قصة قصيرة.. عازف الناي والمتنبي
مصطفى عبد الله عارف
من وسط ضجيج الباعة والمشترين والجوالين ، تسرب صوت ناي حزين. اقتربتُ واقترب الصوت من (مزاد الشطري) بائع الكتب الاديب الساخر وهو ينادي على بضاعته بصوت قوي عالي النبرات معطر بالضحكة والفكاهة: (إقرأ كتاب الچركچي لابي الكعك البقصمي) فتتعالى ضحاكات المتجمهرين ويزداد اقبالهم عليه . ثم رأيته امامي . تبعته اراقبه . كان في خمسينياته نظيفا حليقا مرتبا ببنطلونه وقميصه فالوقت صيف. لم يكن مايقوم به دعاية لمعروض . فلم يكن بائعا لآلة الناي بل لم يكن عنده مايبيعه . هو يعزف فقط . منسجم تماما مع نايه وموسيقاه وكأنه لايدري بما حوله . نادرا مايكلم احدا ولا يلتفت حتى لكلمات الاعجاب ولا يطلب اجرا على معزوفاته الحزينة التي اصبحت مألوفة للرواد تتردد في الاسماع صباح كل جمعة جيئة وذهابا . سنحت لي فرصة اقتحام خصوصيته حين توقف ليدخن .
لماذا هذا اللحن الحزين ؟ سألتُه
اجاب سارحا متطلعا الى الدخان وكأنه يود لو يتلاشى مثله
من القهر .
واين تعلمت العزف ؟
نظر الي وهو يواصل مسيرته .
في السجن .
وهل ذقت السجن ؟
هنا ابطأ خطواته قائلا :
عدة مرات . اولها وانا في العاشرة من عمري في اواخر اربعينيات العهد الملكي .
رأيت في حديثه اهمية وخطورة فدعوته الى مقهى الشابندر لنكمل القصة. سار الى جانبي وكأنه صديق . امسك باستكان الشاي وانا اتابعه وعيناه تجولان في اللوحات والصور امامه وحوله . سرح في دروب الماضي … قال له المعلم وهّاب جارهم الذي يساعده على تفهم الدروس .
اسمع عدنان: اريدك توزع هذه الاوراق على الناس في محطة قطار بغداد – البصرة.
اخاف استاذ .
طمأنه المعلم ان ليس هناك مايخيف ففي الاوراق كلام عادي عن الظلم والفقراء وانهم يريدون ان يأكل الفقراء ويلبسوا مثل الاغنياء. وانه سوف يأخذه الى المحطة وينتظره في الشارع . واستمر المعلم في تبديد مخاوف الصبي عندما قال له ان جسمه الصغير وعمره لايثيران الشك وان بامكانه ان يرمي المناشير على الارض ويهرب اذا رأى أي شرطي . ولو حدث وامسك به احدهم فسيكتفي بصفعة على وجهه ثم يتركه لحال سبيله .
كان عامل المقهى يدور بين الرواد بصينية الشاي والحامض . اغراني منظر الحامض يشعشع ذهبا في اقداحه . طلبنا استكانين . كان وهو يشرب الحامض ينظر الى البلابل المحبوسة في قفص يتدلى من سقف المقهى . علت وجهه ابتسامة وكانه سيلقي نكتة :
– وذهبت الى المحطة وبدأت بتوزيع المناشير هنا وهناك . اُسرع نحو هذا واركض نحو ذاك واقترب من تلك وجرأتي تزداد . كان بعضهم ينظر بريبة الي ويمضي خائفا . فواحد يضعها في جيبه واخر يرميها ما أن يقرأ سطرا منها وثالث ينتحي جانبا ليقرأ والقطار يدخن ويصفر وعالم تصعد وتنزل وحقائب وحمالون وازدحام وباعة ولغط . من سوء حظي ان واحداً ممن اعطيته المناشير كان (شرطي سري) . ولك ان تتصور . امسك بمعصمي وبالمناشير . ولم يكتفِ بالصفع والركل بل ساقني تحتهما الى مركز الشرطة . يقولون ان سوء الحظ يستسهل امتطاء الفقير حيث يكون . لم يرق قلب مدير المركز على الصغير الفقير مهلهل الثياب فامر بتوقيفي . الصفعات المتوالية جعلتني اقر بان المعلم وهاب هو الذي اعطاني المناشير . وتضحك الدنيا او تسخر .. لا ادري . فقد امر حاكم التحقيق بأستدعاء وتوقيف المعلم وهاب واطلاق سراحي لصغر سني .
قلت فرحا : ممتاز .
لا … انتظر … الم اقل لك ان سوء الحظ يلازم الفقير .
ثم استمر في تذكر حكايته تعلو وجهه سمات الشعور بالالم والاضطهاد فذكر لي انه عند باب المركز ، تلقاه ابوه بصفعة شديدة عندما حضر لاستلامه وامسك باذنه يفركها . وقتها شعر ان الدم سيتدفق منها .
كان الاب يصرخ : من اليوم ممنوعة المدرسة عليك . فسَّدتك المدرسة والمعلم الشيوعي وهاب . امشي لدكان الصفار حتى تتعلم شغلة تنفعك .
ابتعد عن المدرسة واقترب من السياسة وهو يكبر وينضج . اطال التمعن في صورة لنوري السعيد معلقة على الجدار بين زحمة من صور رجالات العهد الملكي . اشار بيده وكأنه يريد مني جوابا يعرفه : هل كان هذا الرجل سبب البهذلة التي حلت بي ؟
انسحبنا نحو الشط واتخذنا من احدى المصاطب ، قرب تمثال المتنبي ، مجلسا على الشاطئ . كان دجلة يتلألأ تحت الشمس وتحت اقدم جسورها . كان الواقفون خلف سياج الجسر يلقون للنوارس كسرات خبز فتلقطها مغمسة بأحلى مياه الدنيا . لم ينسَ صاحبي ان يخرج نايه من جيبه ليعزف ونحن نجتاز مبنى سراي الحكومة الاثري وقصر الثقافة . حدثني عندما اشتغل مبيضا للنحاس مع ابيه في دكان الصفار بائع الاواني النحاسية . يتذكر عمله ذاك بسرور . فعملية التبييض اشبه برقصة كان يلح على ابيه ان يقوم هو بها بدلا عنه . تعلم كيف يقف وسط طشت النحاس الموضوع في حفرة ليست عميقة وتحت قدميه مسحوق التبييض ، وبحركة نصف دائرية متواصلة يفرك بقدميه الصدأ من الطشت او أية انية كبيرة واسعة بينما ذراعاه ممدوتان وكفاه على الجدار المقابل .
وفي يوم استيقظ على صراخ امه تجز شعرها وتمزق ثوبها امام ابيه النائم على سرير من جريد النخل بينما كان هو واخوته ينامون على الارض في غرفة بالنزل في الحيدر خانه. عرف من بكاء امه ونحيبها ان اباه لم يكن نائما بل لم يستيقظ ابدا منذ نومة الليل .
توسل (بالاسطة الصفار) ان يبقيه يعمل مكان ابيه في الدكان واضطرت امه على العمل غسالة للملابس في البيوت . اما اكبر اخويه فعمل صباغا للاحذية اجيرا عند صباغ اخر اعطاه العدة ليعمل عليها الى جانبه على الارصفة لقاء ثلاثة دراهم يوميا . اما الاصغر فاصبح حمالا في سوق الخضار القريب .
وتكررت جلساتنا الاسبوعية في جمعة المتنبي . فبعد ان ينتهي من جولته مع الناي ، نستمع حينا الى حفلات المقام العراقي او العزف العفوي لشباب وشابات يعشقون الموسيقى والفن . وقد يتوقف طويلا امام لوحة لطفل دامع العينين او جميلة رثة الثياب . كل هذا في الكرنفال الادبي والفني والسياسي في المتنبي وجمعته.
كنا مرة نتناول قطعتي (سميط) مع الشاي حين قال:
كنت وانا صبي اقف مبهورا امام (كعك السيد) واتمنى لو استطعت شراء واحدة واعبر الشارع لاغمسها في قدح من (شربت زبيب الحاج زبالة) لكن ذلك كان ترفا وبطرا ، كما تقول امي ، لايستطيعه امثالي . كنت كلما التقيه اعود بجعبة كبيرة من احاديثه ومعاناته … وتمضي الايام لتضيف سنينا الى عمره … كان الوقت ليلا وكان هو ورفاقه في اجتماع حزبي يرتبون لمظاهرة تدين العدوان الثلاثي على بور سعيد ، حين هبطت عليهم الشرطة من السماء !! عقدت المباغتة السنتهم وشلت حركتهم ، وافراد الشرطة ينزلون الدرج هابطين من السطح . يبدو انهم تسوروا اسطح الجيران دون ان يطرقوا بابا . حكم عليهم المجلس العرفي العسكري بالحبس ثلاث سنوات … ماذا ستفعل امه واخواه الصغيران بعد ان انقطع مورده عنهم ومورد ابيهم من قبل ؟ قال والالم يعتصر ملامحه : في احدى زيارات امي لي في السجن ، بدت منكسرة وهي تهمس وكأنها لاتريد ان يسمع احد انهم طلبوا خبزا من الجيران ليلة البارحة لكي يتعشوا . أحسستُ ان المهانة تقطعني وامي تواصل حديثها مطأطئة الرأس انها ذهبت الى بيت الدكتور لتغسل لهم ملابسهم فقالوا لها : اشترينا غسالة ! ترى كيف عادت امي تجر خطوات الخيبة الى البيت ؟ حكت لي انها وجدت ايضا والعيد يقترب ان كل ماتملك هو دينار ونصف ، فبقيت حائرة بين ان تشتري للصغيرين بنطلونين وقميصين من بالات الملابس المستعملة لكي لاينظروا بحسرة الى اولاد الجيران يرفلون بثياب العيد الجديدة، او تحتفظ بما عندها ليأكلوا.سألته بين فواصل معزوفاته ونحن نمشي بين المكتبات وبسطيات الكتب مختلفة المواضيع على الارض .
ما رأيك بعازف الناي الشهير خضر الياس ؟
هذا موسيقار كبير يعزف في الاذاعة والتلفزيون وللمطربين المشهورين وانا هاوي صغير اعزف لسبب خاص سأحكي لك عنه في يوم من الايام . من الغرائب اني تعلمت عزف الناي وصناعته من سجين يصنع من القصب انواعا من آلة الناي .
مرة كنا نتناول غداء في مطعم بشارع الرشيد في المنطقة المطلة على المتنبي. وجدته حزينا شاردا . وكانت هذه من صفاته الشخصية . كان احيانا لايحس بما حوله فكأنه والحزن مؤتلفان . سألته كيف تناوبت عليه الاحزان فأنطبعت عليه؟ فقال ان اول صدمة حزن هزته هي رؤيته لابيه النائم وما كان بنائم . وهو واخوته يتطلعون بخوف وذهول لهذا الممدد المستسلم بدون حراك .. لايصرخ على احد ولا يرفع يده ليضرب والذي كانت نظرة منه تكفي ليرتجفوا . وامه تبكي زوجها واولادها ومستقبلهم . انغرس في باطنه المنظر فاصبح يرعبه ويصدمه مشهد انسان ممدد يحيط به المتفرجون وهو معطل لايستطيع رد الاذى عن نفسه، لذلك صدمته رؤية جثة الوصي عبد الاله هامدة تسحل عارية والناس تتزاحم لتشهد القوي الذي صار بين الايدي صباح ثورة 14 تموز . لم يحتمل مواصلة التفرج على مايحدث ، مع انه كان ضد سياسة ذلك العهد ، فعاد الى البيت يحكي لامه هول مايجري في الشوارع وهو يخشى ان يرى احد دموعه . وفي اليوم التالي لم يغادر الغرفة والناس تتراكض للتفرج على نوري السعيد تجرجر جثته في شوارع بغداد . ثم بعد سنوات رؤيته لبطله عبد الكريم قاسم على كرسي الاعدام لاويا رقبته من على شاشات التلفزيون . واخذت كرة آلامه تكبر وهو يعاصر احداث العنف المتلازمة في بلاده والحروب المتعاقبة التي قطّعت الاوصال . غيبتني عنه جمعة مطيرة . ولما التقيته سالته بعد ان جلس الى جانبي على واحد من تخوت الشابندر والشمس تتسلل عبر ابوابها الزجاجية والبلابل تغرد ..
هل عزفت في المطر ؟
فقال ضاحكا : اني اعزف تحت الماء ثم اضاف وهو يكرر خرزات سبحته :
اليوم الجو حلو فلنترك الاحزان لاحدثك عن لحظات سعادة عشتها . اقول لحظات سعادة لانك تدري ان الحظ التعس يلاحقني
اخذني الى لحظاته الحلوة وكأنه يفتح باب الذكريات . عندما خرج من السجن وجد ان الغرفة التي امام غرفتهم في بيت النزل تقطنها شابة حلوة . كان جمالها يتحدى فقرها وبساطة ورخص ثيابها . كانت (منى) وهذا هو اسمها يتيمة الابوين تعيش مع امها على راتب الرعاية الاجتماعية . ربطت كليهما النظرات بخيوط من السحر تبطل كل مقاومة . وابتدأ يعزف لها صباح كل جمعة في طرمة الحوش فتستمع عند باب موارب او خلف شباك نصف مفتوح وتشرق عيناها وكل ما فيها. في لقاء خاطف سألته متحرشة .
– لمن تعزف ؟
فاجابها : لك وحدك فقط دون كل الدنيا .
الامتنان والفرحة جعلتها تطبع قبلة سريعة على خده وتهرول نحو غرفتها .
ثم التفتَ نحوي وكأنه تذكر شيئا :
كنت وانا احتضنها ، عندما نتوارى في عطفة الدرج المتآكل او السطح ، اشم عطر جسدها مزيجا من قطرات عرق رقبتها والصابون ابو الهيل كأزكى ماتكون العطور . فاينها من قوارير العطور واين قوارير العطور منها وهي التي تبدل ثوبها الوحيد من عيد لعيد .
ارى ان ثقافتك جيدة . فهل تقرأ ؟
تعلمت قراءة الكتب والجرايد في السجن .
ثم اردف ضاحكا .
كان الرفاق يعيروني الكثير من الكتب داخل السجن وخارجه . ومكنني عملي كنجار في معمل بالصالحية ، بعد ان انحسر سوق الاواني النحاسية، من شراء الكتب المستعملة التي يزدحم بها المتنبي .
واين الحبيبة ؟
وقبل ان يرد . صمت قليلا ثم اشعل سيجارة واخذ نفسا طويلا ثم نفثه وهو يتابعه محلقا في سماء المقهى . تنهد تنهيدة وحسرة عميقتين :
كان يوم جمعة . كنت جالسا في مقهى حسن عجمي . لمحت منى تخرج من الدربونة الملاصقة لجامع الحيدر خانه . لم ادرِ مالذي جاء بها . علّها خرجت لتشتري شيئا ، وما ان وضعت خطوتها الثانية على ارض الشارع حتى رماها باص المصلحة على الرصيف . ركضت اليها وبعض المارة . حملتها بين ذراعي. كان يصدر منها انين خافت . نقلناها الى المستشفى . كان اخر ما رأته من الدنيا – صورتي منطبعة في عينيها وهي تحدق بي . وكان اخر ماتركته
لي – دمها مبقعا قميصي .
ويستمر العزف لذكراها صباح كل جمعة حيث يفترش الارض في حوش الدار متكئا على عمود مقابل غرفتها . ينفخ في نايه الحانا حزينة لايدري كيف ولا من اين تأتيه ؟ ثم ينتقل الى شارع المتنبي ليكمل العزف مع ذكراه ونايه الحزين.






















