأيمان بأن علي كوشه برئ وأنه تحمل من الدواعش ما تحمل وسانده بتلك الشهادة رجال المحلة.

رق قلب الضابط لعلي وقال له أحكي لي قصتك فقال علي المكرود والله ياسيدي ما مر فصيل أو جيش على هذه الأرض إلا وكنت له مثل كيس الملاكمة الكل تضرب وتركل وتحطم اضلاعي احتضنه ضابط مكافحة الإرهاب وقبله وقدم له مكافأة مالية سخية معتذرا له عما جرى من الجميع وهكذا علمت بأن لقب كوشه جاء من اتكاء كل القوى العسكرية على صدر علي المسكين والآن علي يجلس في الغابات كل ليلة يتناول ماطاب له وهو يغني مهموم مسكوم خايب سايب يا….يا….ربي.