فيصل إبراهيم : بعض الكتابات الروائية تؤسس مكانة ثقافية

فيصل إبراهيم : بعض الكتابات الروائية تؤسس مكانة ثقافية

الراهن العربي يعيش أسوأ فواصله التاريخية

وسام قصي

إنّ زمن الحداثة والعطاء والتغيير والاختلاف والخلاف ينبع منه كلّ ما هو خلاب وغير اعتيادي، وفيه تبرز أسماء كبيرة، ربما كان لها الأثر الكبير في اختصار المسافات للأجيال الآتية من بعدها .

فالأديب الحصيف – القدير – المبدع هو الذي يسخر جلّ ما حوله، لأجل انفجار رغباته وأفكاره وأحلامه السجينة والمختفية داخل أغواره.

فهدف الأديب الحقيقي هو إطلاق سراح أفكاره الخصبة، من الفضاء الداخلي إلى الفضاء الخارجي كيف ما كان الأسلوب المستخدم في التعبير وفي الطرح؛ ولأن العمل الجاد هو الذي يبرر حضوره ويمضي به إلى عوالم الخلود، والأديب فيصل إبراهيم اشتغل بوضوح وهدوء على التجديد المتواصل في كتاباته القصصية، وفي زمن إبداعي، أثبت تفرُّده، وتحددت ملامح اتجاهه لديه ولدى المهتمين بتجربته أو مرحلته ..

حرصت في هذا الحوار على تتبع أهم الآراء الإبداعية والجوانب التجديدية في المشروع الإبداعي للأديب فيصل ابراهيم، ولإثارة بعض القضايا الثقافية التي تتعلق بجائزة الإبداع لعام 2016 كانت لنا هذه الوقفة معه.

{ هيمنت الرواية على المشهد الثقافي مؤخراً وزاحمت الشعر، وأسست لنفسها شخصية مميزة، حتى في ظل تأخر النقد الأدبي لها، إذ لم يستطع مجاراتها، وحققت الرواية نجاحها، خاصة في ظل تطور وعي كل من المبدع والمتلقي .. إدراج السرد ضمن جائزة الابداع لعام 2016 هل يعد إضافة نوعية؟

 – عادة لا أجد تمايزاً يستوجب الإزاحة أو محاولات تفضيل جنس أدبي على أخر، كل الفنون تجتمع عند حقيقة واحدة أن تكون مع الإنسان ومنه تنطلق بأي شكل من أشكالها، لذلك أتمنى أن نسعى لتنمية جنس من الفنون يعاني من قلة الانتشار أو سعة التداول بروح الحرص على بقية الفنون لا من باب الإزاحة أو حجز مقعد الصدارة، فالشعر مثلاً .. ديوان العرب .. والعراق كان ويبقى بلد الشعر .. والرواية ليست بعيدة عن إطار الشعرية السردية لذا يجب أن نفرح حين نجد الرواية تنتشر ويتألق الشعر وتتوهج القصة القصيرة وباقي فنون الكتابة، لذلك أعتقد إن الرواية تحتاج إلى مزيدٍ من ارتقاء البيئة الحاضنة لها، قد نجد بعض الكتابات الروائية استطاعت أن تؤسس لها مكانة في المشهد الثقافي العراقي، لكنني مازلت أرى أن العراق بلد الشعر ثم بلد القصة القصيرة ، ولم تتحسن البيئة الثقافية و الاجتماعية بما فيه الكفاية لتمنع المعاناة التامة لجميع الفنون وليس للرواية فقط، نحن مجتمع أنتج ما يستطيع ضمن ما هو متاح من منافذ النشر أو ما يسمح به المناخ الثقافي بخصائصه المتأثرة دائماً بإرادة حاكمة غالباً، الأمر الذي أعاق كثيرا من نمو الفنون بالإضافة إلى أن الواقع المشتعل بالحوادث لم يعد قابلاً لأن نقولبه في نصوص ( سرية ) تقمع وضوحه الجارح، نحن يا صديقي نعيش أعنف لحظات التاريخ لأن أدواتنا وبيئتنا تحاصرنا بما يشبه زنزانات القهر مع كل ما يتناثر فوق رؤوسنا من حقائق ووقائع ومصائب تحتاج إلى الآلاف من أفواه المطابع كي تلتهم بعض معاناة الإنسان الذي صار ينظر إلى المبدع على إنه ليس سوى (مهرج فاشل ) في مسيرة التاريخ ، إنه يرى عجزنا ونحن نبصر آلامه وخساراته الفادحة دون أن تكون لنا وقفة ( شرف ) حقيقية لتفضح فاصلة هزيلة من فواصل التاريخ بكل رموزها وعلاماتها ووقائعها الكارثية، فكيف نقول إن الرواية حققت لها مكانة وأعرقُ كتابنا لا يمكن أن يطبع أكثر من ألف نسخة غالباً ما يوزعها على الأصدقاء أو أن يترك لدور التوزيع بيعها كما ترى في معارض الكتب الخارجية دون مقابل يرجوه سوى أن يرى أسمه مطبوعاً على غلاف من ورقٍ ملون.

{ هل ستسهم هذه الجائزة برفد الساحة الثقافية بأصوات أدبية تسهم بإضافات نوعية إلى تراكمات الحركة الأدبية والثقافية في العراق، وهي تختص بجنس الرواية باعتباره الجنس الأدبي الأكثر رواجاً في الراهن العربي؟

– بعيداً عن الترويج من جهة الجائزة ، أي الراعية لها لا بد من كلام صريح يهدم أسوار الماضي ومنافي الحاضر .. هل تعتقد يا صديقي أن الجائزة ستسمح للمبدع أن يفضح صاحب الصولجان وهو يمسكه في يمناه وفي اليسرى ( شدة البرسيم ) عل الشاة تنظر في أيهما نجاتها ؟ ، لن تجد من ينشئ صحيفة يمكن أن تفضح كل عيوبه،الجائزة ستبقى مجرد ( نكتة) باردة ما دامت تنطلق من يدٍ لا تجسر على أن تغسل نفسها من نجاسات راهنها، نعم سنشد على كل يد شريفة تعمل من أجل هذا الوطن وسنتبرع بدم ( كلماتنا ) لكل جريح تستهدفه مفخخة أو قذيفة ( عاهرة ) أو رصاصة غبية تساهم الجائزة في فضح من أطلقها عندها نحتاج إلى مئات جوائز الإبداع التي تتورد بما تمحوه من جراح الناس والوطن، لا أن نقدم جائزة يتيمة للرواية ونزيح القصة القصيرة أو غيرها عن المشهد الإبداعي، الأوجب أن نوجد جوائز لصنوف الرواية، وجوائز لمختلف فنون القصة القصيرة و أساليبها وهكذا بقية الفنون، نحن نحتاج أن نكون صادقين في جهودنا للارتقاء بالمشهد الثقافي أولاً وان نحسن بيئته كي يكون في وضع صحي يمنحه القدرة على المناجزة مع الآخر، والأهم ان نرتقي بفرصة المتلقي كي تتحقق المعادلة الحقة للإبداع ، لمن نكتب ولا احد يريد أن يقرأ ما نكتب، ويهزأ منه وهو الذي لا يمتلك ما يسد به جوع يومه ونطالبه بأن ينتبه لكلمات ترفنا المزيفة، فالحق أن نعتني بالجمهور أولاً وكلنا يعلم حاله اليوم، هل يمكن أن يقرأ صاحب الأطفال المحاصر بحقل من الجمر وبكيفية ترتيب لقمة العيش لأفواه جائعة كتاباً لا يسد حقيقة جوعه الروحي على الأقل كي يختصر به رغيف أطفاله ؟ ..

المشهد مكتظ بما يدمي , إنه فرنٌ مشتعل زاخر بالمصائب وليس سوى أن نرمم ما تبقى علّنا نعود لواقعٍ يمكن أن نقول فيه أننا مبدعون ( بلا تنطع ) وإلا فأن نغادر مواقعنا إلى شأن آخر هو الأفضل لنا…

ثم ألا ترى معي إن الراهن العربي يعيش أسوأ فواصله التاريخية وما يزجج وجهه الثقافي ليس سوى مهزلة مصطنعة تحاول أن تجمل وجوه أصحابها، لكني رغم ذلك على يقين أن الواقع المحرق بكل تفاصيله سينجز للقادم، ( تولستوي ، بوشكين ، حمزاتوف … ) آخرون ربما بعد قرون سيعرفهم القادمون لا من جوائز الإبداع ولكن بما أخفته يد التاريخ السرية.

{ الرواية لا يمكن أن تتحقق بعيداً عن البناء الفني الإبداعي نفسه، بكل حمولاته الأسلوبية وآليات حركته وفق عناصر تميز الشكل الأدبي عن غيره من الأساليب اللغوية .. كيف ذلك؟

– حين ابتكر البابلي بأِزميله الحجري لوحة الصورة كان يدرك أن الحرف قادم بعدها وأن المفردة ستولد وان اللغة ستصبح خارطة الإنسان أينما كان ، كل الفنون لن ترتقي إلا بلغتها، فللموسيقى لغة عالمية وللوحة منطوق عام وكذلك الرواية والقصة وغيرها على إن كلُّ زمن يحتاج إلى إن يبتكر الفن وسيلة تناسب زمنه وقد تسبقه أحيانا كي يبقى مستمراً وإلا فأنه سيندثر، ولذلك حين جئنا بوثيقة ( مدى ) أيام التسعينيات صيّرنا البعض ( حتى من النقاد ) ضمن أصحاب ألأجندات السياسية المضادة وعليه أوصدوا عنا أبواب الهواء في حين أن كل ما سعينا لأجله هو أن نمنح اللغة الإبداعية فرصة جديدة للحياة، اللغة كالكائن الحي لا ينبغي لها أن تحنط سواء على مستوى التبادل الشخصي _اللساني أو على مستوى الفنون لا يجب أن تبقى اللغة وعاءً جامداً نعبأ فيه ما نشاءُ من ظنوننا وأفكارنا، ولذلك جعلناها أكثر حياة حين فتحنا لها المسارات لتكون أداة توصيل وعنصر بناء في ذات الوقت، وهكذا يستوجب المشهد دائماً من كل أنواع الفنون أن تبتكر لغتها بحثاً عن خلودٍ شبه أبدي وهو ما حصل عبر أنساق الزمن وأنساق الفنون كما مع ملحمة كلكامش والإلياذة والثور المجنح ورسومات الواسطي وحتى مسلة حمو رابي التي جعلت من جسد الصوان شكلاً حياً حاملاً لحي آخر هو اللغة، لقد كانت تمضهرات النص المفتوح والقص المفتوح هي من أبرع ما أنتجته الحداثة الشرقية أقصد عربياً لأنها حاولت أن تفتح لنوع الفن نافذة أوسع ليطل منها على المشهد كي تعززه بما يغني، وعليه فإننا مطالبون دائماً أن نترك للفن أن يتمظهر كيف ما شاء دون ان يتخلى عن الأخذِ بوجع الإنسان ونحن نعيش نهايات ما بعد الحداثة التي أهدتنا الغث والسمين وكلُّ ما نحن فيه ألان من منتوجها المادي بكل قسوتهِ ( الغربية ) البعيدة قطعاً عن ( إنهم يقتلون الجياد _ أليس كذلك )، لتمنحنا في ذات الوقت ( واقعية سحرية ) تفوقُ الآف المرات ما سعى إليهِ (اليغو كاربرتين أو ماركيز أو ما ثينغو ) وغيرهم وفوق كل هذا لابد لنا على ما نحن فيه من أسى أن لا نغمض عيوننا عما ستأتي به (حضارة النانو ) تلك التي أعدت عدتها لابتكاراتٍ قد لا تدركها مخيلات البعض.  في البدء كانت الأساطير ثم الملاحم ثم الانفتاح شيئاً فشيئاً على وسائل التعبير، حيث عمل العقل على ابتكار الجديد الذي يتناغم وحركة التاريخ وهكذا وصلتنا في عصرنا الراهن إشكال متعددة للتعبير اتفق المنطق البشري على إجمالها في مفهوم جمالي واحد سماه ( الفن ) هو وعاء ذو أوانٍ وأذرع متعددة تستطيع استيعاب ما هو كائن، وفي كل فاصلة من التاريخ الثقافي للشعوب لابد من وثبة أخرى للفصل وإلا فلن يتمكن هذا الكائن الحساس ( الإنسان ) من أن يؤهل نفسه لما تستوجبه حركة التاريخ، لذلك نجد أن الفنون بمختلف حمولاتها تتعاضد بما يشبه الإجماع حتى وان كان دون اتفاق لتبتكر لنفسها مديات جديدة تطل منها على الواقع المتمرد هو الاخر على سكونيته، لأنه واقع فيزياوي بالأصل ليس للمادة من استاتيكية يقرها العلم فيه، فلقد اسطر العقل منذ وعيه الأول حركة الأشياء وصنع للآلهة مديات كان يبتدعها من خياله الأخاذ، فكان يصنع التماثيل ثم يودعها هواجسه ويطلق لها أجنحة تطير بها أو تغوص في عمق البحر، وهكذا نشأت أساطير الآلهة البابلية والفرعونية والإغريقية وغيرها ومع ثبوت الوقائع تدريجياً وبزوغ فجر الأديان السماوية ارتدّت مخيلة الصانع الأسطوري لتبدأ مرحلة أخرى هي ( هضم المفاهيم وإعادة إنتاجها ) .. وعلى العموم نحن الآن في زمنٍ تأسطر الواقع فيه حتى تعملق فوق طاقة المخيلة، لم يعد العقل والفن وحدهما من يتكفل بتخليق صورة لما يحدث بل صارا مجرد تابعين لمنتج يتسع مدفوعاً بقدرات تكنولوجيا ما بعد الحداثة مما يستوجب منهما، ( العقل والفن ) الإنطلاق بصواريخ ( ضوئية ) للتمكن من رصد ما يحدث، وعليه فإن كل حمولات الفن تحتاج لأن ترمي أسمالها البالية دائماً في حاوية التاريخ ( المؤقت ) لتبدأ شوطها الآتي والمستقبلي بما يناسب انفتاح الحياة والفضاء وما بعد القمر والمريخ لأن الكائن البشري لم يعد يتقبل حمولات وأدوات تجاوزها العطب.

{ في مجمل تفصيل الأعمال تكون اللجان التحكمية إما عن طريق ضوابط أكاديمية واقعية تحاكي الأشكال وتعزز المضامين الجوهرية بنسب معينة، أو تخضع لضوابط شكلية منفردة برؤية جمالية – حسية جديدة، أي التقييم ويتم وفق معايير فينة .. هل أنت مع هذا الرأي؟

– حين يكون الجو الثقافي العام معافى فلن نختلف على لجان التحكيم ولن يكن هنالك متسعٌ من المشاكسة سوى ما يفرضه الدرس الأكاديمي أحياناً مأخوذاً بمعطيات التطور الثقافي والعلمي وإفرازاته التنظيرية على مختلف العلوم مقترباً أو مبتعداً مما تنتجه المخيلة الإبداعية بعيداً عن شروط التقنين الحابس لقدراتها، وعلى الرغم من أن القوانين لا تصنع الإبداع بل الإبداع هو الذي يمنح القانون فرصةً للصيرورة فإننا بحاجة إلى منصة تحكيم تغوص في المنتج بلا قفازات لتلتقط الغاطس منه كي تقدمه للقارئ الذي سيصفق لها ويستمتع بما يجد، وعندما تتحرر هيبة التحكيم بشقيها الأكاديمي والفني الإبداعي من تبعات ( التقعر الفئوي ) وتتجرد منتميةً لذات الفن دون غيره فلن نخافَ من سوء تحكيم بل سنجد أن من يستحق هو من سننتظره مرفوعاً بأكف نظيفة تعانق بهجة الجمهور ولا نترك شيئاً لأسف أو ندم، نحن نمتلك كماً هائلاً من العقول النقية البارعة في شتى الحقول والتي يمكن أن تتكفل بإظهار ما يبهر لتدفعه إلى الإمام وتضعه في سياقه الصحيح من ذائقة مجتمعية نسعى جميعاً للارتقاء بها رغم كل شيء.

{  كيف نبني ضميرا فنيا يرتقي بالذائقة الفنية العامة وينهي التعتيم؛ لفتح مفتاح الضوء لرؤية جائزة الإبداع لمن يستحقها؟

– إن النخب العراقية عموماً على مستوى المؤسسات والأفراد بحاجة إلى أن تنزع عن نفسها أردية التشرذم والذاتوية والأنوية، وبحاجة لأن تتحرر من المفرزات السياسية والعقدية والعقائدية في التعامل مع المتن الفني لتمنحه أقصى فرص التحرر من القيود ( العاضة ) ، أو ( الجبرية ) أو غيرها كي نتمكن من إنتاج نموذج جديد يمكن أن يقدم صورة أخرى لثقافتنا ومجتمعنا أمام الجميع، نحن نعيش في أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وحتى أمنية فلا ينبغي أن نترك هذه الأزمات تتكالب لتقضي على ما يمكن أن يبرزه ( الفن ) بعيداً عن سطوة الهيمنات المتعددة.

{  كيف يمكن للنخب الثقافية والأكاديمية تفعيل جائزة الإبداع لتكون إضافة مهمة في مسيرة الإبداع في العراق؟

– نحن نملك اليوم مساحات جيدة للتعبير ( مؤسسات رسمية ، قطاع خاص .. منظمات مجتمع مدني ..نقابات ) وباعتقادي فإنها كفيلة إذا ما التفتت إلى التضامن مع جيوش المثقفين من أكاديميين وغيرهم لتقدم متناً ثقافياً كفيلاً بحفظ بنيتنا المجتمعية وتطهيرها من سوء ما حدث ويحدث، فقط ما علينا سوى أن ننتمي لثقافة بلا عقد واشتراطات لأننا حينها سنفقد زمام الأمر ونمضي إلى مجهول غير محمودةٍ عقباه.