
قيم الوطن رهان العابثين – جاسم مراد
تعرض العراق لمخاطر عديدة في ازمان مضت، فقد كان هذا الوطن عبر التاريخ هدفا للغزوات والاحتلال والصراعات ، ولكن في كل فاصلة زمنية يخرج فيها اشد بأسا وقوة وعزما ووحدة وطنية ، ولعل كان العصر الحديث اشد قساوة على الشعب من الحروب العبثية التي راح ضحيتها الالاف من الرجال والنساء الى الحصارات الغذائية والنفسية والثقافية في التسعينات وصولا للغزو الدولي في بداية الالفية الثانية الى الصراعات الطائفية والتقسيمات المجتمعية وصولا للغزو الارهابي الذي كان نتيجة للغزو العسكري أو بالاحرى اشكاله ، الى محاصرة العراق من ابناء عمومته وفرض التقسيمات على شعبه الى التهديد المستمر لوجوده ووحدة جغرافيته تحت مختلف المسميات التي تبدو في ظاهرها ناعمة وفي باطنها تحمل كل عناصر العبث بقيمه وخارطته الجغرافية .
إنها بحق مرحلة من اخطر المراحل العراقية ، كونها تستهدف المواطنة والوطن والارض والمجتمع والقيم الانسانية ، نقول ذلك ليس ترفا سياسيا أو عملية انتقائية ونظرة سوداوية ، وإنما ذلك نتيجة منطقية لمجمل التحركات والمواقف السياسية المختلفة ، بعظها يتحرك في الداخل والبعض الاخر من الخارج الى الداخل ، وهناك اطرافا تستغل وتوظف الخلل في الدستور لتراهن على تحقيق توجهاتها التقسيمية بزعم تحقيق مصالح جبهة من جبهات المجتمع ، وفي حقيقة الامر تبتغي إعادة هيكلة المشروع الدولي الذي يستهدف توزيع الاوطان على شكل دكاكين ومناطق نفوذ طائفية وعرقية . في الوقت الذي بات فية العراق ، يقضي على أهم مواقع الارهاب في الموصل مثلما تمكن في الرمادي وتكريت وديالى ، وهي من اهم معارك العراق في العصر الحديث ، برزت مجموعة من الافكار والاطروحات تتكون مفاهيمها حول الاستقلالية تارة مثلما يطرح في اربيل ، وتارة اخرى باسم الاقاليم مثلما تريد بعض الشخصيات والكيانات السياسية المشتركة في السلطة المركزية ، وفي كلا الحالتين إن هذه الاطروحات تلتقي وتنسجم مع الافكار والمشاريع الدولية التي تريد توزيع العراق على اسس اثنية وطائفية وعرقية . ومثل هذه المواقف ليست مبنية على اساس المصالح الوطنية للشعب العراقي ، وإنما هي تعبير عن الاستجابة لمشاريع دولية ورغبات بعض الاطراف الاقليمية الاجنبية والعربية ، فشعور هذه الاطراف مجتمعة بعودة العراق كقوة وطنية متلاحمة داخليا ، يشكل محورا مهما عربيا واقليميا وهذا مالاتريده تلك الاطراف ، لذلك اصبح صعود حرارة المؤتمرات والدعوات التقسيمية في اربيل وانقرة وبعض المحطات العربية والدولية يتسابق مع الخط البياني لعمليات تحرير نينوى ، لكون عملية التحرير حتما ستفرز قوى وشخصيات بديلة لتلك الداعية للاقاليم التقسيمية ، هذا من ناحية ، ومن الناحية الثانية والمهمة ستعطي هامشا وطنيا واسع للجيش والقوى الرديفة في حماية وحدة العراق والاصطفاف مع الشعب وقواة الحية في الدفاع عن الوطن .
المتابع لاوضاع المنطقة عموما وخصوصا محور الساحتين العراقية والسورية ، يرصد بأن مايجري فيهما من ارهاب مسيس وممول ومدرب ومسلح بالاسلحة الحديثة هدفهما ليس مايسمى بتحقيق الديمقراطيات والحريات، وإنما هو تحقيق سايكس بيكو جديد في المنطقة العربية ، تتمحور اهدافه على توزيع الدول الى دويلات طائفية وعرقية واثنية صغيرة تتصارع فيما بينها ، على الزعامات والمواقع والثروات والمياه ثم تسقط اشلاء وهياكل منهكة القوى تلوذ باسرائيل تارة ، وبالدول الاقليمية تارة اخرى .
في اكثر من مرة يكشف بعض الساسة العراقيين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء حيدر العبادي من ان هناك اطرافا سياسية شركاء في الحكم يمثلون الوجه الاخر لداعش ويعملون على صياغة وبث الفرقة داخل المجتمع العراقي بغية تحقيق اهداف ترمي الى توزيع البلاد الى طوائف وعرقيات ، ومثل هذه المواقف التي لم يتم الكشف عنها والتصدي لها هي بالضرورة تشكل خميرة الفعل القادم للصراع . العبث بقيم الوطن الاخلاقية والانسانية والوطنية ، هو ذات الدعوات التي سبقت اجتياح داعش للمدن العراقية ، وكان ضحية هذا الاجتياح هو المواطن العراقي .
في ضوء هذا الحراك المحموم للانفصالات الجغرافية وتقسيم جسد البلاد الى اشلاء ، وبعد سنوات الفشل لسياسة المحاصصة السياسية والمذهبية للدولة العراقية التي انتجت ضعف الاداء الاداري وشيوع الرشوة والفساد المالي بين مفاصلها ، والتخلي شبه التام عن عمليات البناء لأهم الاحتياجات من تشغيل العاطلين عن العمل وخريجي الجامعات والمعاهد وازمات الكهرباء والبنى التحتية والاسكان والصحة وغيرها من اساسيات الاحتياجات الانسانية للمواطن . نقول في ضوء ذلك لابد من العمل لمواجهة خطر التقسيم وسياسة المحاصصة كأمر واقع التي تنتهجها الكيانات والكتل العاجزة عن التطور وفهم متطلبات الحياة .
وبالتاكيد تلك المواجهة الوطنية تتطلب تعضيد العمل الجماهيري وتحقيق مشروع العمل الوطني الذي يستند على الوطنية العراقية الجامعة في مواجهة تكتلات المذهبية والعرقية والمحاصصات السياسية ، وقد تبين امكانية تحقيق ذلك من خلال وحدة الدم والعمل المشترك في مواجهة الارهاب .


















