فنانون يرتقون جبال كردستان السليمانية لرسم أحلام النوارس**
ريشه بيد سبعة كفوف ترفع راية الأمل**
مازن المعموري – بابل
حين يمر المجتمع بأزمات تاريخية كالتي نمر بها في العراق ، فان الفن يصبح ضرورة تعبر عن احلام الناس بالسلام والمحبة التي ضاعت مع تصاعد التناحر والصراع السياسي بكل تمثلاته العنيفة منذ 2003 وحتى الان ، وهو ما جعل مجموعة من الفنانين يؤسسون تجمعا يهدف الى رسم احلام النوارس على سفوح جبال السليمانية ، وكانت الدعوة قد بدأت من الفنانة الكردية تريفا انور وامتدت الى فنانين من مدينة الحلة هم د.مكي عمران ، د. علي شاكر نعمة ، صلاح هادي ، محمد احمد ، مازن المعموري ، محمود شاكر نعمة جمعتهم الفكرة وحب الرسم وحلم الحرية المنتظر ، فكانت العلاقة التي تربط الواحد بالكل هي محور الفكرة التي اتفق عليها الفنانون طالما ان الواقع بات مفككا والمجتمع صار عرضة للشتات على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي ، لقد اصبحت هذه الرابطة حاجة ماسة للتواصل الحقيقي على ارض تعاني من التجزئة الإدارية والثقافية ، والسؤال ماذا رسم الجميع بعد كل هذا؟
على سفوح جوارته المخملية وهي تتعالى نحو السماء ، وتضم بين جنباتها وديانا وشقوقا حادة ، لكنها تنبض باشجار باسقة من الجوز وانواع مختلفة من الفاكهة التي تفيض على اهلها بالخير وعلى الاراضي الجبلية ألوان الخضرة الجميلة ، وفي الاعالي تبدو الجبال البعيدة بالوانها الرمادية ملاصقة لزرقة السماء الصافية.. هكذا كانت السيارة التي نقلتنا الى أعلى احد الجبال قد شارفت على الوصول حيث المكان الذي نرسم فيه ، وهو بيت رائع وحديقة كبيرة اتاحت لنا الحركة الحرة والمتعة في الاختيار.
كان العمل الجماعي على قطعة قماش من الحرير والأحبار المائية جديدا وغير مسبوق ، لكن الخبرة وضعت الامور في المسار الطبيعي ، فعبر الفنانون عن تصوراتهم كل حسب أسلوبه ورؤيته ، فشاعت ايقونة الحمامة كرمز للسلام في مساحة د. مكي عمران وامتدت اطراف الخطاطة لترتبط مع اوزات الفنان محمد احمد متداخلة مع رسم مازن المعموري الذي توسط العمل بشخصين ملتحمين ومحلقين بجناحي ملائكة ويعلوهما قمر مضيء ، في حين تواشجت معها ازهار تريفا انور ولقالق الفنان صلاح هادي الشهيرة برشاقتها المعهودة وليونة رقابها التي هيأت الفضاء لمشهد من الاهوار الجنوبية التي رسمها الفنان علي شاكر متجاورة مع مشهد شعري لرجل وامرأة متجاوران وفوقهما غيمة تمطر عليهما مشاعر الحب الدفاقة حيث يبدو الرجل وقد أهداها وردة حمراء بفرح جم.
حمل العمل الجماعي احساسا فياضا بالتواصل على المستوى العملي والنظري ، كما انه ساهم في انتاج معنى جديدا للمرحلة التاريخية التي تؤشر ضرورة ان نبقى في العراق شعبا واحدا ومكانا واحدا لايمكن له ان يتجزأ ، حاملين رسالة الى العالم تضيء المستقبل ويؤكد وجوده التواصل الحر مع الجميع دون قيد او فرقة طائفية ، مما شاع فضاء من الرضا والفرح في اجواء العرض في اليوم الثاني على قاعة المتحف الوطني ، حيث زاره العديد من محبي الفن والفنانين على اختلاف مشاربهم من رسامين وفوتوغرافيين ومسرحيين وطلاب ، وكان الاستاذ الفنان اسماعيل الخياط قد وجد تلك الفرحة تشع من وجوه النوارس الجنوبية ، فألهب الثقة بالمشروع وشاركنا فرحة العرض الذي عده مناسبة حقيقية للتواصل من اخوانه الفنانين من المحافظات الجنوبية فتحلقنا حوله لنستمع الى ذكرياته حول الفن العراقي في الستينات ومدى فعالية الحركة التجديدية في تلك الفترة ، لقد كان الفنان العراقي جمرة من التالق والانتاج الغزير حدّ الإدهاش.
الحقيقة التي عشناها في السليمانية كانت تؤكد الفارق الكبير في المنجز السياسي والمدني بين الجنوب والشمال ، كانت المشاهد العمرانية والثقافية واضحة المعالم ، واصبحت المقارنة مزرية امام ضحالة الواقع الخدمي في مدن الجنوب ، لكن الهدف الجمالي الذي اجتمعنا من اجله هو ما أشاع حلاوة الأمل في عيوننا لأننا نؤمن بالفن كخيار استثنائي للحياة ، وهكذا كان الحلم قد تحقق لعرض العمل في القاعة من اجل نشر الرسالة الانسانية الكبرى للفن والتي تؤكد دائما على ان الجمال اسمى من الصراعات السياسية وان العراقيين ما زالوا شعبا واحدا والى الابد.
تم عرض العمل في قاعة المتحف الوطني مع عرض فيلم لكل التفاصيل التي واكبت العمل من البداية وحتى النهاية ، فكان العرض منوعا وجديدا ساهم في اضفاء الفرح الاحتفالي بالعرض لتاكيد الانسجام الكبير فيما بين الفنانين من جهة وبين الجمهور المتابع لظاهرة العرض ، وربما استطيع القول انها المرة الاولى التي اشعر فيها ان الفن يملك القوة الفاعلة لاحداث تغيير جمعي واضح المعالم رغم ايماننا النظري بفعله التراكمي في المجتمع ، والحقيقة فان رسالة السلام والمحبة قد وصلت الى ابعد مسافة في العراق على يد النوارس الجنوبية معلنة حبها الكبير لكردستان العراق.
/7/2012 Issue 4262 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4262 التاريخ 28»7»2012
AZP09
























