قراءة في نصوص الزمان **

قراءة في نصوص الزمان **
مكتوب أخضر … ومستحدثات القصّة العراقية**
أنور عبد العزيز – الموصل
في ثقافية الزمان ألف ياء وبطبعة العراق ليوم 11»7»2012 قصّة أو نصّ بعنوان مكتوب أخضر للكاتبة عائشة النعيمي… ثمة ملاحظة لي على هذا النصّ، وهذه الملاحظة قد تشمل العديد من النصوص القصصية وللسنوات العشرة الأخيرة حتى باتت وكما يبدو لي أشبه بظاهرة في القصّ العراقي، إذ صار غالبية القصّاصين يعتمدون استذكار الماضي للانفلات والتحرّر من قسوة الحاضر ولاستعادة صور ومشاهد الماضي الجميل البهيّ وباعتماد السيرة الذاتية للقاصّ وبدلالات ما يرد فيها من اسماء واقعية صريحة لمدن وأماكن ومحلاّت ومواقع وأنهار ومشاهد مختلفة، وكذا لاسماء صريحة عرفها القاصّ وعايشها وعانى معها سواء كانت معروفة لديه أو غريبة… متلازمتان وسمت القصّة العراقية في غالبية نصوصها الاستذكار للماضي والحنين اليه مضافاً له اسقاط سيرة ذاتية للقاص عليه وبشكل متكامل الا من بعض اضافات تتطلبها فنيّة العمل القصصي الابداعي…
هذا الماضي الذي يتلذذون باستعادته لم يكن أبداً ماضياً زاهياً سعيداً مترفاً، بل كان العكس كله كان ماضياً قاحلاً متخلّفاً لدرجة البؤس في أغلب مظاهره ومشاهده… العراق ومثيله من بلدان شبيهة ظلّ يعاني ولاجيال من تخلف اقتصادي عام في مجال الزراعة والتصنيع… كل المشاهد ولسنين طويلة لم تكن غير جهل وامراض وفقر وجوع ومدن قاحلة قميئة وأزقّة موحلة بلا ماء للناس وكهرباء ومن كل متطلبات الحياة العصرية ولو بشروطها الاولية… هذا ما كان واقع تلك المدن ومع ازمانها الماضية التي يحنّ اليها الآن القاصّ العراقي وبعاطفية تدعو المتأمّل للبحث عن السبب، والسبب بات واضحاً ومعروفاً ومكشوفاً للجميع، فقسوة الحاضر ومتواليات الحروب المتوالدة ومع كل كوارثها ومرعباتها ومع هدير الدم والفقر المتسارع المتزايد ليشمل الجمهرة الكبيرة والغالبية، ومع تسيّد روح الكراهية والطمع والشرور وموت الضمائر ومع ما تركته الحصارات من افرازات الجشع والانانية واللاابالية تجاه مشاعر واوجاع وهموم الآخرين، كل هذا ومع عوامل اخرى كثيرة محبطة وخانقة للفرد العراقي جعلته هو ومعه القاصّ العراقي الشاهد على زمنه ينكفئ للازمان الماضية… فالازمان الماضية ان كانت قد عانت من تخلف ومحدودية حياتها وتواضع عيشها ووجودها، فانها كانت قد ظلّت رموزاً حانية لقيم اصيلة من الوفاء ومحبّة الآخرين ومع التكافل الاجتماعي وردع روح الكراهية والتعايش بألفة وتضحية وحنان مع الآخرين… كل الآخرين… وبصفة شحبت وبهتت بل وزالت ملامحها نهائياً من عقول وأرواج ناس آخر الزمان… صفة البراءة التي كانت مبعث بهجة الحياة لأناس الماضي والتي خسر بضياعها ناس الحاضر معاني الحياة الطيبة الكريمة النقيّة… القاص العراقي ولكل هذا بات معذوراً في تبريره لعشق ماضي الحياة في وطنه… أما سيرته الذاتية ومشاركاته في الهمّ العراقي، فلأنه كان مشاركاً ومقارناً بين حياتين، ولأنه القاص والاديب والشاهد، فلا بد ان يكون اكثر الجميع اكتواءً بما حصل ويحصل لهذا البلد العزيز وبما عرف عنه من وعي حاد بوجوده ووجود الآخرين…
قصة مكتوب اخضر تطبيق متكامل لما أوردته من رأي بمتلازمة الانكفاء للماضي عبر السيرة الذاتية … فالبطلة في النصّ القصصي أو الشخصية أو لنقل عائشة النعيمي لها صديقة كات معها في المتوسطة في سنوات الماضي… وهذه الصديقة وبسبب الظروف المعروفة التي مرّت على العراق هي الآن في حالات تنقّل بين بروكسل بلجيكا وأمستردام هولنده …
من تسمية الاماكن نعرف ان ما حدث كان في الموصل فأسماء مثل متوسطة الشعب للبنات التي هي بجانب مركز شرطة الغزلاني وكذا حديقة الطبقجلي و القنطرة التي يمرّ عليها القطار، ومشهد سيارة الدخّانية الصحية التي كانت تتجوّل ومع المغرب راشّة البيوت وحدائقها لابادة البعوض وما كان يسببه دخانها الابيض الكثيف من اثارة ومتعة لدى الصغار… القاصّة تؤكد في استذكاراتها على عشقها وهوايتها مع صديقتها بجنون قراءة الكتب ألف ليلة وليلة وحكايات ست الحسن والجمال ومكر العجائز، وكذا من حكايات الجاحظ وبخلائه وعن فكتور هيجو و تولستوي وكل القراءات التي رسخت في العقل والروح لانها قراءات كانت قد بدأت في أزمنة الصدق وحب الاكتشاف لعوالم القراءة والكتب عند الصديقتين الحميمتين بألفة أحلامهما المشتركة، وأهمها وكما ذكرت القراءة ولحد الهوس وهذا ما تأكد باعتراف لقد فلتنا من غواية الهاتف النقّال، نرفض كل من يحاول أن يروّض ذلك الحصان المتوحش فينا، أليس كذلك؟ لأننا مهووستا ورق … وعن الانتباه والملاحظة لجماليات الدنيا والمواقع والامكنة في مدينتها كانت تستوقفها دائماً دورة الطبقجلي وهي لا تسمّيها دورة بل حديقة الطبقجلي ثم وهي مسحورة بازهار هذه الحديقة تتأمّلها كأرواح حيّة مشعّة ومعها صديقتها مروراً بالحديقة بعد انتهاء الدوام المدرسي…
من جماليات القصّ والتعبير انتباهة الكاتبة لتجاور متوسطة الشعب للبنات مع مركز شرطة الغزلاني أي تجاور السلطتين سلطة الدولة متمثلة بمركز الشرطة وسلطة العلم بمتوسطة الشعب للبنات … وهذا قد يكون قد حصل صدفة وقد تكون له دلالة في الازمان الماضية حسّاسية الكاتبة دقيقة في استذكار ما لا يخطر على بال، فهي تستذكر حتى الحذاء الرياضي المجاني الذي كانت ادارة المدرسة توزّعه على الطالبات مكتوباً عليه لا يُرمى قبل سنة دراسية على استخدامه ، لذا فان من تتذكّر حتى عبارة مكتوبة على حذاء، فانها تظلّ وفيّة لماضيها وماضي مدينتها وبكل حنانه وطيبات ايامه وسنينه رغم أنه يبدو لآخرين أنه قد انفلت وضاع في متاهات السنين… ومن الاستكارات الحميمة المخزونة في الذاكرة قنطرة القطار التي ما عادت تحلم أو تودّع وتستقبل وجه أي قطار ومنذ ان فرضت سنوات الفوضى والخراب والدمار هيمنتها وسطوتها على كل مفاصل هذا البلد الكئيب… والقنطرة الآن باقية هي هي ولكنها قد استحالت لنقطة مراقبة عسكرية ضيّقت على الناس وحرياتهم وحركاتهم وكما يشتهون… ولأنها كانت معنيّة بالكتابة والتراسل، فهي تتذكر طوابع البريد القديمة وعليها صورة ملكة الحضر التي قالت عنها أصاب قدميها التصحّر ، وكذا صورة حمورابي الذي لم يعد الان غير ملصق دعائي انتخابي …
خضرة الحياة في الماضي بمواجهة التصحّر الانساني القاسي حالياً، ومع ضغط الذكريات فرضت حالة مرضية أنت معرّضة للانفصال عن الواقع … بعد ان علم اختلاط القياسات الحسيّة لدي… وقوله ان دماغك بدأ يصاب بسوء الفهم للمؤثرات الخارجية فهو ينصب أدواته الدفاعية في مواقف خاطئة …
وأخيراً فان هذا النص في جوهره هو مكتوب أخضر و حلم أخضر موجّه لانسانة ربما تعيش أو عاشت سعيدة أو شقيّة في غربة المنافي قد تستذكر او لا تستذكر خضرة ماضيها وايام صديقتها ومدينتها، ولكنها تظلّ رغم بعدها المكاني ومجهولية حياتها الحاضرة تشكّل نبض الماضي وألفة الروح بالنسبة لشخصية القصة وهواجسها وحنينها لما بات الان شيئاً أو اشياء تشبه الحلم ومن الماضي البعيد البعيد…

/7/2012 Issue 4262 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4262 التاريخ 28»7»2012
AZP09