فوكو وسعيد وسميث
لندن- الزمان
تكشف سارة ميلز بالتفصيل الافتراضات النظرية التي يتضمنها مصطلح الخطابDiscourse، وترصد تطوره عبر دراسة مصادره المعرفية كافة، مثل التعريفات المباشرة للمصطلح والتغييرات التاريخية التي طرأت عليه، تحليلات دقيقة للكيفية التي استعمل ميشيل فوكو من خلالها مصطلح الخطاب ومناقشة أبعاده في النظرية النسوية، نظريات الخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي، اللسانيات والأبحاث السيكولوجية والسيكولوجية الاجتماعية، وغيرها من الأمثلة لنصوص أدبية وأخرى غير أدبية توضح استعمال الخطاب مصطلحاً ومفهوماً.
مصادر الخطاب
يتضمن الكتاب ستة فصول، يتناول كل فصل مسائل تفصيلية تغني الموضوع تحليلاً ومناقشة. يقدم الفصل الأول تمهيداً نظرياً عاماً للخطاب تدرس فيه الباحثة مصادره أو مصادر فهمه بوصفه مصطلحاً تداخلت فيه حقول معرفية عدة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مثل النظرية الثقافية ونظرية الأدب واللسانيات النقدية والنظرية الثقافية، بالإضافة إلى تطور المصطلح بالنسبة إلى فوكو وعلاقته بالأدب بوصفه خطاباً تخيلياً من منظور بنيته الخارجية، وخطاباً اجتماعياً من منظور بنيته الداخلية، وغير ذلك من مفاهيم.
من ثم توضح الكاتبة الاستعمالات تفصيلياً، فتحدد في الفصل الثاني الخطاب والإيديولوجيا والصعوبة النظرية التي يواجهها بعض المنظّرين وحيرتهم، لدى استعمال مصطلح الإيديولوجيا، أمام نظريتين اختلفتا في التعامل معه هما النظرية الماركسية ونظرية الخطاب، وتنتهي ميلز إلى مقاربة كل من النظريتين، عبر تناولها مفهوم فوكو في الأغلب، فتوضح علاقة مصطلح الإيديولوجيا بالحقيقة وعلاقته بالذات وتعرج على علاقته باللغة والخطاب.
أما في الفصل الثالث البنيات الخطابية فتحلل ميلز التفكير البنيوي عموماً، لا سيما مسألة بناء القواعد التي تحكم نتاج النصوص وأنظمة الدلالة وأطرها، ذلك أن منظرين مثل رولان بارت وفوكو لم يهتموا في البنيات الثقافية للإنسان فحسب، بل في البنيات التي يمكن تتبع أثرها في الخطاب نفسه أيضاً. وتشرح ذلك كله عبر تناولها الابستيمولوجيا والبيان، تعدد الخطابات واختلافها، الأرشيف وإقصاءات الخطاب وتداوله.
خطاب الأنوثة
تبحث ميلز في الفصل الرابع النظرية النسوية ونظرية الخطاب خطاب الاعتراف وخطاب الأنوثة واللامثالية وحق استعمال الخطابات وصراعها، وتدرس الباحثة في هذا الفصل والفصل الذي يليه، محاولات قام بها بعض المنظرين، من أمثال ارين دايموند ولي كوينبي ودورثي سميث وسارة ميلز نفسها، للإفادة من عمل فوكو على الخطاب وتكييفه لأهداف أخرى تصلح أن تكون أدوات منهجية في التحليل النسوي. فقد اجترح هؤلاء المنظرون مفهوماً جديداً للخطاب يهتمّ، على الأغلب، بأبعاده السياسية وغاياته، وابتعد العمل النسوي، عندهم عن تقديم المرأة مضطهدة وضحية للوصاية الذكورية وحسب، فحاولوا بذلك صوغ طرائق جديدة لتحليل مقومات القوة بالنسبة إلى الأفراد وإلى المجتمع عموماً.
في الفصل الخامس تتناول الباحثة نظرية الخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي ما يصطلح عليه إدوارد سعيد بـ othringـ الأوخرة صناعة الآخر فنقدت، عبر باحثين آخرين، التراث الغربي الكولونيالي لا سيما البريطاني منه، وناقشت أغلب الدراسات النظرية التي بنيت على عمل سعيد الاستشراق فضلاً عن عمله بالطبع، فتبين أن سعيد، في عمله هذا، دمج بين مفهوم الخطاب عند فوكو وبين مفاهيم غرامشي للسياسة.
تؤيد ميلز سعيد في نقده لتعميمات الخطاب الكولونيالي، الذي يراه خطاباً واحداً موحداً وإن تعددت أساليبه، فسعيد لا ينظر إلى اختلاف النصوص الكولونيالية، كما فعل نقاده، بل ينظر إليها بوصفها خطاباً كولونيالياً متسقاً يهدف إلى التقليل من شأن الآخر المختلف، وفقاً للمعيار الغربي الذي يتجاهل الاختلاف الثقافي بين الشعوب ولا يرى سوى صورته المركزية المتفوقة.
لكن بعض نقاد تلك الحقبة ينظر إلى كتابات تلك المرحلة بوصفها نصوصاً لا خطاباً كما فعل سعيد، تختلف في درجة نظرتها إلى الآخر المختلف. تقرأ ماري لويس برات، مثلاً، كسل السكان الأصليين شكلاً من أشكال المقاومة، وينتقد بيتر هولم قول سعيد باتساق الخطاب الكولونيالي، موضحاً أن اصطدام الرحالة الغربيين بثقافات مختلفة جعلهم يشكّون بالتفوق الظاهر للحضارة الغربية، إذ أعاد ألفريد والاس، مثلاً، تقييم استغلال الطبقات العاملة في الحقبة الفيكتورية، وذلك بعد رحلته إلى أرخبيل الملايو 1872 واصطدامه بثقافة تؤمن بالمساواة بين أبنائها.
من جانبه لا ينكر سعيد اتساق الخطاب الكولونيالي الذي يؤاخذه عليه نقاده، بل على العكس يعتبر تحليله أساسياً لقراءة الخطاب الكولونيالي الذي يرى الشرق شرقاً واحداً يحتاج إلى عناية الغرب ونهضته بل وحتى خلاصه، مع اختلاف وجهات النظر عنه من عقائدية أرنست رينان وكارل ماركس وصرامة ودقة لين وساسي إلى خيالية أدبية غوستاف فلوبير وجيرار دو نيرفال.
في نهاية الفصل السادس تحليل الخطاب والسانيات والسايكولوجيا الاجتماعيةتوضح الباحثة أنها حاولت في هذا الفصل التمييز بين اللسانيين الذين يستعملون الخطاب بقصد تحليل عينة من بنيات نص طويل تحليلاً يهتم بتنظيم تلك العينة إلى درجة كبيرة، وبين اللسانيين والسيكولوجيين الاجتماعيين الذين استلهموا عمل فوكو لتطوير شكل تحليل يتغير سياسياً.
ويهتم محللو النص بالبنيات الداخلية لتفاعلات السياق القريب، فهم لا يربطون دائماً الحوارات الفردية بالبنيات الاجتماعية الأكبر، ولا يؤدي الإهتمام بالعلاقة بين التفاعل الفردي وبين البنية الخطابية والاجتماعية الأوسع إلى شكل من التحليل يكون معقداً ودقيقاً إلى درجة لا يمكن تميزه وحسب، كذلك يؤدي إلى تحليل ينقد نفسه بالنسبة إلى ادعاءاته عن الحقيقة، ويحذر من خطورة المعنى الذي ينسب بشكل ساذج إلى النصوص. فهو إذن أحد الأنواع التي تنصهر فيها مسائل اجتماعية كبرى مع مسائل تحليلية ضيقة النطاق، ولها إمكانية كبيرة في أعمال هذا الحقل المستقبلية.
دراسة شاملة
يوضح مترجم الكتاب غريب اسكندر في تقديمه لخطاب سارة ميلز بأن كتابها ليس مقدمة تعريفية للمفاهيم المتعلقة بالمنظومة الخطابية وحسب، على رغم أهمية ذلك، بل هو دراسة تشمل، بشكل تفصيلي أحياناً، مسائل نقدية ونظرية تتواشج بقوة مع مستويات الخطاب وطرق اشتغاله المتعددة، لذلك تقتفي ميلز، في كتابها طرقاً عدة لتتبع المصطلح ومعانيه المتشعبة، ابتداء من المعاني العامة له وليس انتهاء بمعانيه الخاصة، إذ غالباً ما يبقى الباب مفتوحاً على تفاصيل معقدة للغاية.
كل ذلك يعود إلى تاريخ تطور استعمال مصطلح الخطاب الذي تنوع بشكل واسع جداً، وينبغي ألا ننسى تأثير بعض من تلك المعاني العامة للخطاب على المعاني النظرية الخاصة به وهيمنته عليها، من قبيل أن الخطاب تواصل لفظي، وهو وحدة نص يستعملها اللساني لتحليل ظاهرة لسانية وغير ذلك.
لذلك يهدف كتاب ميلز إلى تحديد النصوص التي استعمل فيها الخطاب ليقلص، قدر المستطاع، من عدد المعاني الممكنة له، فعندما يتحدث اللسانيون مثلاً عن خطاب الإعلان يشيرون بوضوح إلى شيء مختلف تماماً عما يشير إليه السيكولوجي أو الباحث المهتم بدراسة التمييز العنصري وغير ذلك، وتستنتج الباحثة أن من شأن تعدد النصوص خلق تعدد خطابات يشير إليها بالطبع. وقد قدم غريب اسكندرفي نهاية الكتاب ثبتين اولهما للمصطلحات وثانيهما للمفاهيم الواردة في هذا الكتاب
AZP09


















