فلاح الشابندر يتلاحم مع النسيج النصي

فلاح الشابندر يتلاحم مع النسيج النصي

الأبعاد الدقيقة لعرض الجزئيات الصغيرة

احمد البياتي

( فحم وطباشير ) مجموعة شعرية صدرت عن دار العراب للطباعة والنشر وهي من القطع المتوسط وتضمنت  33) ) قصيدة شعرية .

الملفت في قصائد الشاعر فلاح الشابندر في هذه المجموعة تلك القدرة التصويرية البارعة للمشاهد وكأنه يرسم لوحة تجريدية نفكك رموزها بتأملنا وقراءتنا العميقة ، كما أن هناك حسا موسيقيا في نصوصه ، إذ أنه يرتب المشاهد تصاعدياً وتنازلياً وكأننا نسمع سيمفونية وبذلك يخلق تناغماً مع الحالة والفكرة بأسلوب غير تقليدي ولا مباشر والأدوات الشعرية عند الشاعر فلاح كانت تتكاثف وتتساند ضمن نسيج نصي متلاحم من اجل التعبير عن التجربة الوجودية والإنسانية التي تشكلها الذات الشاعرة ، بوصفها فعلاً إبداعياً خلاقاً في فضاء رحب وفسيح ، كما أن صياغته للقصائد كانت بمهارة عالية إذ أنه حدد مفاهيم عدة مما زادها قوة ووضوح وأعطاها مساحة واسعة للتعبير والتصوير .

في قصيدة ( غرف متجاورة ) ص 71 يقول :

موجة لجة وقشة

رقصة ضراعة للخلاص ..،

لكل .. رقصته

وإذا ماانزلق إصبعُ المجنونِ على الوتر

أنا وظلّي رقصةٌ وراقص

من الغرفةِ المجاورةِ ( سمعتُ الأرقَ يسقطُ من حافةِ السرير )

غادرتُ غرفتي .. ،

لم يعدْ موجوداً سواهُ في المنتصفِ يتعثرُ ….. يتبعثرُ .. يدورُ..

يبحثُ عن خطاهُ .. يتعكزُ على ذراعي .. ! .

اذ شكلت اللغة عنده في كتاباته الشعرية ركناً أساسياً ومهماً على اعتبار أنها موطن الهزّة الشعرية وإنعاش وتجسيد للفاعلية الشعرية واختزال لكيانها المادي ، لذلك جعلنا الشاعر في هذه المجموعة نتحسس الدلالات الساطعة من حيث البناء في هيكل القصائد الممتلئة بالحرارة والشاعرية . والنقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان ليست نقطة خارجية بل هي في حقيقتها تداخل محتدم ينضح بالدم والحرارة والشفافية .

في قصيدة ( فراغ ) ص 44 يقول :

تطلُ العزلةُ

برأسها الثقيل ..!

ليسَ اكبر من رأسِ خنفساءْ …!

أمَّننْتُ عليه في الجرّار

جَرّااااااااار …

واجترحتْ شرخاً

يتغذى عليه ذاكَ الأرق …!

مذ ذاك الحين ..

يراني الفراغُ .. فراغاً

ابحث كتابا ..

يعتمر قبعة البئر …،

صياغاته الشعرية رقيقة وعذبة وصوره عميقة ومعظم قصائده في هذه المجموعة يتخطى فيها حدود المصير البشري عاكساً رؤيته على ذاتيته ليحقق التجسيد الحميم والإتصال الرمزي بحقيقة مايبوح به ، في نصوصه يلجأ الى التحليل ورسم الأبعاد الدقيقة وعرض الجزئيات الصغيرة التي كثيراً ما تتكامل وتنمو لإعطاء الانطباع النهائي لموضوعة النص عند المتلقي .

في قصيدة ( فحم وطباشير ) ص 83 يقول :

مايدونُه الفجرُ الساهرُ على السرابِ العالي

قطراتِ ندى

على حرفِ المجردِ العاري ..

وتُشرقُ الدهشةُ

ركضتُ الدهشةَ ..!

ركضتُ الصوتَ القادمَ لي

ركضتُ على سبعةِ رمالٍ

…. تحطُّ وترحلُ على ظهرِ الريح ..!

وبلغتُ الصوتَ … مغارة

لعلّها ….. المفازة ..،

يُقرئني السلام ……… يُقرئني الماءَ

يُقرئني هذا هذا مغتسلٌ وشراب

لغته الكتابية اتسمت بطاقة تعبيرية هائلة عكستها مفردات نصوصه بما تحمله من دلالات ثريّة وكساها بالعديد من الإيقاعات ، كما أنه أمتلك قدرة على الاختزال من خلال صياغته البلاغية التي أثرّت نصوصه ، هذه التشكلات الجمالية المبتكرة يمر بلحظة الدهشة المتجانسة مع الأبنية الجمالية التي يقترحها النص ولحظة التلقي الإبداعي الذي يكون عنصراً مشاركاً في بناء الكون التخييلي عن طريق ملء فراغات النص وان ما يجعله نصاً تفاعلياً هو الجو العام الذي كتبت فيه القصيدة إذ يستعين الشاعر بمختلف وسائل التعبير من اجل توصيل رسالته الى المتلقي .

يبحث عن المفردة الجميلة والكلمة الشفافة عندما ينفجر المكبوت تأخذ الذاكرة بالتجول في أروقة العقل ، هاربة من جدار الصمت معلنة عما كان مسكوتاً عنه في شتى الصور المختلفة وتبدأ الذاكرة بالتقاط صورها ، عائدة لذكريات تاريخها المنسي ومجسدة احساسها بجسد الكتابة عندما تبدأ القصائد الشعرية في تصوير الخلجات النفسية ، نرى بأن تلك الخلجات تمثل أصدق تعبير للمشاعر والأحاسيس .

في قصيدة ( فهرس البحر ) ص 137 يقول :

ليس للمجنون سوى لعبته ..

ويدميها مزحاً

العاصفة أنجزت شعائرها ..،

فقاعة تنحلّ كالدمع

من غصن الخريف ..!

الحلم …

أتلمس صعودا اليه

أسأل الباب اليه

فاتني اللحاق به

سيّرني الآخر ..،

سيّرني الأجرد

لعلي أرتقب اليه

تلبّسنا باليقظة

وراح يجوب بي

في صوره الشعرية الصدق والوضوح مبتعدا عن العبارات الفضفاضة متقصياً ومتحرياً حتى تتبين له الصورة الشعرية الشاخصة في رؤياه النافذة عبر أشكال وأحوال مختلفة، كما انه امتلك احساسا كاملاً في التعبير والاسلوب فاعطانا نحن القراء والمتذوقين للشعر مانريد ، والبوح عنده أحسسناه وحدة قائمة بذاتها من حيث التنظيم واتصال الاجزاء عبر تساؤلاته التي يحاول فيها الحصول على اجابة لارائه وانثيالاته الملحة التي يعتقد انها ضرورية لتثبيت منهاجه الشعري. وفي قصائده يلجأ الى التحليل ورسم الأبعاد الدقيقة وعرض الجزئيات الصغيرة التي كثيراً ماتتكامل وتنمو لإعطاء الانطباع النهائي لموضوعة النص اللوحة الشعرية هي بحد ذاتها ذكريات مكبوتة تلملم بعضها صارخة بايحاءآتها المنسية ، انها ذات تتكلم ، لأنها توحي بلغة مكثفة للصمت الذي يفجر المعاني المخفية بما يثير المتلقي ويحرّك لغة انفعالاته وطاقاته التعبيرية.

في قصيدة ( حس ) ص 23  يقول:

في يوم

كان .. زمناً .. أكبر منه ، سناً أصغر منه

بين وهمٍ مضى ، وآخر ينتظر على قارعة فراغ

بطيء …،

أقدامه تواقيع تطفو باتجاه

إما .. أو

في الخمسين من عمره

رجل القرية في مقهى المدينة

على تخت المقهى ..،

هناكَ

يكتب اجتراره

يمضغ اجتراره

صار الاجترار جسداً …!

تكريساً للعزلة والكسلْ

تثاءبت الظهيرة

ثملت ذبالته …!

والنفي بينهما ينسج الزمن

المعدوم / بزاحم الحقيقة

العنوان يمثل العتبة الأولى التي يلج منها القارىء الى عالم النص ، والشاعر عليه ان يبذل عناية قصوى لمسألة اختيار العناوين بإعتبارها نصوصاً موازية لها أهمية كبرى في ، ففي الشعر نبحث عن الإبداعات وبخاصة مايتعلق بالجانب الإنساني كي نفهم طبائعنا ونتعرف على سر وجودنا في هذه الحياة . امتلك قدرة عالية بإحداث تفاعل جدلي بين المتلقي وعالم الشعر الذي يسوح في ميادينه فأعطانا نصوصاً ثرية بصياغة رصينة وإحساس مرهف ، كما انه ادرك وبقناعة تامة ارتباطه بالشعر ومن هنا كان ابداعه من خلال التجربة التي عاشها في واقعه فعمد الى إضفاء بعض السمات عليها وعبر عنها فنياً .

في قصيدة ( عندما الجوع امرأة ) ص 53 يقول :

ناس من أسفل

سطرٌ واحدٌ .. حبلُ الغسيلْ

أقرأ ورقة التوت ..،

العتمةُ في الفراغ ، خميرةُ ذبابْ ..،

تستثيرُ كلاباً تنبحُ الذنبَ والخوف …!

عندما الجوعُ … امرأة ..،

عريها ..

عُريها امرأة

راقصتني

ناراً ومرايا

عُريها …

ولا يجزعُ الظل ، إذا ما اجتُرحَ بالفضةِ

تدعوني رغبة بها

عناصر القصيدة عنده تكمن في التراكيب والصورة الشعرية والموسيقى مضافة الى تجاربه الإنسانية قد ولّدت عنده هذه الشعرية المتقدة والتي من خلالها تمكن من تجاوز المرئيات الى الكليات ، وتبرز القدرة الإبداعية عنده عندما يسعى الى بناء النص تارة من خلال التداعي الحر أو من خلال الواقع وعدم ميله الى الخطابية أو التقريرية المباشرة تارة أخرى ، ويسعى الى بناء نصه الشعري من خلال تموجات ذاته الشعرية التي يجعلها تعيش حالة من التجلي .

في قصيدة ( صفر مايلي ) ص 87 يقول :

شكل ملامح الضرب في الاحتدامات

من دفقٍ

يتسطَّح سورات ماءٍ

تتلاشى ……

هنا….،

صفير الصفر من المهاوي الراقدات

يتصاعد نسغ غبار

يوطَّن نفسه ويبرر الهروب ..!

صفقتُ البابْ

فتحت الباب شهقة

يتلوّى الصفر غباراً

هامة ضامرة بالغة الطول ..!

العمل الشعري يرتبط بالرغبة الجامحة في نفس الشاعر للبوح ونشر الحقائق عبر اضوائها الروحية المخزونة في ممرات نفسه الإنسانية ، لذلك تمكن الشاعر من ان يوضح اشارة دلالة المقطع التالي بالذي سبقه بطريقة رائعة جداً متسمة باللمحة الشعرية المصاغة بدقة ، واحساسه الصوري جميل للغاية وبهذا فقد اضاف بعداً جديداً لنصوصه عن طريق التجسيد الحسي من حيث التكثيف والإيماء لصرخاته المنطلقة من داخل نفسه الإنسانية ،إضافة الى خلقه نوعاً من التوافق النفسي بينه وبين عالمه الخارجي أي بين كلمة وأخرى مستندا على الدلالة دون اهمال دور الصوت في التعبير.

في قصيدة ( استلاب ) ص 92 يقول :

ما..

يجول في خاطر الشمعة

أوّ ينطفئ الاحتفال ؟

وينتزع الفتيل …!؟

الأماني الغافيات في عينيه

وتقول فيه ..

يأتلف الوهم …………………. سرابا

عصفورة نذرت للعطش … رقصة

حطتْ

على

كوز الماء

كوز تراب ينفعل ………….. سرابا

في حدائق الشمس …

النص الشعري يبحث عن معنى للحقيقة ،فان المعنى الملتقط يكون تحت أوجه عدة ، لذلك فان عودة النهاية في النص الى احضان البداية والتواشج معها يعني تشابك اللحظة النفسية واللحظة الشعورية مع لحظات التأمل في جوانب أخرى .