

محمود ابراهيم
يعتقد فنسنت فان كوخ بأننا نُمضي الكثير من حياتنا في تمرين غير واعي على فن التعبير عن أفكارنا بمساعدة الكلمات.
يمكنني أن أضيف كذلك؛ بأننا نستهلك جزء كبير من جهودنا في محاولات تعبيرية فاشلة نصر على تكرارها عبر الكلمات، ليسَ لأننا لم نُدرك طرق تعبير أخرى، لكن لأن التنشئة الثقافية وفي كثير من الأحيان، تعلمنا طرق تعبير غير جديرة بالنجاح.
…
من خلال الصورة يمكننا تخيّل انبهار أول إنسان شاهد ذات ليلة القمر وهو في طور البدر، لحظة الدهشة تلكَ تتكرر على وجه طفل رضيع ينام في حضن أمه فوق سطح المنزل في ليلة صيفية قليلة النجوم، وفي قرية ليس فيها كهرباء؛ يرى الدائرة الحليبية الكبيرة تطرد الظلام، وتنشر النور والجمال..
لكن تلك اللحظة لم تتبد قطعاً على وجه نيل آرمسترونغ لحظة نزوله على سطح القمر( الحقيقي وليس المتخيّل) في 21 تموز 1969.
….
إذن نحن بحاجة إلى الخيال من أجل تجاوز الكثير من صور القبح التي تطاردنا في الواقع من جهة، ومن جهة أخرى في سبيل نجاحنا في التعبير؛ إن كان ذلكَ بالكلمات، أو بالإشارات،أو حتى بالصمت.
٠٠
على خلاف ما لدينا من أفكار سلبية حول شهر آب اللهّاب، والذي من شدة حراراته يُذيب المسمار الذي هو في الباب، على الرغم من أنه، وفي ساعات الليل المتأخرة يصبح جلاب، أو جذاب بفعل تساقط قطرات الندى على أغطية النائمين فوق أسطح المنازل حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي في العراق؛ أقول على خلاف ذلك، يطلق الرسام الانجليزي اللورد فريديرك لايتن (1830-1896) عنوان (حزيران اللهاب” Flaming June) على لوحته، والتي قام برسمها عام 1895.
……
لا نعرف إن كان أسم الفتاة الفاتنة النائمة هو جون، أم أن حزيران الشهر الأعلى حرارة في بريطانيا هو من أغرى الرسام بإطلاق هذه التسمية؛ ولربما قام بجمع الأمرين معاً في لوحته؛ إذ يمكننا أن نشاهد سخونة الوجنات المتقدة كالجمر لفتاة متكورة حول نفسها، أجبرها نهار حزيران على النوم فوق أريكة قرب نافذة تطل على البحر، وبقربها باقة زهور حمراء؛ وهي ترتدي ثوب برتقالي شفاف تتبدى من خلاله مفاتنها المغرية، بالتزامن مع حرارة شمس الصيف التي تنعكس أشعتها الساطعة فوق صفحة البحر التي تبدو من وراء النافذة في خلفية اللوحة.
























