قراءة في كتاب النَّول والمِنْبَر

محمد السباهي

البصرة مدينة كتاب.. قراءة في كتاب النَّول والمِنْبَر
الدكتور عقيل عبد الحسين

مقدمة المقدمة:

البصرة في عيون البصريين

البصرة ليست مجرد مدينة، البصرة أرث وتراث حيّ يمتد في أفق التاريخ. مدينة تنبض بالفكر والثقافة والعلم. ليست مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل هي مرآة حية تعكس تأريخًا طويلًا من العطاء الفكري والمعرفي. منذ تأسيسها في القرن السابع الميلادي، كانت البصرة مركزًا إشعاعيًا للمعرفة والأفكار، ومهدًا للعديد من المدارس الفكرية والأدبية التي تركت بصماتها على الحضارة العربية والإسلامية.

إذا نظرنا إلى الأعلام الذين نشأوا في البصرة، وما تركوه من إرث فكري، نجد أن المدينة لم تكن مجرد حاضنة للمفكرين، بل كانت مدينة كتاب حيّة، حيث وُلدت فيها الأفكار الكبرى، وتطورت فيها المدارس الفكرية التي امتد تأثيرها إلى أرجاء العالم العربي والإسلامي. يمكننا، دون شك، اعتبار البصرة مدينة الكتاب، بناءً على إرثها الفكري العريق والمعرفي العميق. فهي لم تكن مجرد مكان ولادة لعدد من أعلام الفكر والأدب، بل كانت مركزًا ثقافيًا بارزًا أسهم في تشكيل المذاهب اللغوية والفكرية والأدبية، وترك بصمة واضحة على تطور الثقافة الإسلامية.
عندما نتحدث عن البصرة، لا يمكننا أن نتجاهل دورها كمركز معرفي، وهذا ما سعى الدكتور عقيل عبد الحسين إلى بيانه، حيث ازدهرت فيها حركة التأليف والترجمة والبحث العلمي. كانت البصرة موطنًا لكبار العلماء والمفكرين الذين أسسوا مدارس فكرية ولغوية وأدبية، مثل مدرسة البصرة النحوية، والتي كان لها تأثير عميق على تطور علوم اللغة العربية. كما كانت البصرة مركزًا للجدل الفكري بين المعتزلة والأشاعرة، وملتقى لأفكار إخوان الصفا. بل حتى حركة الزنج اتخذت من البصرة منطلقًا لها، مما أثرى الساحة الفكرية الإسلامية بأفكار جديدة ومناهج مختلفة.
.
المقدمة:

تبدو المقدمة غنية ومتعددة الأبعاد، حيث تقدم رؤية عميقة ومتنوعة لمدينة البصرة كمركز ثقافي وأدبي. بشكل عام، المقدمة ليست فقط تمهيدًا للكتاب ولكنها أيضًا دراسة ثقافية وأدبية عميقة لمدينة البصرة، تعكس فهمًا واسعًا وتقديرًا للتراث الأدبي والثقافي للمدينة. هذا النهج الشامل والمتعمق يجعل المقدمة مثيرة للاهتمام وغنية بالمعلومات، مما يشجع القارئ على الاستمرار في قراءة الكتاب.
يبدأ الدكتور عقيل عبد الحسين كتابه (تمثلات الذات في نماذج من القص البصري) بإهداء يحمل دلالة عميقة: (إلى بمبرة الجيران، تُثمَّر سنةٌ، وسنةٌ لا). تلي ذلك مقدمة يبدأها باقتباس مأخوذ من كتاب (بصرياثا)، للقاص محمد خضير، حيث يتناغم هذا الاقتباس مع عنوان الكتاب، مبرزًا فكرة (المنبر والنول) كشعار سري يعكس روح هذه المدينة.
تُقسم المقدمة إلى ثلاثة أقسام، هي:

البصرة مدينة كتاب

يتمثل هذا القسم البصرة كمدينة مليئة بالكتّاب، حيث يكتب سائقو الأجرة، بائعو الأسماك، وعمال البناء عن تجاربهم اليومية. يطرح سائق الأجرة مناظرات حول الطرق القصيرة والطويلة، مبرزًا شخصيات انبساطية تميل للاكتشاف، وأخرى انطوائية تفضل الإنجاز. بائعو الأسماك يناقشون تفضيلات سمك البحر والنهر، وكيف تعكس هذه الاختيارات هويتهم الثقافية. تعكس المقدمة تنوع المجتمع البصري وتبرز الثقافة الغنية والمميزة في المدينة من خلال الحوار والأفكار.

البصرة مدينة صاغة كلام

يعبر هذا القسم عن رؤية عميقة للأدب في البصرة ودوره في تشكيل الهوية الثقافية، إذ يتناول الكتاب (تمثلات الذات في القص البصري)، حيث تُصوَّر البصرة كمدينة تتميز بصياغة الكلام. يُشبه الكاتب البصري النساج، حيث يمتلك أسلوبًا خاصًا يمكن التعرف عليه بسهولة. لكن هناك مفارقة: يمتلك هؤلاء الكتاب غايات أخلاقية واجتماعية في قصصهم، يسعون من خلالها إلى توعية القارئ وإفادة المجتمع. يعود ذلك إلى تاريخ البصرة كمكان للعلم والوعظ، حيث كان أبرز العلماء والوعاظ يستخدمون القصص في وعظهم. يعكس هذا الجمع بين النول (فن النسج) والمنبر (الوعظ) الدور الاجتماعي والثقافي للكتابة في البصرة.
ويمتاز هذا القسم بالتأسيس لأسلوبية الكتابة البصرية يقول: (فإنني أزعم أن كاتباً من البصرة تعرفه من أسلوبه،)، وهذه الإشارة تُظهر أهمية الأسلوب، ومميزاته في الكتابة البصرية. وهو لا يكتفي بهذا بل يشرع بالتأسيس للبعد الأخلاقي وهو غاية الكتابة، أي تسليط الضوء على الدوافع الإنسانية والاجتماعية للأدب (ولكن البصرة، أيضاً، وتلك مفارقة يعجز النقد الأدبي في تفسيرها. صاحب منبر، أي أن عنده، دائماً. غاية أخلاقية كامنة في قصصه، يريد من القارئ إدراكها، والإفادة منها. وعنده هم اجتماعي، وإنساني). ولا يتوقف الدكتور عقيل عند هذا، بل يشرع باستعادة التاريخ الثقافي للمدينة، والربط بين التاريخ والتراث الأدبي في البصرة.
شكر الأصدقاء

واشتمل القسم الثالث على الشكر والتقدير للأصدقاء الذين قدموا المساعدة، وكانوا سبباً في انجاز هذا المشروع.
إن هذه المقدمة تُظهر مقاربة أدبية نقدية غنية تعكس عمقًا فكريًا في تناول القص البصري. عكست المقدمة فكرة غنية حول البصرة كفضاء أدبي، وعكست قراءة واعية للأدب البصري، خاصة في العلاقة بين التقاليد الأدبية البصرية والأسلوب الفردي للكتاب.

مدخل نظريّ

يقدم المدخل النظري تصورًا عميقًا ومتعدد الأبعاد لفكرة “الذات” في الأدب، وخاصة في سياق القصص البصرية. يطرح الكاتب، الدكتور عقيل عبد الحسين، تصورات أولية للذات ويقسمها إلى مستويات مختلفة، كل مستوى يعكس جانبًا من جوانب الذات في العمل الأدبي. هذا التقسيم يسمح بفهم أعمق لكيفية تمثيل الذات في القصص، وكيفية تفاعلها مع الواقع والثقافة والسياق الاجتماعي.
يقوم الكاتب بتقسيم الذات إلى مستويات (المُتولي، المؤدية، الدالة ثقافيًا) يوفر إطارًا نظريًا واضحًا لفهم كيفية تشكيل الذات في الأدب. هذا التقسيم يساعد في تحليل النصوص الأدبية بشكل منهجي، حيث يمكن للقارئ أن يتتبع كيفية تمثيل الذات في كل مستوى. يقول:
(سأضع للذات تصورات أولية، ثم أرشح منها ما أراه، قريباً من فهمي للذات.

الأول: المُتولي تحويل الفكرة إلى عنصر مشخص، أو منتج المعنى .

الثاني: المؤدية، في قصة مجموعة من الأفعال الرئيسة، المنتمية إلى موضوع.

الثالث: الدالة ثقافياً، أي التي تتصل بنوع من الممارسات الثقافية الموجودة في المجتمع، والواقع. وتساعد في معرفة أفضل لهما، ووضعها في القصة، له غاية ثقافية) ص:8.

وبعد ان ينتهي التقسيم الثلاثي للذات يشرع في بيان معنى الذات، أو ما يقصده ويعنيه بالذات في هذا الكتاب، يقول:
(ما أعني بالذات في هذا الكتاب؟ المتفق عليه أن القصة، والسرد، عموماً. تمثيل للواقع، أو للمرجع. وليست نقلاً حرفياً لهما. ويستدعي ذلك أن يبتعد المؤلف خطوة عن العالم السردي. ولكنه لا يختفي، لأن ثمة أمراً آخر علينا أن نتفق عليه، وهو أن السرد قصة ورواية – يُعبر عن قضايا المجتمع ومشكلاته، وله موقف من الواقع والمرجعيات دينية، وثقافية واجتماعية، المتحكمة فيه، فهو لا يستطيع أن ينأى بنفسه عنه، ويعتزله، وإن استخدم الرمز، والأمثولة. ومن هذا المنطلق الأخير، أي صلة السرد بالواقع ومرجعياته، اخترتُ في هذا الكتاب أن أخص بالذات الذات المؤلفة التي يكون لها دور ، ويكون لدورها دلالة ثقافية، ويكون لها موقع في العالم أو في النص، عبر شخصية تمثله، أو في كليهما، ويمكن من خلال تتبعهما، الدور والوظيفة، التاريخ للقصة، وفهم طبيعتها البنائية، والثقافية. أما كيف تشخص الذات، بهذا الفهم، فلا بأس من الإفادة من تصورات واين بوث، أبرز من كتب عن المؤلف الضمني، والحقيقيّ) ص: 9.
هذه الرؤية (التفسيرية) سعت لتقدم إطارًا لفهم تمثلات الذات في الأدب، (القصص البصرية). وبثقة كبيرة نزعم أن الكاتب نجح الكاتب في ربط الذات الأدبية بالواقع الاجتماعي والثقافي، مما جعل رؤيته للذات وتمثيلاتها قابلة للتطبيق على نصوص أدبية عديدة ومتنوعة خصوصًا في سياق البصرة.
حقب الذات والزمن:
يمعن الدكتور عقيل عبد الحسين في البيان والإيضاح يقول بعد أن يقوم بتقسيم الذات إلى حقب زمنية:
(أريد بالذات في هذا الكتاب الذات التي تعيش في حقبة زمنية لها ظروفها السياسية، والاجتماعية، ولها اشتراطاتها الكتابية، وتتلقى تأثير الحقبة فيها. وتظهر في القصة في حبكة، أو ترشيح أفعال معينة للشخصية الرئيسة، وفي رؤية وفي شخصية تواجه صعوبة وفي عنصر من هذا العناصر) ص:10.

حقب القصة في البصرة:
الحقبة الأولى يوسف يعقوب حداد في (الحبكة).

الحقبة الثانية، مثالها محمود عبد الوهاب في (ترشيح أفعال للشخصية الرئيسة).

الحقبة الثالثة، مثالها قصص محمد خضير، (في رؤية)

الحقبة الرابعة، ومثالها عدد من قصاصي البصرة، في شخصية تواجه صعوبة

ويرى الكاتب الدكتور عقيل عبد الحسين أن (الغاية من العناية بهذا النوع من الذات متابعة تمثلات الذات في نماذج من القص البصري التغيرات في الواقع، والمرجعيات الأدبية، وفي السياق الثقافي، وأثرها في القصة. وهي متابعة تُعرف القارئ على التغيرات الثقافية، والكتابية، في مدينة مثل البصرة، كانت وما زالت، منتجة حياة، وإبداع).

واشتمل الكتاب على عديد المباحث وهي مباحث على درجة من الأهمية:
(الذات في قضيتها/ ضغط القضية على الفن العائلة والأمة في قصص يوسف يعقوب حداد/ سؤالا الاهمال النقدي والأسلوب التقليدي./عن قصص العائلة مدخل تاريخي ونظري: أولاً الخطر/ ثانياً: المواجهة/ ثالثاً: الحل./ إجابات ضغط القضية على الفن/ الذات في مثاليتها/ محمود عبد الوهاب السيرة الكتابة/ حبكة المصير والذات المثالية/ العنونة عتبة الأعمال/ البداية الصاعد النازل/ رغوة السحاب العالم يأتيني/ رواية كبيرة سيرة صغيرة/ بصيرة الذات والقصة/ الذات في رؤيتها./ محمد خضير السلم إلى تغيرات الرؤية/ الموضوع ودراسته/ السلم وبناء القصة/ الارتياب/ الاختبار/ خلاصات/ تمثلات الذات في نماذج من قصص ما بعد 2003/ عن التمثيل والتمثل/ الذات الراصدة في العين والأثر/ الذات المنغلقة على ذاتها (المنبتة) في إغماض العينين/ الذات الخائفة في لا تقصصي القصص يوم الأربعاء/ الذات المسحوقة في لا طواحين هواء في البصرة/ الذات المثلومة في بيت التراب/ الذات المستطيلة على الزمان (الرائية) في طريدون/ الخلاصة ذات مهزومة…/ خاتمة الكتاب قصاصو البصرة نوليون).