كردستان بين الاستفتاء والاستقلال 

رأفد جبوري

منذ البداية كان رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني واضحا في قوله ان الاستفتاء المزمع عقده في الخامس والعشرين من الشهر الحالي لن يعقبه استقلال فوري حتى وان صوتت اغلبية الكرد على الانفصال عن العراق والاستقلال بدولة كردستانية. لكن قضية الكرد وكردستان قضية عراقية واقليمية وعالمية لن تتوقف ابدا عن اثارة الاهتمام والجدل. اي تحرك سياسي في القضية الكردية يؤدي الى اهتمام عالمي وترقب. يعرف العالم ان الكرد امة بلا دولة لذلك يهتم بما يمكن ان يحصل لهم ومنهم.

في العراق يؤدي جدل الاستفتاء الى مزيد من التراشق الاعلامي والشتائم العنصرية المتبادلة على مواقع التواصل الاجتماعي للاسف. التقدم العسكري ضد تنظيم داعش لم يتطور الى توافق سياسي داخلي وقوة اكبر في البيت الداخلي العراقي الذي يثبت منذ انه بيوت متعددة متخالفة ومتحاربة احيانا او جاهزة للتقاتل. 

الاستفتاء اذن لن يعقبه استقلال فوري لكن حكومة اقليم كردستان تحتاجه كمبادرة سياسية لشعبها الذي يعيش ازمة اقتصادية مرة منذ انهارت العلاقات بين الحكومة العراقية السابقة بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي وحكومة الاقليم. قطع المركز لحصة الاقليم من عائدات النفط كان مؤلما جدا للكرد وموثرا على مرتبات قطاع عام كبير نما منذ عام 2003 في الاقليم وفي عموم العراق. منذ تلك السنة بنيت علاقة الاحزاب العراقية عربية او كردية شيعية او سنية مع انصارها على اساس المنافع الاقتصادية والوظائف وما زالت. اختار الاميركيون ان يغمضوا عيونهم عن حقيقة ان الديمقراطية لا تبني في دولة ريعية يسيطر فيها الحكام على الموارد وعلى مصائر الشعب الاقتصادية. 

العرب يعتقدون انهم منحوا الكرد كثيرا بل واكثر من اللازم منذ عام 2003 لكنهم في المقابل يعرفون ان اقليم كردستان وبرغم كل عيوبه وامراضه السياسية والاقتصادية الشرق اوسطية استطاع ان يبني تجربة افضل نسبيا من الخراب الحاصل في باقي انحاء العراق. يختلف عرب العراق في التفسير طبعا ويوجهون نقدهم وحنقهم نحو قادتهم وسياسيييهم شيعة وسنة بالاضافة للكرد ايضا. لكن الاقليم تصالح مع معارضيه السياسيين ولم يجتثهم كما استطاع وبرغم عدم خلوه من الفساد ان ينشأ حركة اعمار وبناء وتحديث كانت تعجب كل من يزوره. وفي السنوات الاخيرة فتح ابوابه امام النازحين من المحافظات التي احتلها تنظيم داعش بينما لم يكن دخول هؤلاء الى بغداد ومحافظات الجنوب سهلا دائما. 

عام 2014 كان عاما اليما في العراق. لم تسقط فيه الموصل ومحافظات اخرى فحسب بل سقطت فيه اسعار النفط ايضا بشدة. رغم ان حكومة حيدر العبادي بدات علاقات افضل مع الكرد الى ان الوضع الاقتصادي لم يتحسن كثيرا للمواطن الكردي الذي مازال منذ ذلك العام يستلم مرتبه منقوصا بنسبة كبيرة بسبب الازمة الاقتصادية. 

الاستفتاء بالنسبة لرئيس اقليم كردستان مبادرة سياسية لايهتم حتى وان كانت الاخيرة في حياته السياسية فقد صرح بانه مستعد للاستقالة اذا صوت الكرد برفض الاستقلال. يعرف ان له خصوما سياسيين في الوسط الكردستاني لكنه يعرف ان اي كردي لن يكف عن حلمه بدوله مستقلة. يعرف ايضا ان معارضة اميركا للاستفتاء والمعارضة التاريخية لتركيا وايران لاستقلال الكرد العراقيين خوفا من انتقال امل الاستقلال لاكراد دولهم تجعل الحلم صعبا. 

الاستفتاء اذن لن يتبعه استقلال. ما يعقبه ليس واضحا الان لكنني متيقن ان اميركا لا تريد حربا اخرى حاليا في المنطقة تشتت النظر عن قتال تنظيم داعش. يريد الكرد من عرب العراق ان يدعموهم في استقلالهم ويكونوا اصدقاء لهم ويريد العرب ان يرضى الكرد بما اخذوه حتى الان. عليهم ان يتحاوروا اذن بل ان هذا قدرهم. لن يكف الكرد عن الحلم بدولة مستقلة ولن يكف العرب عن الحلم بعودة العراق قويا موحدا بحكومة مركزية قوية. للطرفين ان يحلما ولكن مسؤوليتهما ان يتحاورا من اجل ان يعيشا جنبا الى جنب سواء كان هذا في وطن واحد ام في وطنين.