في التعليم وخيباته – سعيد عبد الهادي المهريج

في التعليم وخيباته – سعيد عبد الهادي المهريج

أن يصلني، عبر وسائل التواصل مثلما وصل الكثيرين، خبر مفاده أن العراق يدخل تحت التبعية الأكاديمية الأردنية في المجال الخاص بكليات الطب العام (البشري) مع دعوة (للخيرين) في بلدنا للتصدي للأمر والخروج عن الصمت واتهام وزارة التعليم بكونها سببا في هذا التدني.. خروجنا أمر محزن ووصاية الجامعات الأردنية حلٌّ علينا أنّ نتقبّله، وندفع ثمنه لأشقائنا، وآن الأوان أن ندرك أننا لا نستطيع أن ننافس بلدان الإقليم أو البلدان المجاورة في التعليم بشقيه الأولي والعالي؛ فالجامعات السعودية في طليعة التصنيفات الدولية، وجامعة طهران للعلوم الطبية مثالا متقدما، برغم الحصار الطويل المفروض على بلدهم، ولا يختلف الأمر في تركيا أو الكويت، أو قطر…

تدني التعليم ورفعته

بدءا علينا أن ندرك أن بلدنا بجميع مؤسساته بدأ يفقد توازنه مع أول اشتباك حدودي بيننا والجارة إيران.. الحرب أية حرب تحطم الإنسان من الداخل وتنخر كل منتجاته المادية والروحية (حضارته) كانت الحرب سلمة النزول الأولى، أعقبها الحصار الذي دمّر ما بقي من تعجيل تتحرك به مؤسساتنا التعليمية، وجاء الغزو ففتح أبوب الخرائب لنهب الناهبين، حتى أنهم جعلوا من النهب ثقافة تسيّدت، ومازالت حتى يومنا هذا. في ظل وضع مأساوي، كوضعنا، أجبر شريفه على الصمت أو الهروب. هل تستطيع وزارة ما أن تعيد ترميم خراب بهذا العمق، خراب انتشرت خلاياه السرطانية في جسد البلد أجمعه؟

لذلك نقول إن الانضواء تحت اعتماد إقليمي نوعا من الحل، أفضل من التغني بالماضي التليد. أما العمل على رفع مستوى التعليم في البلد فلا يحتاج إلا إلى برلماني يأنف من السمسرة الرخيصة، ومسؤول في التعليم اُختير لكفاءته لا لولائه، لعلمه وعلميّته لا لنفاقه ووصوليته. وقيادات حزبية معلومة المداخيل همها البلد لا المصلحة الخاصة. وهذه توصيفات كُتب الكثير منها فلا فائدة من إعادة القول فيها وتكراره. لكن ما أردت إيضاحه أن ليس بالإمكان أفضل مما كان!

الجودة ومسار بولونيا

لا شك أن مسار بولونيا التعليم، وهو المسار المعتمد من الاتحاد الأوربي يمثل واحدا من أنضج الأنظمة التعليمية. لكن ربط الجودة في التعليم بتطبيق هذا المسار فيه عسف وتعسف كبير. فمسار بولونيا هو عودة لتطبيق نظام المقررات.. وما أعلمه أن وزيرا للتعليم أراد تطبيقه فصوتت له هيئة الرأي في وزارته بالإجماع على تطبيقه، ودُبجت عشرات المقالات في أهميته، ثم جاء الوزير الذي أعقبه، وهو ابن للمؤسسة التعليمية، فرأى أن تطبيقه سيدخلنا في أزمة، فصوتت هيئة الرأي بالإجماع على صحة رأيه.. وجاء وزيرنا الحالي فعاد نحو نظام المقررات لكن من زاوية مسار بولونيا… وأيضا صوتت الهيئة بالإجماع.. العلة في الهيئة لا في النظام التعليمي… سيدي نظام المقررات هو أقدم نظام عرفه المسلمون في حلقاتهم التعليمية بمساجدهم، ومدارسهم. ونظامنا الدراسي الحديث (الأوربي المنشأ) حين طبقناه بعلمية، بعد بناء العناصر المناسبة لتطبيقه، جعل من بلدنا في طليعة بلدان العالم في التعليم.

تخلف التعليم ليس وليد المسار الدراسي، بل وليد مدرسة استاذها لا يملك مؤهلات الأستاذ، ومبناها متآكل خرب، والسلطة فيها للتلميذ أو الطالب لا للنظام. تخلف التعليم وليد أحزاب وتنظيمات شبه سياسية تعتقد أن شراء منتسبها للشهادة سيعزز من مكانتها في عيون جمهور بسيط أو ساذج. تخلف التعليم وليد تعيينات لم تخضع للفحص ولا للتقويم العلمي، بل خضعت للوساطة والمحسوبية. فكان أن تبوأ الجاهل مكانة العالم وانزوى العالم خائفا من بطش أصحاب النفوذ من الجهلة.

أنقذوا التعليم من الجهلة حملة الشهادات المشتراة، ومن ضغط السياسيين وأحزابهم، وامنعوا تدخلهم وتدخلاتهم، حينها قد تتفتح زهرة التعليم التي داستها بساطيل العسكر.

وطالما كان هذا الأمر مستحيلا، فلن يغيّر تغيير المسار التعليمي من واقع التعليم شيئا. بل قد يكون علّة أخرى في ظل وجود مؤسسات تعليمية حكومية وأهلية غير مؤهلة بالكامل.