النقد الثقافي بالوطن العربي إلى أين 1-2
قضايا تثير أسئلة وتباين في الموقف والتطبيق
علي المومني
مريم طه عارف عفانة
المقدمة
أطلق الدكتور عبد الله الغذامي قنبلة أدبية عندما نادى بموت النقد الأدبي؛ لأن النقد الأدبي لا يقف على الأدب إلا من خلال جمالياته البلاغية التي حظيت بقبول المؤسسة، فيضع الناتج اللغوي الدلالي نصب عينيه ويركز على أسباب الإعجاب بنص دون الآخر من خلال تبيان تلك الأسباب التي جعلت نصا ما جميلا، فأصبح النقد عاجزا أمام المتغيرات الثقافية لا يستطيع مواكبة الحدث، عندها أعلن عن موت النقد الأدبي ليطرح بديلا قويا هو النقد الثقافي.
كان لكتاب الغذامي المعنون النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية عام 2000م الأثر الكبير في خلق حالة جدال واسعة النطاق على الساحة الأدبية والنقدية، فقد صرح بأن الشعر العربي لم يخلق إلا شاعرا شحاذا مثل المتنبي وما شعر أدونيس إلا شعرا يجسد النسق الفحول. تلك الصدمة التي أحدثها الغذامي جعلت النقاد ينقسمون بين مؤيد ورافض لمشروع الغذامي.
وترى الباحثة أن مسيرة العمل على مشروع الغذامي بالوطن العربي قد توسعت كثيرا، وبدأت الآراء تتغير فأصبح النقاد يرون فيه وسيلة للكشف عن حيل الثقافة من خلال أنساقها المضمرة.
ومن المنطلق هذا فقد وجدت الباحثة أن عملية رصد حركة النقد الثقافي بالوطن العربي وما آلت عليه، يعد موضوعا يتداخل مع محاور المؤتمر، آملة تقديم ورقة بحثية جادة.
والحقيقة أن هذه الدراسة قد واجهت صعوبات كغيرها من الدراسات ، يمكن اعتبار أهمها صعوبة الحصول على المنتج الأدبي الخاضع للدراسة، فالدراسة ممتدة من آسيا إلى شمال أفريقيا، وبالتالي فإن الكاتب مرهون بمعارض الكتب والمتاجر لبيع الكتب إن كان له حظ وافر في توفر الكتب المطلوبه. ناهيك عن التكلفة المادية التي سيتكبدها الناقد من أجل وصول شحنة الكتب إليه.
ومن الصعوبات أيضا تداخل النقد الثقافي مع غيره من الحقول الفكرية والأدبية والنقدية، فتصبح عملية التتبع واسعة النطاق، لهذا فقد وجدت الباحثة التزام العمل والرصد للأعمال التي اتخذت من الأدب العربي وسيلة لتطبيق النقد الثقافي عليه يحرر الباحثة من التعقيدات والإشكاليات.
البدايات:
يمكن تمثل بدايات العمل بالنقد الثقافي من خلال كتابات إدوارد سعيد ( الاستشراق) الذي استطاع أن يربط بين الخطاب والمؤسسة التي تدعمه، فتجذب أنظار القراء إلى نوع معين من القراءة والتي تؤدي إلى نتائج سلبيه .ومما لا شك فيه، أن إغفال الأثر الفاعل الذي تؤديه الثقافة في بنية الخطاب الأدبي يعد بعيدا عن الصحة، على اعتبار أن النص حادثة ثقافية نسقيه تستحق قراءة نقدية فاحصة للسياقات التاريخية، والأنساق والتمثيلات الثقافية بوصفها تمثيلات ماكرة ؛ لهذا فقد نظر البعض إلى القراءة الثقافية من زاوية أخرى يمكن من خلالها استعادة القيم التي امتصها النص الأدبي ،وسبر أغوار البنية العميقة للنسق، وهذا كله يحتاج إلى وقفة متأنية وقراءة فاحصة تكشف ما في النص من جماليات تخفي تحت سطورها أنساقا ثقافية .
التزم الغذامي بمصطلح النقد الثقافي الذي تبلور واقعيا على يد الناقد فنست ليتش، فقد اهتم ليتش بدراسة الخطاب في ضوء التاريخ والاجتماع والسياسة والمؤسساتية ومناهج النقد الأدبي ؛ فهو يريد توظيف المعطيات النظرية والمنهجية في السيسيولوجيا والتاريخ والمؤسساتية دون التخلي عن مناهج التحليل الأدبي والنقدي ، ومن هنا يمكن القول ان المنهجية التي يتعامل فيها النقد الثقافي مع النصوص الأدبية من خلال توضيح وتبيان الصراع الطبقي التي تجسده كل طبقة في ترسيخ القيم الثقافية التي تخدم مصالحها ، لهذا يوضع النص داخل سياقه السياسي، وبالوقت نفسه داخل سياق القارئ أو الناقد من ناحية أخرى . فيتحول النص إلى علامة ثقافية تتحقق دلالتها فقط داخل السياق الثقافي السياسي الذي أنتجها .
يدرج النقد الثقافيcultural criticism غالبا تحت فئة الدراسات الثقافيةcultural studies حيث يمكن أن يحل أحدهما محل الآخر في استخدام المصطلح، لكن يمكن النظر إلى الدراسات الثقافية كمجال خصب تمثل في البداية من خلال مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة بيرمنكهام – انكلترا- التي أخضعت وسائل الإعلام والحركات الاجتماعية مثل الماركسية للدراسة والتحليل ، ومن هنا فقد اعتبر الدارسون أن مصطلح الدراسات الثقافيه أعم وأشمل من النقد الثقافي.
عرف عبدالله الغذامي النقد الثقافي على أنه الوقوف على فعل الخطاب وعلى تحولاته النسقية بدلا من الوقوف على مجرد حقيقته الجوهرية التاريخية أو الجمالية .في حين عرف كل من ميجان الرويلي وسعد البازعي النقد الثقافي على أنه نشاط فكري يتخذ من الثقافة بشموليتها موضوعا لبحثه وتفكيره، ويعبر عن مواقف إزاء تطوراتها وسماتها .أما النقد الحضاري فيعد من المصطلحات التي أطلقت للتدليل على ممارسة النقد الثقافي، حيث يقوم على استخدام المفاهيم والمصطلحات التي تحكم العلوم الاجتماعية والإنسانية لتحليل الواقع ونقده وتفكيكه وتجري هذه العملية في إطار تاريخي اجتماعي.
وحتى لا تتداخل المصطلحات في بعضا البعض، فسألتزم باستخدام مصطلح النقد الثقافي، لأن دراستي تختص بتتبع الدراسات بالوطن العربي، وتتبعا لأهم النقاد الذين انبهروا بالنقد الثقافي عند فنست ليتش هو الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي- كما ذكرت سابقا- والذي كان له الفضل في تعريف الوطن العربي بإجراءات النقد الثقافي.
دراسات النقد الثقافي
استطاع النقد الثقافي أن يزرع بذوره في الوطن العربي، فعلى الرغم من الكثير من الآراء السلبية التي هوجم بها النقد الثقافي، لكن من جهة أخرى وجدت كثير من الدراسات التي استطاعت أن تتخذ من النقد الثقافي مجالا للدراسة والفهم، تخضع به النصوص الأدبية على نوعيها لمجهر الثقافة.
ومن أهم الدراسات العربية التي انصبت على دراسة النقد الثقافي منهجا أو تطبيق النقد الثقافي كدراسة ما:
– عبد الله الغذامي في كتابه” النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية” عام 2000م.
– خالد الكركي وآخرون، المشروع الحضاري العربي من التراث والحداثة عام 2002م.
– عبد الله الغذامي وعبد النبي اصطيف في” نقد ثقافي أم نقد أدبي” عام 2004م.
– نادر كاظم” تمثيلات الآخر” عام 2004م
– يوسف عليمات” جماليات التحليل الثقافي” عام 2004م
– عبد الله ابراهيم” النقد الثقافي مطارحات في النظرية والمنهج والتطبيق” عام 2004م.
– محسن جاسم الموسوي” النظرية والنقد الثقافي” عام2005م.
– ميجان الرويلي وسعد البازعي في” دليل الناقد الأدبي “عام 2005م.
– عز الدين المناصرة” النقد الثقافي المقارن” عام 2005م.
– أمل نصير” في جماليات التحليل الثقافي روميات أبي فراس الحمداني أنموذجا” عام 2006م.
– حفناوي بعلي “مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن” عام 2007م.
– صلاح قنصوة “تمارين في النقد الثقافي” عام 2007م.
– عبد القادر الرباعي” تحولات النقد الثقافي” عام 2007م.
– سهيل الحبيب “خطاب النقد الثقافي في الفكر العربي المعاصر “عام 2008م.
– عبد الفتاح أحمد يوسف” قراءة النص وسؤال الثقافة” عام 2009م.
– جميل عبد المجيد” نحو تحليل أدبي ثقافي “عام 2009م.
– محمد ولد عبدي” السياق والأنساق في الثقافة الموريتانية “عام 2009م.
– أحمد جمال المرازيق “جماليات النقد الثقافي نحو رؤية لأنساق ثقافية في الشعر الأندلسي” عام 2009م.
– مريم طه عفانه “المعلقات العشر دراسة ثقافية “عام 2009م.
– سعيد علوش” نقد ثقافي أم حداثة سلفية “عام 2010م.
– صباح محسن كاظم ” فنارات في الثقافة العراقية” جزء 1?2عام 2010م.2012?ج3 قيد الطبع.
– أيمن تعيلب” شعرية الظل ومقاومة النسق الثقافي” عام 2011م.
– سمير خليل” النقد الثقافي من النص الأدبي إلى الخطاب” 2013م.
– يوسف عليمات “النسق الثقافي قراءة ثقافية في أنساق الشعر العربي القديم “عام 2014م.
– إدريس الخضراوي” السرد موضوعا للدراسات الثقافية نحو فهم لعلاقة الرواية بجدلية السيطرة والمقاومة الثقافية” 2014م
– سيد ضيف الله ” صورة الشعب بين الشاعر والرئيس –فؤاد حداد-” عام 2014م.
ومن خلال التعداد السابق يتبين للباحثة أن دراسات النقد الثقافية قد استطاعت أن ترى طريقها في الوطن العربي، اشتملت تلك الدراسات تسليط الضوء على كثير من النصوص الأدبية والسياسية والفنية.
وتحاول الباحثة في هذه الورقات أن تستعرض وتقف على أهم المنجزات التي اتخذت من القراءة الثقافية وسيلة للدراسة والتحليل.
المغرب والنقد الثقافي:
ارتأيت أن أبدأ بالمغرب العربي لسببين: – إن الحركة النقدية بالمغرب العربي جديرة بالدراسة والتمحيص ومتجددة وقادرة على مجاراة العصر نسبة لاتصالهم بأوروبا مباشرة .
أما السبب الآخر حتى لا يقال أن المشرق العربي لا يعرف شيئا عن الأدب والنقد في ساحة المغرب العربي.
يعتقد البعض أن غياب الكتاب المغاربة عن ساحة النقد الثقافي بالوطن العربي علامة واضحة، باستثناء كتابين أحدهما لسعيد علوش حمل عنوان “نقد ثقافي أم حداثة سلفية “عام 2010م، وكتاب حفناوي بعلي بعنوان “مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن” عام 2007م، لكن الحقيقة أن المغرب العربي قد استطاع أن يخط له طريقا واضحا في مسار النقد الثقافي والدراسات الثقافية.
فليس من المعقول أن يكون اتصال المغرب العربي بأوربا بعيد الأثر عن وصول ذلك التأثير بدراساتهم، سأنتهز الفرصة لأسلط الضوء على بعض المنجزات الثقافية عند الكتاب والنقاد المغاربة.
في البداية لا بد أن تقف الباحثة عند المفكر المحامي مالك بن نبي ومشروعه الحضاري، فهو يعتبر أن المشكلة تكمن بالحضارة، فيقول في ذلك” مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها” .
ومن خلال قراءة المشروع الحضاري لمالك بن نبي فيتبين للباحثة أن البديل الحضاري عند مالك من خلال الإسلام الذي يعده وسيلة لقراءة الماضي وجعله قوة عاملة محركة تعيد الحياة للأمة وتشدها إلى مصير الإنسانية المشترك” .
تعد دراسة مالك مشرقة لأنها لم تلق اللوم على التراث، بل جعلته مرتكزا للانطلاق من خلال الاعتماد على الإسلام، وأن التغيير يحدث في البداية من الداخل بإثبات ذلك بقول الله تعالى: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وبالتالي ففكر الكاتب مالك بن نبي يستند إلى الدين كأداة لكل تغيير محتمل . ويمكن اعتبار هذا الاتجاه جزء من دراسات نقد ثقافي.
ويذكر حفناوي في كتابه ( مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن) أن نقاد الثقافة مختلفو المجالات، لهذا هم يستخدمون أفكارا ومفاهيم متنوعة، حيث يمكن للنقد الثقافي أن يشمل نظرية الأدب والجمال والنقد ويمكنه أن يفسر وأن يتطرق إلى نظريات التحليل النفسي.
ومقال يعد حديثا نسبيا هو مقال للدكتور جميل حمداوي، والذي حمل اسم النقد الثقافي بين المطرقة والسندان، عام 2012م وهو ضمن كتاب نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة. وقد تتبع حمداوي فيه النقد الثقافي وآليات العمل فيه، وما هي الأسباب التي جعلت الغذامي يتخذه بديلا عن النقد الأدبي.
وويقف الدكتور جميل حمداوي على الأسباب التي أدت إلى عدم تمثل النقاد المغاربة النقد الثقافي بأعمال- على الرغم من استفادتهم من النقد الحداثي- ويرجع السبب إلى اهتمام النقاد المغاربة بالثقافة الفرانكفونية . وقد تحدث الدكتور عبد الرحمن محمد الوهابي بهذا الشأن حيث قال:” نرى في المغرب اهتمام النقاد بصورة أكثر فاعلية في ترجمة الكثير من الكتب التنظيرية، وكانت كتاباتهم على وجه الخصوص حول الشكلانية الحديثة، والبنيوية ، وبخاصة الصادرة من الفكر الفرنسي، هذه الدراسات المغربية أكثر رواجا بالنسبة لبعض النقاد السعوديين المهتمين لمثل هذه الإسهامات”.
ولا تؤيد الباحثة هذا الرأي فهناك كثير من الدراسات المغربية القيمة والتي تعد ذات أثر على الساحة العربية النقدية، وبصمة واضحة للكتاب والنقاد المغاربة في مضمار الدراسات النقد الثقافية.
ومن الدراسات المهمة والحديثة دراسة الدكتور أدريس الخضراوي والتي نشرها في “مجلة تبين المختصة للغة والتاريخ والهوية” لعام 2014م ، فقد حاول الكاتب أن يطلق جانبا جديدا للدراسات الثقافية من خلال الاستفادة من أدوات النقد الثقافي بالتركيز على دراسة السرد من أجل فهم جدلية السيطرة والمقاومة الثقافية. فحسب رأيه “إن الفرد لا يعثر على هويته إذا لم يستطع أن يتشكل داخل ما يرويه” . حيث يعد الكاتب السرد وسيلة وطريقة لفهم الوسيلة التي يستطيع بها الرفد التأكيد على هويته وجوده. وقد اعتبر الخضراوي أن الممارسة الثقافية ليست متحيزة تجاه ما هو رسمي أو مؤسسي، فهي تتجاوز كلذلك من أجل أن تستوعب أنواعا أخرى من التساؤلات تشكل مقومة موجهة ضد نسق ثقافي مهيمن.
ركز الخضراوي في دراسته على الرواية لأنها تعد من أكثر أنواع الأجناس الأدبية التي تتداخل مع التناص وتتداخل مع النصوص والخطابات . حيث أن ممارسة التحليل الثقافي ليس فقط على المتكلم بل أيضا على الخطاب الذي بالداخل ويمارس من قبل الشخصيات المختلفة داخل العمل الواحد.ومن هنا فقد أصبح التمثيل السردي من اهتمامات الدراسات الثقافية.
ولا ينسى الخضراوي ذكر إدوارد سعيد في أكثر من موضع ليبرز دوره في إغناء الدراسات الثقافية، من خلال استعراض لأهم كتبه نذكر منها: جوزيف كونراد وقص السيرة الذاتية و الاستشراق والعالم والنص والناقد وأخيرا الثقافة والإمبريالية، وكيف استطاع من خلال فكره مع هذه المؤلفات أن يؤسس نظريات نقدية ووظيفة مميزة للنقد، فقد اعتبر أن وظيفة النقد تتمثل قراءة النص في سياقه الأكمل. ويتحدث الكاتب الخضراوي أيضا عن القراءة عند إدوارد سعيد للنص الثقافي الغربي بأنها تقوم على تفكيك التمثيل الثقافي، والكشف عما تستبطنه التعبيرات الغربية من رؤى نمطية تموقع الآخر وتجعله في الهامش. حاول الكاتب أن يبرز أهمية التمثيل السردي كمدخل لتناول وقراءة الرواية قراءة ثقافية مبرزة المرجعيات التي ينفتح عليها النص الروائي ودراسة تلك المرجعيات بدل عزلها فهي تعد من الوسائل الحديثة في قراءة النص قراءة ثقافية مستخدما أدوات النقد الثقافي.
وتدخل الدراسات النسوية ضمن مسار الدراسات النقد الثقافي، حيث تكون العناية والاهتمام بكل ما يتعلق بقضايا المرأة، سواء أكانت قضايا تتعلق بعلاقة المرأة مع الرجل أو علاقة المرأة مع المرأة كعلاقة ضدية.
ومن الأسماء التي لمعت أيضا في مجال الدراسات الثقافية الكاتبة فاطمة المرينسي والتي اتخذت من الدراسات النسوية مضمارا لها، لتعيد قراءة النص الديني من منظور نسوي، محدثة نقلة نوعية في الخطاب النسوي العربي. لتتجاوز الدراسات التي تقف عند قضية المرأة فقط من منظور المقارنة مع الذكر.
جمهورية مصر العربية والنقد الثقافي
يتردد اسم الدكتور صلاح قنصوة صاحب كتاب ” تمارين في النقد الثقافي” في الساحة النقدية المصرية وعلى مستوى الوطن العربي على إثر الكتاب الذي أصدره كتاب ” تمارين في النقد الثقافي” 2007م. فقد استعرض عددا من المصطلحات والنظريات الفلسفية والنقدية كالماركسية وصدام الحضارات والعلاقة بين الثقافة والحضارة.
تناول الكاتب مصطلح النقد الثقافي، وأنه من المصطلحات النقدية الحديثة المرتبطة بمصطلح الدراسات الثقافية التي ساعدت على ظهوره عددا من العوامل مثل العولمة وما بعد الحداثة . لقد استطاع النقد الثقافي إزالة كثير من الحواجز بين التخصصات والمستويات في الممارسات الإنسانية؛ لأنها تقع جميعها تحت مظلة الثقافة التي هي من صنيع الانسان في البيئة والمجتمع .
ويبين لنا الكاتب أن النقد يكشف الإمكانات المتاحة والتي يمكن من خلالها معرفة الحدود التي يقف عليها في عملية القراءة والتحليل. لهذا يمكن القول أن مجال النقد الثقافي هو ما يسمى الدراسات الثقافية، ويعد هذا المفهوم حديثا نسبيا بما ينطوي عليه من دراسة الأدب الرفيع والشعبي وعلم العلامات والحركات الاجتماعية والحياة اليومية ووسائل الإعلام.
عد الكاتب أن الجديد الذي يطرحه النقد الثقافي برفعه الحواجز بين التخصصات والمستويات في الممارسات الإنسانية، لأنها تنتمي جميعا إلى الثقافة التي هي مجمل صنيع الإنسان في البيئة الطبيعية ؛ ومن هنا تأتي نظرية عالم الاجتماع بيرنباوم الذي يعتبر أن التحليل الثقافي للموقف التاريخي من خلال الوقوف على تحليل الثقافة.
ويحلل الكاتب حسب وجهة نظره الثقافة من خلال مستويات ثلاثة: الأول: ثقافة الجلد وهي المرجع الأولي البدائي لأي ثقافة. وجلدة المرء عشيرته وأجلاده أعضاؤه وجوارحه وهي التي بالعرق والدين واللغة بدرجاته المختلفة وهي المرحلة الأولى في بداية محاولات الإنسان السيطرة على الطبيعة وتوطئة السيطرة على غيره من البشر، حيث كان لا يفرق بين فرديته والانتماء للجماعة لكنها تمارس نفوذا دون اختيار.
ومرور الأمة بالانكسارات بسبب الهزيمة والشعور بالضعف، فتوجه نظرها صوب تاريخها الثقافي وما تحويه من قيم ومعايير ومواقف معاصرة لم يعد يسعفها في التصدي للتهديد الداخلي أو الخارجي على السواء عندها فقط يلتهب جلدها الثقافي الذي كشف ولم تعد الثقافة المعاصرة قادرة على حمايته .
الثاني: المشترك أو المتصل القومي، حيث يستمر أثره ويواصل نفوذه عبر تلك الجوانب التي تتجمع وتترسب عن الثقافات المتعاقبة لتبقى حية مؤثرة.
الثالث: ويأتي تحت مسمى الطباق الأخير، فهو الثقافة المعاصرة للمجتمع والأمة، ورغم صبغتها الخاصة الغالبة التي تميزها عن غيرها من الثقافات، إلا إنها ليست متجانسة؛ لأن الصبغة السائدة هي التي تعبر عن توجهات الفئات المسيطرة ومصائبها.
ومن الكتب حديثة الإصدار كتاب الدكتور سيد ضيف الله الموسوم بـصورة الشعب بين الشاعر والرئيس حيث صدرالكتاب بأسئلة توضح طريق الكاتب في عرض موضوعه وقضيته، متتبعا في البداية عددا من المصطلحات المهمة المتداخلة مباشرة مع النقد الثقافي، من هذه المصطلحات التمثيل والموقع الثقافي والخطاب الاستعاري والسنة الأدبية .
يحاول الكاتب وبطريقة ذكية أن يستعرض صورة الشعب في الخطاب الشعري عند الشاعر فؤاد حداد مقارنا ذلك التمثيل بالوقوف عند صورة الشعب في الخطاب السياسي لكل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك.
ويتوصل الكاتب أن الشعب المتخيل هو نتاج أنتجته السلطة بوسائل مختلفة، تستخدمها أنظمة الدولة المختلفة وعلى فترات بعيدة المدى من أجل إرساء صورة للشعب بأطر محددة.
المملكة العربية السعودية والنقد الثقافي
لقد استطاع الدكتور عبد الله الغذامي أن يؤثر على الحركة النقدية الحديثة من خلال طرحه لمشروعه النقدي النقد الثقافي.
فقد انقسمت الساحة النقدية بالمملكة العربية السعودية إلى قسمين:
الغذامي باعتباره صاحب المنجز الجديد فقد وجد أن من خلال التحليل الثقافي يمكن تفسير كثير من النزاعات، حيث يمكن الحصول على إجابات لمعرفة أسباب هذا الصراع . وبذلك يتبين للباحثة أن الدكتور عبد الله الغذامي يرى النقد الثقافي قادرا على مواكبة العصر وقادرا على إخضاع الأدب للتفسير والتحليل انطلاقا من الثقافة.
ويرى مجموعة من النقاد السعوديين أيضا، أن النقد الثقافي له وجوده ويظهر في كثير من الأعمال، ويمكن تبين ذلك من خلال النقاد السعوديين منهم معجب الزهراني ومعجب العدواني وسعد البازعي.
وعبر الدكتور معجب الزهراني عن وجهة نظره من خلال ورقة بحثية ” نظرية جديدة أم إنجاز في سياق مشروعي متجدد”؟
حيث حاول من خلال السؤال أن يلفت النظر إلى قضية مهمة أولا: لا أحد ينكر مجهود الدكتور الغذامي الذي يبذله في نظريات النقد الحديثة، ثانيا: يؤكد الزهراني أن تعدد واختلاف الأنساق في أية ثقافة بشرية عريقة في التاريخ ومنتشرة في المكان، وأن النسق الشعري في ثقافتنا حضورا وتأثيرا أقوى وأكثر استمرارية من غيرها، لكن من جانب آخر هذا ليس مبررا لكي يقف عندها الباحث ويضع العلة الأولى والأخيرة لإشكاليات الفرد والمجتمع والأمة عليها .
وهناك أيضا عدد من الأطروحات ورسائل الدكتوراة التي اتخذت من مشروع الغذامي موضوعا لرسائلها ، ناهيك عن الملتقيات التي فتحت لتداول النقاش حول مشروع الغذامي نذكر من ذلك ملتقى تبوك الثقافي حيث كانت المداخلة بعنوان : تحديات الخطاب الثقافي العربي . ومن أهم الأفكار التي طرحت في الملتقى:
مقارنة الخطاب الثقافي بالماضي والحاضر وتفعيل الحوار في الخطاب الثقافي، هيمنة الخطاب الثقافي الغربي وأشكالياته، إضافة إلى العنف في الخطاب الفكري وتداعياته.
وتجد الباحثة أن الوقوف على العنف في الخطاب الأدبي والفكري من الموضوعات المهمة التي لا تزال بعيده عن النقاش والتداول.
ومن المواضيع التي أثيرت في الساحة النقدية السعودية تأييد بعض النقاد لوجهة النظر التي تقول بعدم مواكبة النقد الثقافي للمنجز الثقافي في الساحة السعودية، بأن ليست كل النصوص قابلة للإخضاع للدراسة و يمكن تطبيق النقد الثقافي عليها، فقد تكون هناك مناهج أخرى تبرز الجوانب الخفية في النص أكثر من النقد الثقافي. ويقول د. عالي القرشي بهذا الشأن:” إن كل مشروع نقدي يظل مرهونا بالنصوص التي تستجيب للعملية النقدية”.
ويعد القرشي أن النقد الثقافي قد استطاع أن يجيب عن تساؤلات كثيرة متعلقة بالنص الحداثي والثقافة. هذا من جانب ، في حين يرى أصحاب الجانب الآخر الذين يرون أن النقد الثقافي مع وجود واقع الكتاب السرد الإبداعي فلا وجود له .
والحقيقة أن هذا الجانب قد استطاع الدكتور إدريس الخضراوي أن يحققه من خلال بحثه “السرد موضوعا للدراسات الثقافية نحو فهم لعلاقة الرواية بجدلية السيطرة والمقاومة الثقافية” .
وقد ذكرتها سابقا في حديثي عن المغرب العربي والنقد الثقافي.
وحسب رأي الباحثة فإن النقد الثقافي قد فتح الأبواب لكثير من الدراسات، يمكن ملاحظة ذلك من خلال الندوات والمؤتمرات التي تقام في المملكة بأنحاء مختلفة من بقاع المملكة العربية السعودية. فأعيد دراسة بعض النصوص ومناقشة آراء الغذامي حولها، ناهيك عن أن وجود نص يخضع لعدد من المناهج النقدية يعطي للنص حيويته وصيرورة لسيرة صاحبه.























