فكرة النظام الذي فشلت الثورة في إسقاطه
سمير درويش
منذ بداية النهضة في بداية القرن التاسع عشر، وحتى ما قبل ثورة 1919، لم يكن المصريون فاعلين في المشهد السياسي، ولم تكن لهم إرادة سياسية يملونها على حكامهم، فحينما انتهت ثورتهم عام 1804 على خورشيد باشا التي انتهت بخلعه من قبل الباب العالي في تركيا، عادوا إلى شئونهم، واجتمع المعممون في غرف مغلقة لاختيار حاكم جديد، فجاء محمد علي الذي حكم وورَّث الحكم لأبنائه، ولم يكونوا فاعلين كذلك عندما هب أحمد عرابي ضد تمييز الضباط الأجانب على زملائهم أبناء الفلاحين. لكن في ثورة 1919 كان انحيازهم واضحًا لفكرة الاستقلال عن طريق التفاوض مع المحتل، وعرض قضية مصر في المؤتمر الدولي، فكوَّنوا أول جماعة ضغط مصرية حين فوضوا سعد زغلول- كتابة – بالتفاوض باسمهم، راغبين في إقامة دولة حرة لا تمييز فيها، تلحق بركب الدول المتقدمة.وقتها انتبه البريطانيون إلى هذا التطور النوعي الذي أنذر بنقل المصريين من تجمُّع عشوائي، إلى شعب منظم له مصالح يضغط من أجل تحقيقها، فأحسوا بالخطر، وأوكلوا إلى بعضهم دراسة الأمر، فنشأ اقتراح إقامة جماعة دينية مضادة للجماعة الوطنية، استغلالاً للمكانة التي تحتلها فكرة التدين عند المصريين منذ القدم، فأنشئت جماعة الإخوان المسلمين وأخذت وقتها حتى اشتدت وانتشرت بين الناس بالعمل الدعوي والاجتماعي، ثم السياسي كتطور طبيعي لوجودها، واحتكرت فكرة حراسة الدين وضمان عدم الانحراف عنه باعتبار أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، فلم يعد الصراع وطنيًّا بهدف التحديث كما كان في بداية ثورة 1919، بل صراع بين فكرة التحديث وفكرة ملائمة ذلك للدين حسب تفسيراته المختلفة، لذلك – مثلاً- اهتم جمال عبد الناصر في صراعه مع الجماعة أن يبدو خادمًا لفكرة الدين مخلصًا لها، فأنشأ إذاعة القرآن الكريم، وأولى الأزهر اهتمامًا خاصًّا، كما اهتم بمكانة مميزة لمصر في المؤتمر الإسلامي. وكذلك – ايضاً – كان الصراع الظاهري في حرب تحرير الكويت دينيًّا، يستخدم فيه كل طرف الآيات التي تخدم فكرته ليبدو أمام الشعب أقرب إلى الحفاظ على الدين من الآخر.هذا (النظام) الذي تخلَّق نظام ذو وجهين، سياسي وديني، الصراع الرئيسي فيه يقوم بين العسكريين الذين استولوا على الحكم في يوليو 1952، وبين الدينيين، بين أغلبية تحتكر المصالح والنفوذ وتصنع شبكات مصالحها، وتشكل أغلبية واضحة في قصر الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية والحكم المحلي، وأقلية دينية تلهب ظهر هذا النظام بتفسيراتها الدينية للقرارات السياسية، ليس بهدف الثورة عليه، ولكن للحصول على نصيب من الامتيازات التي يوفرها النظام لأتباعه، من الأراضي والمباني والوظائف والمنح والعمولات.. إلخ. أحيانًا كانت الفكرتان المشكلتان للنظام تتصادمان بعنف، كما في مشاهد إعدام سيد قطب واغتيال أنور السادات ورفعت المحجوب وقتل السياح الأجانب والتمثيل بجثثهم في الأقصر. وفي أحيان تتوافقان كما في اتفاق أنور السادات- عمر التلمساني، الذي على إثره أفرج السادات عن المعتقلين، وترك مساحة لأنصار تيار الإسلام السياسي لخوض انتخابات اتحادات الطلاب والنقابات العامة، بهدف الحد من تأثير اليسار بشقيه الماركسي والناصري، الذي كان يمثل ضغطًا رهيبًا عليه. واستمر التوافق في عهد حسني مبارك بدرجات متفاوتة. وكان تجليه الأكبر حين اصطحب المجلس العسكري الشيوخ إلى مواقع التوتر الطائفي بعد يناير 2011.قوة أي طرف من طرفي (النظام) ووصوله لأهدافه كانت تستلزم بيان تهافت الطرف الآخر أمام المصريين الذين عادوا لمقاعد المتفرجين، يتابعون عن كثب تلك المشاهد، فالشق العسكري يحاول أن يبين عنف وضلال وتطرف الشق الديني، وهذا يحاول أن يركز على الانحراف الأخلاقي، خاصة في المجالات التي ترتبط أكثر بالأخلاق: في الثقافة والفن والإعلام، والحوادث المفتعلة في هذا المجال قريبة ومعروفة، أهمها في الثقافة مثلاً معارك “أولاد حارتنا”، و”وليمة لأعشاب البحر”، و”الروايات الثلاث”، والمعارك المتتالية حول “ألف ليلة وليلة”. وفي الفن المعارك التي تدور حول تحريم الغناء، ومشاهد العري في التمثيل، وفتوى الشيخ الشعراوي- وهو من هو- بأن اللمس في الأفلام حلال بين زوجين في الحياة، وحرام بين غريبين!لذلك.. في ظني أن الحراك الثوري الذي بدأ في 25 يناير 2011 كان يستهدف القضاء على فكرة النظام ذي الوجهين هذا، ونقل الصراع من أخلاقيات القرار السياسي، إلى معركة التحديث التي تضمن إقامة دولة حرة ديمقراطية، تهتم بالتعليم والتكنولوجيا والصحة، وتحترم الحريات العامة والخاصة، ولا تقتحم الخصوصيات تحت أي مسمى كما في الدول الغربية.ما حدث أن النصف الضعيف من النظام وجدها فرصة لتبديل الأماكن، بحيث يصير هو الواجهة التي تستأثر بالمزايا لقادة الجماعة وأنصارها، وللتيار الديني بشكل عام، ورمي الفتات للآخرين الذين تقهقروا- مرحليًّا- تحت ضغط الشارع الذي اتهمهم بالفساد السياسي والمالي، وتمت اتفاقيات بين رموز التيار الديني مع عمر سليمان الذي سرعان ما خرج من المشهد، ثم مع محمد حسين طنطاوي، ضمن فيها العسكريون- في مرحلة تراجعهم- تنصيب عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، فانتظر فرصة مواتية في إطار هذا الصراع المستمر بين وجهي النظام، وأزاح الإخوان عن السلطة محتميًّا بالحراك الثوري الذي ما يزال مستمرًّا، ليعيد ترتيب الأوضاع لمصلحة الشق العسكري مرة أخرى، وفق نفس الفكرة القديمة، التي استلزمت إعطاء الأزهر- كمؤسسة دينية شرعية موالية- دور الحارس الأخلاقي على القرار السياسي.عبد الفتاح السيسي- إذن- لم يساند الثورة بتبني أفكارها في تغيير شكل (النظام) الحاكم في مصر، بل في إطار الصراع داخل نظام هو أحد رجاله، وتربى داخله، وما يزال يدين بالولاء له، بدليل أنه لا يقترب من طنطاوي- عنان المتهمين بقتل الشباب والتمثيل بجثثهم وتقديم بعضهم لمحاكمات عسكرية سريعة وسجنهم لفترات طويلة في السجون الحربية، وبتعذيب البنات والكشف عليهم في سابقة لم تحدث من قبل، ولأنه هو نفسه يميل إلى التدين، وانعكس ذلك على خطابه السياسي، فلم يقدم حلولاً علمية مدروسة وانحيازات فكرية لها تجلياتها السياسية والاقتصادية، بقدر ما قدم رؤى توفيقية أخلاقية، لا تهدد مصالح رجال النظام الذين أثروا ثراء فاحشًا منذ منتصف السبعينيات، وفي الوقت ذاته لا تخرج عن مجال التفسير الديني للقرارات السياسية، وإن غاب الإخوان المسلمون- حراس هذا التفسير- في السجون، ومن شأن هذا- لو نجح- وأد الحراك الثوري الذي كان يستهدف إحلال الفكرة بأخرى، وهذا هو الأقرب في نظري.هذا ما راقبته على الحالة السياسية في الفترة الأخيرة، وعلى تحركات وأقوال رجل النظام القوي الجديد عبد الفتاح السيسي. أكثر المتفائلين ينتظرون منه أن يعيد تطبيق توجهات جمال عبد الناصر في الانحياز للفقراء، داخليًّا، وإعادة مكانة مصر على المستويين العربي والدولي، مع القضاء على جماعة الإخوان المسلمين بالسجن والاعتقال وتقييد الحركة ومصادرة الأموال.. إلخ، وأنا لا أجد ما يمنع نجاح هذا السيناريو- مرحليًّا-، في ضوء ما يتمتع به السيسي من شعبية بين المصريين تمكنه من فعل ما يريد، إن أراد هذا بالطبع، لكنني أشك أن هذا سيستمر في المستقبل، من ناحية لأن الذي سيأتي بعد السيسي لن يتمتع بنفس شعبيته التي اكتسبها من ظرف استثنائي لا يتكرر كثيرًا في الفترات المتقاربة، ومن ناحية أخرى لأن فكرة النظام ذي الوجهين نفسها لم تتغير، فيعود الدين إلى المساجد، ويهتم السياسيون والاقتصاديون بالتحديث في محاولة للحاق بما يحدث في العالم، هذا العالم الذي يبدو محافظًا على أن نظل دينيين أكثر منا، لأنه يعلم أن في ذلك تخلفنا وتراجعنا للوراء، ويقضي على فرص تقدمنا إلى الأبد.


















