عودة الأسلحة الكيميائية إلى الأضواء
عماد علو
عاد الحديث عن استخدام الاسلحة الكيميائية يشغل حيزا” واسعا” في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة خصوصا” بعد تبادل اطياف من المعارضة والسلطات السورية الحاكمة اتهامات حول استخدام أسلحة كيميائية في مناطق من سوريا ، ما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا، في حين تقول دول غربية إن لديها معلومات على استخدام مثل هذه الأسلحة في الصراع الدائر اليوم في سوريا ، وتهدد بالتدخل في حال التوصل إلى أدلة قوية تدعم تلك المعلومات.ومن الجدير بالذكر أن الأسلحة الكيميائية تعتبر جزءًا من أسلحة التدمير الشامل التي تشتمل على الأسلحة الذرية والهيدروجينية والكيميائية والبيولوجية. وقد استعملت هذه الأسلحة في الحروب منذ قديم الزمان، حيث اشتهر اليونان بالنار اليونانية التي تتكون من مزيج من الكبريت والشمع والنفط وزيت الزيتون وزيت السمك والجير، وكان هذا الخليط يحرق ويلقى بواسطة المنجنيق فيتولد عند احتراقه غازاتٌ سامة، وكذلك استعمل الصينيون القدماء أبخرة الزرنيخ في حروبهم. كما استخدمت العقارب والثعابين في قذائف المنجنيقات في الحروب القديمة .
كما استعملت الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع في القرن العشرين: حيث أطلق الألمان 180 طنًا من الكلور على قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى أسفرت عن مقتل 5000 وإصابة 15,000 شخص، ثم أتبعت ذلك بإطلاق غاز الفوسجين وغاز الخردل، وبادلتها قوات الحلفاء استعمال الغازات في تلك الحرب بحيث بلغ مجموع الإصابات الناشئة عن هذا السلاح في الطرفين 1.3 مليون إصابة مات بسببها ما يقارب المئة ألف.
وقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الأسلحة الكيميائية في فيتنام في عام 1961، وفي لاوس عام 1975، ولجأت إسرائيل إلى قنابل النابالم في حرب 1967، كما استعملتها إيطاليا في حربها ضد إثيوبيا عام 1935 م مما أدى إلى إصابة 15,000، كذلك استعملها اليابانيون ضد الصينيين قبل الحرب العالمية الثانية، واستعملت في اليمن عام 1962م وفي الصين عام 1969 م وفي كمبوديا عام 1978 من قِبلِ الفيتناميين، واستعملت كذلك في الحرب العراقية الإيرانية، كما استعملها الاتحاد السوفيتي السابق في حربه في أفغانستان من 1981 n 1990 م، واستعملت في الصراع بين أثيوبيا وإريتريا، واستعملتها ليبيا ضد تشاد عام 1986 م، وقد استعمل غاز الأعصاب السارين في الهجمات الإرهابية في أنفاق طوكيو وماتسوموتو.
وتستعمل إسرائيل الغازات المسيلة للدموع بشكل متواصل ضد الفلسطينيين منذ الانتفاضة الأولى 1987م تحت سمع العالم وبصره، واستعملت في بعض الأحيان غازات الأعصاب كما حدث في خانيونس عام 2001 م مما أدى ويؤدي إلى إصابة وموت عدد كبير جدًا من الفلسطينيين رجالاً ونساءً وأطفالا.
وبسبب خطورة الأسلحة الكيميائية وعدم تمييزها بين المدنيين والجنود، فقد صدر قرار من الأمم المتحدة في عام 1992م بالإجماع بمنع استخدام هذا النوع من الأسلحة، ورغم ذلك فإن العالم يسكت على استعمال إسرائيل اليومي لهذه الأسلحة، ويمكن تصنيف الأسلحة الكيميائية حسب مفعولها كما يأتي:
غازات الأعصاب: : وهي عبارة عن مركبات عضوية فسفورية توقف عمل مادة الكولين استيريز الناقلة للنبضات العصبية واستنشاق كمية كبيرة من هذه الغازات لمدة ثوان تسبب الوفاة بينما تؤدي الكميات الأقل منها لظهور أعراض مثل آلام في العينين، وتقلصات في عضلات الوجه والعضلات الأخرى، وتشنجات عصبية، وتظهر رغاوى حول الفم مصحوبة بإسهال وتبول لا إرادي. وأشهر هذه الغازات هي التابون و السارين والزومان و غاز (VX) .
الغازات الكاوية : ويعتبر غاز الخردل أو المسترد الكبريتي أشهر هذه الغازات ويوجد بأشكال مختلفة ويحتوي على الغاز النقي المقطر والمسمى ثنائي كلورو إيثيل سلفايد وهو سائل يغلي عند درجة حرارة 217 درجة م ، وهو بهذا يتبخر ببطء متحولاً لغاز ثابت لا يتأثر بالعوامل الخارجية، وله رائحة ضعيفة تشبه رائحة الثوم وينفذ في كل شيء عدا الزجاج والقيشاني، وغالبًا ما تظهر أعراضه بعد عدة ساعات من ملامسته للجلد حيث تظهر فقاقيع مؤلمة على الجلد ما تلبث أن تنفجر وتؤدي إلى جرح المصل الدموي من الأوعية الشعرية الدقيقة الموجودة تحت الجلد.
غازات الدم : و يعتبر غاز سيانيد الهيدروجين (HCN) أشهر هذه الغازات، و يصل المصاب عادةً إلى الجرعة المميتة في الأماكن المغلقة، وهو يؤثر على كريات الدم الحمر حيث يتحد مع الميتهيموجلوبين فيشعر المصاب بضيق في التنفس وقيء بطيء وإغماء، ومن غازات الدم شبيهة التأثير والعلاج سيانيد الكلور.الغازات الخانقة : و تسبب هذه الغازات السعال والاختناق وتلف الرئتين ومن أشهرها الكلور و الكلوروبكرين الفوسجين وتكون الوقاية بلبس القناع الواقي كما يجب معالجة النقص في الأكسجين بسرعة وتنبيه القلب والدورة الدموية ويمنع عمل تنفس صناعي للمصاب. الغازات المسيلة للدموع وتسبب الغازات المسيلة للدموع حرقة بالعين مع تساقط الدموع وكذلك تهيج الأغشية المخاطية في الأنف والفم والحلق ومن أشهرها غاز كلوروأسيتوفينون وهو ذو فترة تأثير قصيرة. وغاز بروموبنزيلسيانيد كلوروأسيتوفينون في الكلوروبكرين. ويجب غسل الأعضاء الملتهبة بالماء مع عدم الحك في العين. ومن الجدير بالذكر أن الوقاية من الغازات السامة تتم بلبس القناع الواقي الذي يعتبر أفضل الطرق للوقاية من هذه الغازات ، ويجب أن يغطي القناع الوجه بشكل جيد، كما يجب الانتباه إلى تاريخ صلاحية الفلتر الكربوني للقناع، ويجب تغييره بعد التعرض للغاز. وفي حالة عدم توفر هذا القناع ينصح بالتنفس من خلال منديل مبلل بمحلول قلوي مثل كربونات الصوديوم أو مبلل بالماء والصابون. وفي الختام لابد من التذكير بانه لاتزال مصانع الدول الغربية واسرائيل خصوصا” تنتج المزيد من هذه الأسلحة والكيماويات، ناهيك عن أسلحة الدمار الشامل الأخرى مثل الأسلحة النووية ومنها اليورانيوم المنضب (Depleted uranium) والأسلحة الهيدروجينية والبيولوجية. التي استخدمت انواع منها ضد العراق في الاعوام 1991و2003 ومن الواضح أن تأثير هذه الأسلحة سيطال الجميع بما في ذلك صُنَّاعِها، ولذلك لا بد من تفعيل قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1992 م بمنع استخدام هذه الأسلحة إلى منع تصنيعها، وعدم دعم الأبحاث بهذا الاتجاه .


















