قصتان قصيرتان.. خذ هذا السيف
علي السباعي
الليلةُ . . .
. . . نجومها مضيئة . . . أحاول مداراة رجفة اعترتني بعد أن نهضت من نومي فزعاً , أخذتُ نَفَسَاً عميقاً مهدئاً من روعي . أتأملها . أتأملُ ضوؤها . أتأملُ فضتها . . . شَدَ عيناي ضوء شهاباً ضالاً شاقاً صفحة الظلمة المحترقة السوداء المتفحمة على غيرِ هدي , أرى ألتماعة أنتحاره . . . أتردد . . . عدلتُ من جلستي متسائلاً في نفسي :-
– ياترى ما تفسيرُ الحلم ؟
جلستُ أمداً طويلاً محدّقاً في سماءٍ كانتْ أقرب ما تكون إلى لوحةٍ تشكيليةٍ مرسومةٍ بعنايةٍ فائقةٍ , وفي أقربِ زاويةٍ مظلمةٍ منها كان القمرُ فيها يتوهج منيراً بألق . ألقٌ ينساب على الظلمةِ بفضتهِ المبهجة , أرتفع آذان الفجر عالياً , قلت محدثاً نفسي : –
– سأذهبُ إلى قارئةِ الكف .
استلقيت على فراشي , أحسُ برودته تجتاح جسدي الواهن , أفكرُ بتأويلي الحلم حتى طلع عليَّ أرق الصباح . أرتفع قرص الشمس المشتعل , راح ضوؤها الناري الممزوج بلون الذهب المشع يختلط مع السواد الذي يحتضن بغداد في أوقات أوَّل الصباح نوراً يشع في الأفقِ القريبِ يمتزج مع ضفاف نهر دجلة , مازلت أتذكر كيف شدتني عيناي ناحية صفحة الشرق المشتعل شمساً . شمسٌ مشرقة بضوؤها الحي على دجلة ومأذنة القشلة , وكنيسة أم اللقالق .
* * *
رياح الصباح باردة ندية لفحتني , صياح الديكة يختلط مع زقزقة العصافير التي تمرح فوق أغصان أشجار السدر الموزعة بعشوائية على جانبي شارع ابي نواس أحتضنتني نسمة ريح باردة من جهة نهر دجلة أرتجف معها قلبي , قلبي الذي لا يجلب لي سوى الألم وأنا قاصد منزل قارئة الكف , كانت بغداد من الجهة الثانية لدجلة الخير مشرقة وهادئة هدوءاً جميلاً . ترددت لحظة , ثم طرقت الباب ثلاث طرقات متتالية مترددة , أتاني صوتها ضعيفاً من الداخل : –
– من الطارق ؟
أنفتح الباب الخشبي القديم , ظهر وجهٌ يغضن بالحزن , إرتسمت عليه تقطيبة عابسة متسائلة تنطق بها أخاديد وجهها المتعب , تطلعت إلي بتساؤل : –
– مولاي شهريار !
أجبتها برقة رافقتها لوعة كبيرة : –
– نعم . جئتك مهموماً بحلم ارق ليلتي .
بادرتني بصوتِ دافئ النبرة : –
– رهن اشارتك مولاي .
أدخلتني مُرّحبة بي , بدأت عيناها الشهلاوان تومضان بالحماسِ
والثقة , عدّلتُ من جلستي , وقارئة الكف تُحرّك مبخرة نحاسية فوق رأسي بحذر , عيناي تدمعان من كثافةِ الدخان , كان جمر المبخرة الأحمر مغرياً في مواجهة وجهها الشاحب , همست بحنو وأبتسمت : –
– تحدث يامولاي . . .
زممّت شفتي وَحَدَّقتُ في الجمر ملياً , شرعت أُحدّثها بقلق كبير :-
– حلمت قبيل صلاة الصبح بأنني : (( كنتُ وحيداً مُتعَباً في غرفةٍ ضاقت بي , دخلت عليَّ شهرزاد فإذا هي متشحةٌ بالسواد , أحدقُ في عينيها مبهوتاً . . .
رفعت رأسها ببطء ناحيتي وأبتسمت بحزن , وقالت برقة : –
– أكمل يامولاي . . .
– . . . طفقت شهرزاد تذبحني . تذبحني بسيفي . أستفقت مذعوراً )) .
سألتها : –
– أرجوك . ساعديني ؟
أبتسمت قارئة الكف في وجهي وراحتْ تغذّي المجمرة بمزيد من الفحم , انتشر الدخان متصاعداً مفعماً برائحة البخور , أخذ الجمر يحرقني كلوعتي على غدي قبل أن يحرق البخور . شاهدتُ ظلينا على الحائط عملاقين خرافيين يسبحان فوق موج الأبخرة المتصاعدة من ميناء النار المتوهجة , ضحكت بعصبية وعمدت إلى نثر أحجارها وأصدافها ومفاتيحها الصدئة من كيسٍ أزرقٍ بالٍ فوق الحصير , وأخذتْ تحدّق فيهن . تساءلت مفجوعاً : –
– ماذا وجدت ؟
تعالى صوتها بلهجةٍ ناهرةٍ غاضبة : –
– صبراً يا . . . مولاي .
تظاهرت باللامبالاة , وأرى أبتسامة مرارة تتراقص من لهيب النار فوق وجنتيها , غمغمت بوقار : –
– أنتهى كل شيء !
أحسست أن أكبر مشاكل الأرض جسامةً لا يمكنها أن تصل مبلغ مشكلتي ، أنني بدأت أنحدر إلى الهاوية ، وقارئة الكف تلتقط من الحصير حجراً مفلطحاً بلون أبيض مغبر ، قالت بلهجة العارفة بخفايا الأمور :-
– عمرك سيطول ياولدي . . .
سألتها مقاطعاً ، فسكتت وأنا أرمقها بنظرة قاسية جادة :-
– وشهرزاد ؟
قالت وعيناها تلمعان بالحماس :-
– الدنيا . دنياك يامولاي .
فتطلعت إليها لائماً ومتسائلاً بنبرة صارمة :-
– والسيف ؟!!
قالت وهي تتطلع إلي مبتسمة وكأنها تسخر مني :-
– الأداة التي بإمكانها أن تزيل بها من يكيد لك .
رمقتها بنظرة غاضبة وتساءلت بخبث :-
– كانت تذبحني . . . كنت أذبح . . . ؟ ! !
بادرت مبتسمة أبتسامة مؤلمة : –
– عمرك سيمتد طويلاً . . . ستعمر . . . أنك الآن في مأمن , لقد أختارتك الأقدار لتُخَّلصَ الناس من الشر بسيفك يامولاي . فكن أهلاً لذلك .
كانت عيناها تشعان كذباً , وصوتها يحمل خبث الأرض , قلت مكابداً : –
– ألا نلجأ إلى تمائم السحرة علَّها تجد تفسيرأً لحلمي ؟
تدفق الدم في وجهها , ومازال شعاع الكذب يلصف في عينيها مكحّلاً بحمرة جمر المبخرة , قالتْ بحزن : –
– لماذا تقول مثل هذا الكلام يامولاي ؟ . . انك تشكك بي !! . . لماذا تحاول دائماً قذف الأشياء الصالحة إلى الهاوية ؟ !!
انسابت كلماتها فيَّ كأنسياب الدمع على أملٍ ضائع , أحسست لحظتها بأني أُطْعَنُ بإلف إعصار يجتاح ماتبقى من حطام كبريائي , قلت لها بجرأة : –
– أأستل سيفي وأزيل الكيد كله .
أنتهزتْ قارئة الكف الفرصة , وقالتْ وهي تنظر إلي باحتقارٍ أقرب إلى الحقد , وصوتها يخرج صارخاً بزفيرٍ أعمق حقداً :- – الكيد كيدك يامولاي .
فوجئت بكلامها . أذ استطردت بأقدام : –
– لقد آن أوان الحرية .
قلت بجديةٍ ظاهرة : –
– ” الحرية لا تأتي وحدها الحرية ذهاب دائم , . . . ” .
فأَذهبتي خارج منزلها ؛ وكأنها أَجمعتني غيابت الجب ((فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ )) تائهاً في ضنون الخيبة التي أَيقضتها من حلمها أَشعة شمس بغداد الذهبية مقبلة أَرضها باكيةً نائحةً دافعةً بي لشوارعها ؛ مودعة توأمها صدحات صوت فيروز العذب وصباحات بغداد الشقر . كانتْ ساعات النهار البغدادي طويلة حارة أغرقتنا بقسوتها الحادة , فأغرقني صخب البغداديين والمتبغددين وهم يتابعون القوات الأمريكية في ساحة الفردوس . . .






















