في الذكرى 41 لرحيل هاشم البغدادي حياة وذكريات جديدة عن قنديل الخط العربي علي إبراهـيم الدليمي بغداد مقدمة لا أبالغ، بل هو الواقع الذي لمسناه جلياً، ان نقول بان مئة بالمئة من الخطاطين الذين درسوا الخط العربي، في مشارق الارض ومغاربها، قد تخرجوا من معطف مدرسة الخطاط العراقي الكبير (هاشم البغدادي) ولايزالون، من خلال كراسته الشهيرة (قواعد الخط العربي) التي صدرت عام 1961، حيث وضع فيها قواعد جميع أنواع الخط العربي، وقياساته الدقيقة.. كحروف مفردة أو مركبة، مزينة بلوحاته الرائعة التركيب. مسيرته الابداعية هو الخطاط الشهير المرحوم أبي راقم هاشم محمد الحاج درباس القيسي المعروف بـ (البغدادي) المتوفى في ليلة 27 ربيع الأول 1393 هـ الموافق 30 نيسان 1973، الذي يعد علماً بارزاً من أعلام الخط العربي في العالم العربي والإسلامي..وقد كان نموذجاً فريداً ومتميزاً للخطاط والفنان المتقن لفنون وشكلية الحرف العربي الذي أجاد بكل مايملك من موهبة وثقافة أكتسبها منذ طفولته لرسم الحرف رسماً دقيقاً متكاملاً سليماً,معافى، بعيداً كل البعد عن جميع التيارات التي حاولت إقلاع أصالة الحرف عن جذوره، أو تشتيته..وقد أضاف رونقاً جديداً لشكل الحرف وسيولة أبعاده، بعد ان أدرك أصالته ومرحلية تطوره منذ (سلالة الخط الحيري) حتى مدرسة الخط الفني المعاصر، فحاول من هذا الإدراك أن يعطي للحرف اكتماله وصورته المرنة، وعبر امتيازات اجتهادية فنية رائدة. لقد أستطاع البغدادي بقدرته الذكية ان يتفوق بجدارة على بعض الشوائب التي لازمت الحرف، فبادر برصد التجويد المتقن لملامحه وإدراك أسراره فجدد الأصول ونقح المناهج..رافضاً رفضاً قاطعاً المفهوم التجاري الذي يهدم بنيان فن الخط العربي، وعبر عن استيائه العميق في مسألة الخروج عن القاعدة التي رسمها أسلافه الخطاطون من قبله، كذلك لم يكن في نظره كتابة الحرف المعروفة، بل كان عالماً روحياً عميق الدلالة والمعنى. وقد أشتهر البغدادي بغيرته على قواعد وأصول الخط العربي وضبطها وعدم التسامح في تغيير صورته الجمالية، بل أكد على الابتداع في (التجويد) للحرف..ولو تفحصنا ملياً مسيرة البغدادي الفنية نلتمس بوضوح أنه قد رسم ملامح متميزة خاصة لصورة كتابة الحروف دون المساس او الاختلال في قواعدها، كما هو في خط الديواني مثلاً الذي رسمه وفق طريقة خاصة والذي يختلف تماماً عن الخط الديواني الذي عرفناه من كراسات الديواني للخطاط المشهور مصطفى غزلان، أو ديواني الأتراك. ان مثل هذا الابداع لم يأت بطريقة اعتباطية، بل جاء وليد مشقة مسيرة طويلة مليئة بالصبر العنيد والتضحية الجادة والولع الشديد وهيامه بحبه لفن الخط وقدسيته الدينية لمكانة الحرف الذي اخذها منذ صباه من خلال تعلمه وحفظه للقرآن الكريم على يد (الملالي)..ولم يتشتت البغدادي منذ بداياته في هوايات أخرى، فقد صب جل جهده ووقته لاستقصاء أسرار والغاز فن الخط حصراً، وكتابة المشوقات المستمرة, واجادته أنواع الخطوط العربية بضروبها إجادة تامة، كل ذلك جعل خطه يمتاز بالقوة والرشاقة وتنسيق جمالية التركيب، وتكوين الموضوعات الفنية بأشكال هندسية وزخرفية متناسقة فنياً وفكرياً، فضلاً من جعل كتاباته المتناظرة ايقاعاً موسيقياً جميلاً ذا قيمة جمالية عالية. ولد خطاطنا هاشم البغدادي عام 1917 في محلة (خان لاوند) ببغداد، وشغف بالخط العربي منذ صباه، وأخذ يتعلم قواعده وفنونه عن المرحوم (الخطاط الملا عارف الشيخلي) وكان من الطلاب المجتهدين والنشيطين في مجال الخط، إذ كان يستوعب أسرار فنون الخط بذكاء عجيب، كذلك أخذ يراجع العلامة الشيخ (الملا علي الفضلي) الذي كان يدرّس علوم القرآن الكريم واللغة والعروض واصول الخط العربي في جامع الفضل..وبقي يكتب ويتمرن والملا علي الفضلي يصلح له ويعجب بخطه ويشجعه ويوجهه، حتى منحه (الاجازة) بالخط العربي سنة 1943. وراح البغدادي يبحث عن آثار روائع فن الخط وأساطينه في المحاريب والقباب وواجهات الجوامع في بغداد وأستنبول وغيرها من الدول العربية..مجيداً الكتابة بشتى الأقلام اجادة تامة كشفت عن روح جديدة تترسم معالمها بفنه العظيم. وفي سنة 1937 عين خطاطاً مستخدماً في مديرية المساحة العامة, حيث ألتقى هناك بحكم عمله مع الخطاطين المبدعين أمثال صبري الهلالي وعبد الكريم رفعت وغيرهم حتى سنة 1960 حيث نقل ملاكه الى وزارة التربية واختير رئيساً لفرع الخط العربي والزخرفة في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وفيه تتلمذ على يده العديد من الطلاب الموهوبين وتميز بعضهم. وفي سنة 1944 سافر الى مصر لينتسب لمعهد تحسين الخطوط بالقاهرة، وقد عرض عليهم (الاجازة) وقدم كذلك نماذج من خطوطه .. فنالت إعجاب الأساتذة المشرفين على المعهد، وأتخذت ادارة المعهد قراراً بمشاركة البغدادي في الامتحان الأخير للصف المنتهي، فحاز على (الدرجة الأولى بامتياز)، وقد أجازه الخطاط الشهير (سيد إبراهيم) إجازة خاصة وكذلك الخطاط (محمد حسني) في السنة نفسها.. طلبت منه ادارة المعهد أن يبقى في مصر للتدريس في المعهد وبراتب مغرٍ فأبى. ولم يكتف البغدادي بهذه الشهادات الفنية، إذ كان طموحاً الى أبعد نقطة، فسافر الى تركيا لمشاهدة الخطوط الرائعة التي خلفها عظماء الخطاطين الأتراك أيام العثمانيين، إذ انه تأثر بالخطاطين الأتراك وأعتبرهم المثل الأعلى في التفوق. وفي تركيا ألتقى بالخطاط المعروف (حامد الآمدي) وهو آخر عمالقة الخط الترك المجودين في الخط وفنونه، وعرض عليه لوحاته , وكتب عنده فدهش (الآمدي) واعجب بخطوط البغدادي أيما إعجاب، فأجازه مرتين : الأولى سنة 1370 هـ، والثانية سنة 1372 هـ، وفيها من الثناء العاطر والإشادة الكبيرة ما يبين منزلة البغدادي وفضله وفنه وكفاءته. وبقي البغدادي يتابع سفره الى تركيا كل عام تقريباً..حتى أطلع بنفسه على كافة الخطوط الشاخصة في المساجد والمتاحف والمكتبات والقصور..إذ ان قدرته الفنية لم تتمثل في استخدام التقاليد الفنية السائدة، أو محاكاة الحروف وفق الطريقة التي ألفها الخطاطون وتعارفوا على رسم نقاطها أو تمديد بداياتها، وانما تمثلت قدرته وتجلت مهارته في تكوين الموضوعات الجديدة وتركيب حروف وكلمات النص وفق ابتداع حديث. وكان البغدادي يعطي للحرف حقه، وقد تمثلت براعته في ضبطه وتمكنه من معرفة وكتابة الخطوط معرفة لاينافسه فيها أحد، ولايضارعه في اجادتها بمجموعها منافس..وقد أهله ذلك لانتزاع القدرة على ممارسة أبداعية، لقد كان من أولئك القلائل الذين ظهروا في تأريخ العراق، وأبدعوا في مجال الخط العربي أيما أبداع، بل كان امام وشيخ الخطاطين قبل رحيله بلا منازع. أصدر البغدادي سلسلة من أربعة أجزاء في ( خط الرقعة) سنة 1946 وهي معدة للتعليم في المدارس الابتدائية، إلأ ان اصدار مجموعته الرائعة (قواعد الخط العربي) سنة 1961، كانت أهم وأرقى مجموعة للخطوط العربية كافة ظهرت حتى الآن في العالم العربي والاسلامي..بل تعد بمثابة (مدرسة) ابداعية وتعليمية شاملة. ومن آثاره المهمة كذلك التي يعتز بها كثيراً(مصحف الأوقاف) الذي طبعته مديرية المساحة العامة ببغداد لأول مرة سنة 1370 هـ باشرافه على نسخة للخطاط محمد أمين الرشدي، ثم أعيد طبعه في المانيا مرتين، وقد قام بتذهيبه وترقيم آياته وكتابة عناوين السور والأحزاب والسجدات، كما صنع له زخرفة رائعة (لفاتحة الكتاب وأول سورة البقرة)، فكان بحق تحفته الفنية النادرة والنفيسة، وقد وصل اليه (وسام تقدير) من البابا لفنه الذي استخدمه في زخرفة المصحف الشريف الذي طبعه في المانيا. كذلك زين البغدادي الكثير من المساجد في بغداد وأماكن أخرى في العراق بأروع مارصعته أنامله من خطوط الكتابة على سطور المحاريب والقباب والمآذن، فكانت في غاية الفخامة والروعة والعظمة في حسن التراكيب والتداخل بين الحروف، فضلاً عن تصميمه وخطه للكثير من المسكوكات والعملات النقدية لعديد من الدول العربية، وهذا ما يدل على انتشار صيته وشهرته ومكانته الرفيعة بين الدول والنخب الفنية. ذكريات الآخرين ذكريات جميلة وطويلة، عن البغدادي، يتحدث بها طلابه الذين تتلمذوا على يده، وهي بحاجة إلى مساحة كبيرة لاتتسع هنا لتفاصيلها، ولكن حاولت ان أقتبس بعضاً منها، لغرض التوثيق لدراسة وتحليل حياة وشخصية مبدعنا الراحل البغدادي: الفنان الخطاط د. روضان بهية، تحدث بأنه كان طالباً في قسم الفنون التشكيلية/ التصميم، ودخل علينا ذات يوم رئيس القسم حينذاك الفنان إسماعيل الشيخلي، ومعه رجل غريب لم أشاهده من قبل، فقال لنا الشيخلي، أقدم لكم الخطاط هاشم البغدادي .. الذي سيدرسكم فن الخط العربي في الاسبوع القادم، وخرجوا، وكنا فرحين جداً بهذا الخبر، ولكننا تفأجئنا قبل الاسبوع، برحيله. الخطاط المبدع حميد السعدي الذي تتلمذ على يده يوفي أستاذه بهذه الكلمات: بسم الله الرحمن الرحيم الرحمه والغفران الى استاذي هاشم محمد البغدادي، وفي هذا الوقت رجعت ذاكرتي الى سبعينيات القرن الماضي يومها كانت دراستي عند استاذي هاشم، كم كانت الدروس التى كان يكتبها صعبة وصارمة لكي يجعلني متمكناً في الخط، لقد تركت بصماته الاثر العميق في حياتي الفنية وتجذرت في عروقي وسوف نبقى اوفياء لك ولمدرستك استاذى، وهاهم الاوفياء يذكروك لانك زرعت الطيبة والمحبة في قلوبهم واسمك ابدا لم يختف طالما ابناؤك من بلدك ومن العالم الاسلامي في ذكراك ويقفون اجلالا لمسيرتك الفنية التي خدمت حرف القران الكريم وانا اتشرف لاني كنت آخر واصغر تلميذاً درس عندكم استاذي رحمة من الله انه السميع العليم. الخطاط والتوثيقي زهير محمد على، يستذكر بداياته مع القنديل الراحل: وانا في بدايتي، قد تولعت ولعاً كبيراً في كراسة البغدادي المتميزة، وقد وفقني الله فيما بعد ان أدرس على يده، إذ كان إنسان رائعاً، يأخذ بيد الطلبة المتميزين والذين لديهم رغبة التعلم الجادة، وكان رحمه الله متواضعاً، حيث كتبت له عندما كان في المانيا رسالة خاصة، رد الجواب عليها، وهو في زحمة شغله وعمله، وماأزال أحتفظ بالرد الجميل. الخطاط إبراهيم الحمداني قال: لقد تشرفت بالعمل مع الخطاط البغدادي، حيث كنت أهيئ متطلباته في مكتبه في المعهد، وكنت أحتفظ بأكثر قصاصاته الذي يكتبها، كتمارين ومشوقات.. وماأزال أحتفظ بكتابة دائرية جميلة لآية قرآنية، تبارك الذي بيده الملك، لم يعجبه خطها حينذاك، وأراد ان يمزقها ولكنني تلقفتها من يده، وأحتفظت بها. ذكريات رائعة وجميلة كثيرة، عن حياة ومسيرة وإنسانية قنديل الخط العربي (هاشم البغدادي)..لا تتسع لها صفحات الصحف والمجلات.. مثلما تتسع لها قلوب عشاقه وطلبته الاوفياء.


















