فنانات يوظّفن اللوحات ضد التحيّز والعنف

هافانا‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬جمعت‭ ‬نحو‭ ‬60‭ ‬فنانة‭ ‬كوبية‭ ‬أعمالهنّ‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬واحد‭ ‬بمناسبة‭ ‬بينالي‭ ‬هافانا‭ ‬للفنون،‭ ‬سعيا‭ ‬منهنّ‭ ‬إلى‭ ‬إسماع‭ ‬أصواتهن،‭ ‬وتناوُل‭ ‬المواضيع‭ ‬الحاضرة‭ ‬في‭ ‬حياتهنّ،‭ ‬كجرائم‭ ‬قتل‭ ‬النساء،‭ ‬والعنف،‭ ‬والعنصرية،‭ ‬وصعوبة‭ ‬دخولهن‭ ‬فضاءات‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬وجودهنّ‭ ‬فيها‭ ‬مرفوضا‭.‬

وتشكّل‭ ‬اللوحات‭ ‬والمنحوتات‭ ‬والصور‭ ‬الفوتوغرافية‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬والعروض‭ ‬محتوى‭ ‬معرض‭ ‬بعنوان‭ “‬ألييناثيونس‭ ‬دل‭ ‬ليميتيه‭” ‬Alienaciones‭ ‬del Limite،‭ ‬موازٍ‭ ‬للبرنامج‭ ‬الرسمي‭ ‬للدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬البينالي‭ ‬الذي‭ ‬يقام‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2024‭ ‬إلى‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2025‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الكوبية‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أول‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬يشاهدها‭ ‬الزائر‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬المعرض‭ ‬الواسعة‭ ‬لوحة‭ ‬بعنوان‭ “‬أنا‭ ‬أرفض‭ ‬الصمت‭”‬،‭ ‬للفنانة‭ ‬ليسي‭ ‬أوفاريل‭ ‬التي‭ ‬تستكشف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬مشاكل‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعنصرية‭ ‬في‭ ‬كوبا‭.‬

ولا‭ ‬تتردد‭ ‬الفنانة‭ ‬البالغة‭ ‬33‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬وإلى‭ ‬جانبها‭ ‬ابنتها‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬عربة‭ ‬الأطفال‭ ‬إن‭ “‬كوبا‭ ‬مجتمع‭ ‬متحيز‭ ‬بعمق‭ ‬جنسيا،‭ ‬وعنصري‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬النواحي،‭ ‬وحتى‭ ‬كاره‭ ‬للنساء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭”.‬

وتؤكد‭ ‬الفنانة‭ ‬التي‭ ‬صفّفت‭ ‬شعرها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬ضفائر‭ ‬زرقاء‭ ‬أن‭ “‬الأصوات‭ ‬تتصاعد‭ ‬أعلى‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭” ‬للتنديد‭ ‬بجرائم‭ ‬قتل‭ ‬النساء،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بفضل‭ ‬الإنترنت‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬متوافرا‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬مما‭ ‬أتاح‭ “‬إبراز‭ ‬المشكلة‭ ‬أكثر‭”.‬

ويُترجَم‭ ‬كلامها‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬لوحاتها‭ ‬الزاخرة‭ ‬بالرسائل‭ ‬ضد‭ ‬جرائم‭ ‬قتل‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭ ‬والعنف‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والميل‭ ‬الجنسي‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال‭.  ‬ولدى‭ ‬الجزيرة‭ ‬الشيوعية‭ ‬قوانين‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬للجميع،‭ ‬وقد‭ ‬شرّعت‭ ‬الإجهاض‭ ‬عام‭ ‬1965،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جائزا‭ ‬قانونيا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭. ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬الفنانات‭ ‬الكوبيات‭ ‬يتفقن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكّل‭ ‬تحديا‭ ‬في‭ ‬بلدهنّ‭.‬

ففي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬70‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الكوبيين‭ ‬الذين‭ ‬تزيد‭ ‬أعمارهم‭ ‬عن‭ ‬15‭ ‬عاما‭ ‬كانوا‭ ‬يزاولون‭ ‬عملا‭ ‬مدفوع‭ ‬الأجر‭ ‬أو‭ ‬يتابعون‭ ‬تحصيلهم‭ ‬العلمي‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬إلاّ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬45‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الكوبيات،‭ ‬وفقا‭ ‬للمرصد‭ ‬الكوبي‭ ‬للمساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭. ‬وأشار‭ ‬المرصد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬60‭ ‬امرأة‭ ‬وقعن‭ ‬ضحايا‭ ‬جرائم‭ ‬قتل‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬36‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفق‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬المجموعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لدول‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬ومنطقة‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي‭.‬

غير‭ ‬إن‭ ‬جمعيات‭ ‬نسوية‭ ‬مستقلة،‭ ‬ومنها‭ ‬الفرع‭ ‬الكوبي‭ ‬لمنظمة‭ “‬أنا‭ ‬أصدقك‭” ‬Yo si te creo‭ ‬أحصت‭ ‬89‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬طاولت‭ ‬نساء‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

ويدفع‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الفنانات‭ ‬إلى‭ ‬استكشاف‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬التمييز‭.‬

ويلاحظ‭ ‬المؤرخ‭ ‬الفني‭ ‬وأمين‭ ‬المعرض‭ ‬آلاي‭ ‬فوينتيس‭  ‬أن‭ “‬لدى‭ ‬الكثيرات‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفنانات‭ ‬تجربتهنّ‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬تجربتهنّ‭ ‬القريبة‭ ‬مع‭ ‬العنف،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عنفا‭ ‬بدنيا‭”. ‬ويضيف‭ ‬أن‭ “‬العنف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬عدم‭ ‬إمكان‭ ‬إقامة‭ ‬معارض‭”.‬

وفي‭ ‬مبادرة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬التضامن،‭ ‬تشارك‭ ‬فنانات‭ ‬معروفات‭ ‬في‭ ‬المعرض‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المبتدئات،‭ ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬فنانة‭ ‬تخضع‭ ‬للرقابة‭ ‬لأنها‭ ‬تحدّت‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مسموح‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭.‬

فزايدا‭ ‬ديل‭ ‬ريو‭ ‬البالغة‭ ‬70‭ ‬عاما‭ ‬والحائزة‭ ‬جائزة‭ ‬الفن‭ ‬الوطنية‭ ‬لعام‭ ‬2023،‭ ‬تعرض‭ ‬عملا‭ ‬عن‭ ‬موضوعها‭ ‬المفضّل‭ ‬وهو‭ ‬المرأة‭ ‬الطير‭.‬

‭ ‬وتشارك‭ ‬الفنانة‭ ‬لين‭ ‬كروس‭ (‬47‭ ‬عاما‭) ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬بفيديو‭ ‬تتناول‭ ‬فيه‭ ‬رفض‭ ‬السلطات‭ ‬عملها‭ ‬وطريقة‭ “‬إقصائها‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭ ‬الثقافية‭ ‬الرسمية‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يشرح‭ ‬أمين‭ ‬المعرض‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الفنانة‭ ‬الموجودة‭ ‬خارج‭ ‬كوبا‭.‬

وفازت‭ ‬لين‭ ‬كروس،‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬كاتبة‭ ‬مسرحية‭ ‬وممثلة،‭ ‬بجائزة‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬أمستردام‭ ‬الدولي‭ ‬للأفلام‭ ‬الوثائقية‭ ‬الهولندي‭ ‬عن‭ ‬فيلم‭ “‬كرونيكا‭ ‬ديل‭ ‬ابسوردو‭” ‬Crónica del Absurdo‭ ‬الذي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬إنتاجه‭ ‬مع‭ ‬المخرج‭ ‬الكوبي‭ ‬ميغيل‭ ‬كويولا‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الصور،‭ ‬تبرز‭ ‬أعمال‭ ‬ماريا‭ ‬إيزابيل‭ ‬فيدا‭ ‬وينتر‭ (‬40‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬لقطات‭ ‬بعنوان‭ “‬خيط‭ ‬أريادني‭” ‬تشكّل‭ ‬تفسيرا‭ ‬حميما‭ ‬لهذه‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬الأساطير‭ ‬اليونانية‭.‬

وشرحت‭ ‬المصوّرة‭ ‬قائلة‭ “‬كم‭ ‬منا‭ ‬نحن‭ ‬النساء‭ ‬لم‭ ‬يتعرضن‭ ‬للتمييز‭ ‬ولم‭ ‬يضطررن‭ ‬للقتال؟‭ ‬يأتي‭ ‬وقت‭ ‬يتعين‭ ‬عليك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬تلد‭ ‬نفسك‭”. ‬واسفت‭ ‬لكون‭ “‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬كوبا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جنسية‭ ‬جدا‭”.‬