من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي
19
غموض يكتنف رحلة وفد عراقي بطائرة حربية مصرية عام 1946 – طارق النجار
بغداد
المقدمة
لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.
كانت الحكومة العراقية قد قررت ارسال وفدين احدهما مدني برئاسة وزير العدلية جميل عبد الوهاب والاخر عسكري برئاستي الى لبنان بحضور مهرجان احتفالات عيد الجلاء الذي سيصادف اليوم الاول من كانون الثاني 1947 . فسافر الوفد المدين يوم 28/12/1946 في طائرة احدى شركات الطيران، اما نحن الوفد العسكري المتكون من:
أ. العقيد الطاهر محمد الزبيدي
رئيسا
ب. المقدم الركن علاء الدين محمود
عضوا
ج. الرئيس الاول الركن عبد الرسول منصور
عضوا
فتقرر سفرنا يوم 31/كانون الاول 1946 على ان نركب في ثلاث طائرات عسكرية من نوع (أنسن) وعلى ان تشترك هذه الطائرات الثلاث بعد نزولنا منها في المهرجان الذي سيقام: ممثلة القوة الجوية العراقية، وقررت وزارة الدفاع ايضا ارسال فصيل مشاة يشترك بدوره في المهرجان كقوة رمزية يمثل الجيش العراقي … فجئت بسيارتي العسكرية من جلولاء الى بغداد يوم 30/12/1946 . وفي اليوم الثاني عند الصباح ذهبت الى المطار بالسيارة المذكورة، فوصلت المطار في الساعة 7,00/ السابعة صباحا، وكان الجو مكفهرا بالغيوم الكثيفة التي تنبعث منها زخات مطر متقطعة، وكانت ثلاثة طائرات من نوه (انسن) جاثمة على ارض المطار (مطار المثنى) يقود الطائرة الاولى: امرا الرف الرائد الطيار كاظم عبادي . والطائرة الثانية الرائد الطيار سالم عبد الرحمن النقيب والطائرة الثالثة النقيب فتحي توفيق الحاج عذار .. كان في المطار في وداعنا كل من العميد الركن الطيار سامي فتاح (آمر القوة الجوية) والعميد الركن حسين مكي خماس مدير الحركات. كان ذلك الصباح غائما كليا وممطر.
وكانت احدى الطائرات المصرية الصغيرة الحجم ومن نوع (دوف) للركاب، جاثمة على ارض المطار . وكان قائدها طيارا مدنيا مصريا (يرتدي الطربوش) على رأسه، فدعانا العميد الركن سامي فتاح لمشاهدة هذه الطائرة التي كان العراق لايملك طائرات مماثلة لها .
اثناء ذهابنا لمشاهدة الطائرة المذكورة، طلبت من آمر الرف الرائد الطيار كاظم عبادي، ان يضع حقيبته امتعتي في طائرته التي كان من الاصول ان اركب بها نظرا لكوني رئيس البعثة العسكرية . فاجابني الطيار الموما اليه المقدم الركن علاء الدين محمود . قد وضع حقيبته فيها، فهل تأمر ان انزال حقيبته واضع حقيبتك في محلها ؟ .. فاجبته: لا دعه يركب معك .. فجائني الطيار فتحي توفيق الحاج عذار وسالني هل اضع حقيبتك في طائرتي؟.. فقلت له: لا.. انتظر، وكرر علي نفس السؤال ثلاث مرات وانا اقول له: انتظر، ثم ذهبنا انا والعميد الركن حسين مكي خماس وشاهدنا الطائرة المصرية (الدوف) وسمعنا شرحا عن خواصها من قبل طيارها، وكنا طبعا برفقة قائد القوة الجوية العراقية العميد الركن سامي فتاح وبعد الانتهاء من مشاهدة الطائرة المصرية صرنا نتخطى في ارض المطار، واذا (بالمرحوم) الطيار فتحي توفيق الحاج عذار يراجعني ويعرض علي وضع حقيبتي في طائرته للمرة الرابعة، فرفضت طلبه وقلت له: لا اريد ان اركب معك.
وكانت الطائرات الاخريان العائدتان لكل من الطيار الرائد كاظم عبادي . والطيار الرائد سالم عبد الرحمن النقيب في وضع الاقلاع، وهما ينظران مجيء الطائرة الثالثة (طائرة الطيار النقيب فتحي توفيق الحاج عذار) لكي يبدأوا بالاقلاع معا ويوضع تشكيل ثلاثي، وسألت قائد القوة الجوية أي من هؤلاء الطياريين الثلاثة اقدر واحس في قيادة الطائرة ؟ . فأجابني كلهم جيدون ولكن أهدأهم فتحي توفيق .! وبالرغم من هذه الشهادة بحق توفيق ., وتركت المرحوم فتحي توفيق وركبت سيارتي العسكرية التي كان سائقها العريف محمد . وذهبت الى الطائرة التي يقودها الرائد الطيار سالم النقيب. وقلت له: اريد ان اركب معك ياسالم.
فقال: سيدي لايوجد محل شاغر عندي . فقلت له: انزل احد ضباط الصف من طاقم الطائرة وارسله ليركب في طائرة فتحي توفيق الحاج عذار، فانزل ضابط صف برتبة نائب عريف مع الطيار فتحي توفيق . وركبت في طائرة سالم.
الرف المشؤوم
وخلال لحظات افلت الطائرات الثلاث ودخلت في غيوم كثيفة سوداء، وقد قدر قائد طائرتنا الرائد سالم النقيب خطورة الموقف في ذلك الجو الغائم المصحوب بزخات مطر شديدة. وزوابع رعدية كثيفة وكنت اجلس وراء الطيار مباشرة، اقرأ مجلة الوادي وكان يجلس في الكرسي الذي خلفي العريف اللاسلكي. فأضطر قائد طائرتنا الرائد الطيار سالم ان يسطر برقية الى آمر الرف الرائد كاظم عبادي يقول فيه (نظرا لجلوسي على الكرسي الذي يقع وراء قائد الطائرة وامام العريف اللاسلكي. كنت اطلع على جميع البرقيات التي تبودلت بين الرائد الطيار سالم عبد الرحمن النقيب وبين قائد الرف الرائد الطيار كاظم عبادي، حيث كنت (همزة وصل) بين قائد الطائرة والعريف اللاسلكي اقرأ واطلع على برقياتهم ذهابا وايابا..). ان الجو لايشجع على استمرارية الطيران اقترح العودة – فجاء جواب آمر الرف كما يلي: لنستمر قليلا بالطيران عسى ان نتخلص من الغيوم.. فتريث قليلا وعاد وكتب برقيته الثانية قائلا: الاستمرار بالطيران مجازفة بحياة الركاب. فجاء جواب آمر الرف: تقدم الى الامام لقيادة الرف. نظرا لعلمك الحجم في هذا الطريق لكثرة ذهابك وايابك فيه .. فاجابه الطيار سالم ببرقية الثالثة: أي نقطة دالة مرئية لاستدل بها اثناء قيادتي للرف؟.. اكرر واقول اقترح وآصر على العودة وان لم توافق فأعود بمفردي. فقرر قائد الرف الموافقة واعطى ايعازه (ابدأ). وكنت في ذلك الحين. انظر الى الطائرتين الآخريتين. واذا بطائرة آمر الرف تتسلق الى الاعلى وتغيب، وتنزل طائرة (المرحوم) الطيار فتحي بصورة عمودي الى الاسفل وهي بأقصى سرعة طيرانها. وبلحظات غابت الاخرى عن الانظار، فنزل قائد طائرتنا الرائد سالم بطائرته في منطقة مجردة من كل اثر الا من (كوخ) واحد بمسافة (200متر) من محل نزول طائرتنا. وكان قد حدث شق في غلاف الجناح الايسر لطائرتنا. فبعد ان شاهدنا ذلك الخلل اقر قائد الطائرة معاونه الطيار الملازم الاول ناصر زاده بأن يصلح ذلك الخلل وتوجهنا الى الكوخ لنستفسر عن محل نزولنا لكي ابرق الى وزارة الدفاع واشرح لهم ماجدت لنا وموقفنا الذي نحن فيه. فتركنا الطيار ناصر زارة وهو يصلح خلل الطائرة (التي لو لم تكن عناية ورحمة الله لتمزق الجناح بدخول الرياح الشديدة فيه ولذهبنا كلنا ضحية انفجار الجناح.
قهوة الرجل البدوي
(والآجال بيد الله) وعند وصولنا الكوخ الذي كان محاطا بالشوك . ناديت بأعلى صوتي (منو هنا) فخرج فورا شخص أسم ممثيلي حيوية. وبعد حواء دار بيني وبينه شكرته وودت ان انصرف، فلم يوافق وقال: (كالعادة العربية) لايمكن ان تذهب ويجب ان اذبح لك خروفا وانك الان في ضيافتي، فشكرته ثانية ورجوته ان يأذن لي بالانصراف، فلم يوافق. واخيرا قال طيب – اذن يجب ان (تتكهوه) بمعنى يجب ان تشرب قهوتنا، فوافقت حاسبا ان القهوة حاضرة وامر طحنها بسيط واذا بالرجل ينادي على ولده، ويطلب منه احضار القهوة فاحضرها (نيّه) غير محمصّة. فشعل النار وحمص القهوة ثم دقها في الهاون ثم باشر بطحنها، وهكذا وانا واقف ومنتظر حتى شربنا فنجان القهوة العربية واكرمت ولده بنصف دينار بخشيشا قام ودعناه وانصرفنا انا وصاحبي الطيار.. وعدنا الى الطائرة وابرقت الى مديرية الحركات شارحا موقفنا بصورة موجزة وقائلا: بانني سأطير الى الحبانية. ومن هناك ساتصل بهم تلفونيا واخبرهم بكل ماحدث بصورة تفصيلية.
ثم ركبنا الطائرة وطرنا الى الحبانية، وكان الجو لايزال مكفهرا بالغيوم مصحوبا بزخات مطر متقطعة فوصلنا الحبانية بسلام والحمد لله.. وبعد نزولنا في الحبانية شاهدنا امر الرف الرائد الطيار كاظم بعادي قد سبقنا في النزول في المطار المذكور. وحيث ان المطار كان مطارا بريطانيا ومعسكرا خاصا بهم، فقد كان ذلك هو يوم 31/12/1946 يوم عيد رأس السنة في المعسكر وبهذه المناسبة كان جميع منتسبة من ضباط ومراتب بريطانيين (مجازين) وكان المعسكر خاليا الامن ضباط ومراتب الخفر، وكان حانوت المعسكر ايضا مغلقاً بطبيعة الحال وبما ان طائرتينا كانت تحتاج الى الوقود، فراجعت مقدم الخفر الجوي، ورجوته ان يزودنا بالوقود الذي تحتاجه طائرتينا وبينت له اسباب هبوطنا في مطارهم. فرحب الرجل بنا وامر بتزويد الطائرتين بكل ماتحتاجانه من وقود وغيره. فشكرته وبينما كانت الطائرتان تستكملان احتياجاتهما اجمعت منتسبي الطائرتين ضابطا وجنودا، وكنت مستصحبا معي مقدارا لابأس من الطعام (صاندويج) مشكل، ومع الطعام مقدارا لايستهان به من الفواكه . فجلسنا كلنا وتغذينا مما قسمه الله (جلت قدرته) وحمدناه على نعمه.. وفي الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم 16,00 اتفقنا على العودة فاتصلنا ببغداد تلفونيا مستفسرين عن حالة الجو، فاخبرونا بأن الجو لايشجع على الطيران والعودة. ولكنا برغم ذلك طرنا ونحن نقاسي شدة الزوابع والامطار الغزيرة والرعد والبرق.. فوصلنا مطار بغداد (مطار المثنى) في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والخمسين، فنزلنا من الطائرتين، وكل من كان في المطار كان في حيرة من امرنا، كيف طرنا وكيف وصلنا؟.. كل شيء بقضاء وقدر – فركبت سيارتي العسكرية وذهبت فورا الى وزارة الدفاع وواجهت كلا من وزير الدفاع شاكر الوادي ورئيس اركان الجيش العراقي الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري وآمر القوة الجوية العميد الركن سامي فتاح وكانوا مجتمعين في غرفة آمر القوة الجوية. وكان في صحبتي الرائد الطيار كاظم عبادي (امر الرف المشؤوم) في سفرتنا الى لبنان وحيث ان الطيار كاظم عبادي لم يطلع على كيفية نزول طائرة (المرحوم) فتحي توفيق الحاج عذار وانني كنت الوحيد شاهدا لكيفية هبوطها. اعطيت معلوماتي على ضوء ما رايت وشاهدت وقلت في نهاية الحديث ان الطائرة المذكورة هوت وارتطمت بالارض وانتهى امرها. اما الرائد الطيار كاظم عبادي فكان رأيه يخالف رأي وآصر قائلا: انه قد نزل نزولا اضطراريا في (محل ما) فبقينا نتجادل في امر مصير الطائرة المذكورة حتى العشاء من ذلك المساء. واخيرا تم القرار على ارسال برقية الى متصدقية لواء الرمادي، لارسال قوة من الشرطة للتحري عن الطائرة هذا من جهة ومن جهة اخرى نيط امر التحري من الجهة العسكرية الى (المرحوم) المقدم مدحت امين الذي كان يشغل منصب مدير الاستخبارات العسكرية، وعلى ان تقوم القوة الجوية بالاستطلاع والاستكشاف بواسطة طائراتها الاستطلاعية . فنفذ هذا القرار في صباح اليوم الثاني الباكر أي يوم 1/1/1948 . وبعد التحري لمدة يومين كاملين، عثر على حطام الطائرة في تمام المكان الذي هوت فيه (كما قلت) وكان قد توفى كل من كان فيها (رحمهم الله) ولشدة اصطدامها بالأرض وجد ان الحفرة التي احدثتها في الارض باصطدامها هذا قد بلغ عمقها (1,5) متر ونصف المتر، وان قسما من شقق الحقائب واجزاء من اجسام من كان في الطائرة شوهدت على مسافة (200 مئتي متر) من مركز سقوط الطائرة. فجيء بالضحايا واجريت لهم مراسيم التشجيع والدفن بين الآهات والحسرات.
وبعد هذا الحادث قررت وزارة الدفاع الغاء الاشتراك في مراسيم الاحتفالات بيوم الجلاء . وبطبيعة الحال الغيت البعثة العسكرية. وبالغائها عدة الى مقر عملي في جلولاء. وبقيت البعثة المدينة وحدها مشتركة في احتفالات الحكومة اللبنانية في عيد الجلاء الفرنسي عن اراضيها.
























