عندما كان الجميع يدورون في ذات الدائرة – نصوص – عبد الحسين شعبان

خضير ميري.. إبتهالات آخر الصعاليك      1-3

عندما كان الجميع يدورون في ذات الدائرة – نصوص – عبد الحسين شعبان

يُنبئني شتاء هذا العام

أنني أموت وحدي

ذات شتاء مثله، ذات شتاء

يُنبئني هذا المساء

أنني أموت وحدي

ذات مساء مثله، ذات مساء

      صلاح عبد الصبور

*****

الدرويش خضير ميري وإرهاصاته الأولى

في مجموعته الشعرية “أغاني الدرويش” يقول الشاعر الشعبي عزيز السماوي

أريدك طيف

وإبنومي تفيض دموع

ولو حزني ثجيل أو ما تبرده دموع

مو كَلبي عراق التنبض أنهاره حزن وإشموع

إوتلمع عالقميص دموع

وأحزن  يضحك الصفصاف

ولك حزني ظلام ولا درب ينشاف

أخاف

أخاف

أخافن حتى من روحي…”

ومن يكن ذاك غير خضير ميري، الذي بدأ فتوته الأولى مع الخوف والقلق والأرق والأسئلة والدموع، ولو لم يكن خضير ميري صغيراً  حين كتب السماوي قصيدته، لقلنا إنه لم يقصد سوى ميري، الذي ظلّ يتطلّع إلى مجالسة الكبار.

في واحدة من اعترافاته عند تعارفنا قال لي: كنت أتلصّص عليكم وأحسدكم، وأنتم منشدّون في “مقهى عارف آغا” يتوسّطكم  الشاعر عبد الأمير الحصيري، وعلى يمينه عزيز السيد جاسم، الذي كان له فضل كبير في توجّه خضير ميري، وعزيز السماوي وشاكر السماوي، وأضفت إليه وفي المقعد المقابل عزيز حسّون عذاب وتعليقاته اللاذعة والعميقة وآخرين.

ورويت له تلك النكتة التي شاعت حينها حيث كانت المقهى تقف ولا تقعد، تناقش بين سياسة العزيزين: عزيز محمد (اللجنة المركزية) وعزيز الحاج (القيادة المركزية)، وكيف ينحاز هذا إلى جانب ذاك وهذا ضد ذاك، وفي إحدى المرّات احتدم النقاش الذي كان يستمر أياماً ويتم معاودته كأنه بدأ الآن، والجميع يدورون في ذات الدائرة، هنا علا صوت سلام مسافر قائلاً: كلّ عزيز (كذا)، وانتبه المتناقشون أن أسماءهم هي عزيز: عزيز السيد جاسم وعزيز السماوي وعزيز حسّون عذاب وعزيز خيّون، وضحك الجميع. كان ذلك خلال انشقاق الحزب الشيوعي العام 1967 حيث كانت الأجواء تسمح بمثل تلك الجلسات العلنية والحوارات شبه العلنية.

قد يتبدّل الحاضرون لكن الحصيري هو الثابت الوحيد في المكان والزمان (نسبياً حسب التعبير الفلسفي) وهو الجليس الأساس وحوله تتجمّع الشلّة، أو قلْ الشلل قبل الظهر أو بعده، أما عند المغرب، فهو الزائر لموائد الشراب، المتجوّل في الحانات، وضيف الأصدقاء، سواء كان مرحّباً به أو ثقيلاً.  في المقهى يجلس الحصيري خجولاً مهذباً وكل ما يطلبه أحياناً من الذين يعرفهم (ويمون عليهم كما يقول) أن يدفعوا أثمان عدد من أقداح الشاي، حيث يتجمّع له في آخر النهار بين 30- 40 شاياً، ويكون قد احتسى خمسة منها، فيأخذ الباقي نقداً، ويتّجه إلى أقرب حانة ويعطي ما عنده إلى النادل، ليقدّم له عرقاً بثمنها، وهكذا يبدأ مساؤه بالشراب حتى يثمل، خصوصاً عندما تراه يترنّح في شارع أبو نواس، فيبدأ جولته من بار بلقيس ويمرّ ببارات سرجون وكاردينيا وآسيا والجندول والشاطئ الجميل وغيرها.

يثقل الحصيري على نفسه وعلى من يصادفهم في تلك الحانات، حيث يكون ثملاً متّسخ الملابس والهندام، وفي آخر الليل يعود إلى الحيدر خانة  وحيداً، حيث يعيش في غرفة بائسة، وهكذا كان يومه ونهاره وليله، ينتهي إلى وحدة لعينة ” متدروشة” لا مكان فيها للنساء أو للمسة حنان ظلّ يفتقد إليها طيلة حياته، مع إنه محاط من الصباح بعدد من الروّاد، لكنه لم يكن له من صديق أو رفيق أو أنيس واحد، سوى الشعر.

“الدرويش” في داخل خضير ميري كان يكبر بسرعة خارقة، وكأنه كان يريد أن يسابق الزمن. وكانت بعض شواغله آنذاك تتّجه إلى الأدب وإلى نظم شيء من الشعر، أو كما قال عنه هو “شعر بلا روح” مع هلوسات من أفكار خليطة بين فلسفة وجودية وعدمية وتشاؤمية فيها شيء من الماركسية بصورة مشوّشة ومهابة كبيرة، لكن رؤيته بدأت تتجذّر، حين اتجه إلى قراءة الفلسفة، وهو ما أطراه في وقت لاحق مطاع صفدي، حيث كان ميري يحظر ما يقيمه من فاعليات وأنشطة بغدادية.

استدعاه مرّة عزيز السيد جاسم وقرصه من أذنه محذّراً وقائلاً له: ابتعد عن الأدب ولا تحاول كتابة الشعر، الدور طويل أمامك والشعراء الكبار آنذاك يملأون الدنيا، بل ويفيضون : عبد الوهاب البياتي، حسين مردان، بلند الحيدري، سعدي يوسف، يوسف الصائغ، كاظم السماوي، فاضل العزاوي، رشدي العامل، سامي مهدي، حميد سعيد والقائمة تطول! وخاطبه بشيء أشبه بالأمر: اتّجه إلى الفلسفة، ليس لدينا مهتمّون بالفلسفة. قد يكون لدينا أساتذة جامعة وأكاديميون، لكن الفلسفة بمعناها الحياتي التفكيري الثوري، تحتاج إلى صعاليك أيضاً. كان السيد جاسم قد قرأ لميري بعض محاولاته الأولى، ولاحظ فيها إلتماعات فلسفية  ورؤى غير تقليدية، ونشر له بعض النصوص بوقت مبكر.

ربما فكّر عزيز السيد جاسم وهو صاحب فلسفة، إن عشقه للفلسفة لا يتجسّد إلاّ بالدراويش، مثلما كان مولانا جلال الدين الرومي قد وجد في الدرويش “شمس” تماهياً وطريقاً إلى الله. فمن بين كل الطرق إلى الله اختار جلال الدين الرومي، العشق طريقاً لا متناهياً إليه، وطريق العشق هو طريق اللاّنهايات، وإذا انغمر فيه الإنسان ذابت نفسه، في نفسه وأخذته رحلة من نفسه إلى نفسه.

لم يخالف التلميذ كلام استاذه ولم ينسَ قرصة الأذن، فاتّجه إلى الفلسفة يغرف منها وصولاً إلى الجنون، إحدى محطات التجلّي والاختلاق والتعبير عن مكنونات خضير ميري ومخيلته الخصبة التي تشكّل ركناً مهماً من أركان شخصيته، لدرجة أقرب إلى الوهم.

الدرويش ميري والماركسية والحوار

لم أعرف خضير ميري من قبل ولم أسمع عنه، ربما مرّة واحدة ورد ذكره على لسان الشاعر والإعلامي عبد الحميد الصائح عندما كنّا في لندن، وذلك قبل الاحتلال بسنوات، حيث كان الصائح قد عمل معنا في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان كعضو في اللجنة التنفيذية، ومحرّراً لمجلة الضمير التي كنّا نصدرها حينها، لكنني نسيت الاسم والمناسبة، فلم يعلق بذهني.

وفي مرّة أخرى في إحدى المناسبات في اتحاد الأدباء بعد العام 2003  خلال إحدى زياراتي قال أحد الأصدقاء، اللّهم أبعد القادم الجديد عن طاولتنا،ولكنني لم أعرف من هو، وافترضت إنه من النماذج “المتكورثة” كما كانت تسمّى، فبعد ربع العرق الأول، على طريقة الحصيري تبدأ التقاسيم تتوزّع بصورة منفردة وجماعية، ولكن بعد حين عرفت أنه شاب كان في مستشفى الأمراض العقلية، لكنني لم أسأل عن اسمه.

وحصل في العام 2008 كنت في القاهرة في اجتماع الخبراء المستقلين في جامعة الدول العربية، وإذا به يفاجئني، شاب حليق مائل إلى بياض البشرة يطيل شعره ويلبس قبعة وترتسم على شفتيه ابتسامة جميلة موشّاة بحزن عميق، فيحييني في فترة الاستراحة ويأخذني بالأحضان، وبعد احتساء القهوة في أروقة جامعة الدول العربية، قرّرنا اللقاء بعد انتهاء الجلسات.

كنتُ قد عرفت زوجته إسراء خليفة قبل ذلك وأجرت معي أكثر من مقابلة، وذكرت اسم زوجها، وقالت إنه يودّ أن يتعرّف عليك، لكنني لم ألتفت إلى الاسم، وفي هذه المرّة اتصلت به وطلبت منه الحضور ورتّبت طريقة لدخوله إلى جامعة الدول العربية، حيث كانت تغطّي الأخبار الصحفية لجريدة الصباح ولإسبوعية كردية كذلك، أو لوكالة أنباء كردية.

عانقني خضير ميري بحرارة، وكأننا عشنا دهراً قبل ذلك، ثم التقينا بعد فراق، وهنا أقتبس ما قاله هو في الكتاب الحواري الذي صدر لي بعنوان “تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف” والذي حاورني فيه، وتلك قصة أخرى. يقول خضير ميري في مقدمته لكتاب تحطيم المرايا، وهنا أتقصّد نقل فقرات ضافية ومطوّلة منها وليعذرني القارئ، ولكن هذا الاقتباس فيه الكثير من الإضاءة على المواضيع التي سأتطرّق إليها:

“… وأصل هذه الحوارات علاقة قديمة بيني وبين عبد الحسين شعبان تمتدّ لعشرات السنين وهي علاقة الغياب بالغياب والترحال والعمل من بعيد. لم أتعرّف عليه شخصياً إلاّ بعد أن استنفذت المنافي نفسها، وضاقت على قدمي الرجل وعقله وفكره الذي لا يعرف حدوداً، فالتقيته مشاركاً في مؤتمر داخل أروقة جامعة الدول العربية في القاهرة.

عرفت بوجوده فحضرت سريعاً ليقع بصري عليه من مسافة كافية لأن أبصر قامته المتوسطة وشعرة الأبيض الفضي، وكان يرتدي سترة مخالفة للون بنطاله، وهو يجلس في طاولة حوار مستديرة، ممثلاً لتاريخ طويل وعويص من قضايا اليسار العربي ومطارحات الماركسية، وهموم السلام والديمقراطية وحقوق الانسان. لم يكن رسمياً كماهي العادة في المؤتمرات المنضبطة الرسمية . وعندما تقدّمت منه كان بشوشاً وهادئاً، وقد كان اللقاء حاراً والأشواق تكبر على اللحظة، وتستطيل على الزمان والمكان وتتماهى مع تاريخ الفكر في العراق وكميّة الدماء التي تكحّل حروفه وتغتال معناه ومبناه.

وكنتُ قد فكّرت من قبل، بأن أضع كتاباً عنه وعن تجربته الحياتية وأعماله في الفكر والنقد السياسي وحقول الإنسانيات والقانون الدولي والمجتمع المدني، لاسيّما في منهجه الماركسي النقدي، وكان ما ينقصني هو مكتبة وأرشيف نظامي ومرجعيات ناجعة، كان يتعذّر الحصول عليها أو الوصول إليها في العراق حيث كانت كُتبه ممنوعة، باستثناء ما كان يهرّب منها حيث تصل بعض النسخ “مصوّرة” إلى شارع المتنبي، وكانت بعض المكتبات التي تختصّ بتلك “الثروات الدفينة”  تعرضها على بعض الزبائن من زوارها الدائمين، كما لم يكن ممكناً تحقيق فكرتي، لاسيّما في مناطق الترحال والشتات وهدم مكتباتنا بعد الاحتلال، ثم اعادة بناء ما تيسّر منها، هنا وهناك في القاهرة وعمان ودمشق وغيرها.

الاّ أن مصر وفّرت لي فرصة لقاء طال انتظاره، فرحتُ أنتهز الفرصة لفتح حوار مع الدكتور شعبان، وكان عليّ أن أغتنم وقت إقامته القصيرة في القاهرة ، فكان اللقاء مزيجاً من مراجعات وتنظيرات وقراءات نقدية تأملية ورؤى، هي أقرب إلى خلاصات العمل منها إلى شطحات أو شذرات ارتجالية، يغلب عليها طابع سجالي بعض الشيء، فشعبان مازال مخلصا لنقديته الماركسية، وهو يرى أن ماركس لم يُقرأ بعد قراءة ماركسية صحيحة، وإن مفاهيم ماركسية قابلة للعمل في ضوء كشوفات الفكر الحديث وتقلباته وتسارعاته اللسانية والنقدية والإنثروبولوجية وغيرها، من ممارسات إنسانية وأخرى أدبية، شريطة أن ننقد الماركسية السائدة بمنهج ماركس، لا أن نتوقّف عند القوانين التي اكتشفها ماركس، بل نحن نعيد اكتشاف قوانينا.”

ويضيف ميري:

” لا يحجم فكر شعبان من الانهمام بتلك الإشكاليات و” التخالق” معها واستخراجها ضمن عملية “وضعية نقدية تحليلية” أقلّ ما يُقال عنها أنها تتمتع بالجرأة الذاتية والشجاعة الموضوعية والضرورات العملية والمعرفة العلمية والخبرة الوفيرة، ولا يهمّ شعبان إنْ اعتبرها مغامرة وتراه يردد: ألسنا نغامر حين نبحث عن الحقيقة؟ وهو ما رحنا نفتقده في كتب الفكر الرائجة ضمن تشابكات الخطاب العربي وضعضتعة بين الفكر الترجمي والاجتهاد الشخصي المحدود.”

وعن الجانب الشخصي يقول ميري:

“أعترف بالمتعة والفائدة في ضوء تجربتي مع شعبان في الحوارات القاهرية ولياليها الساهرة العنيدة، الأمر الذي دعاني لمواصلتها حين ذهبت شخصياً إلى بيروت لاستكمال عمل هذه الحوارات والحرص على استحلاب ما تبقى من استكمال وتعميق واستخراج المزيد من فكر شعبان وفرادته في النقد الموضوعي والذاتي للآخر ولنفسه، أو معارضته للمنهج الفكري السائد دون تردّد ودون مجاملة، فالحوار اليوم نص أدبي ومنجز فكري قائم بذاته، وهو غالباً ما يكون مخزوناً ثرياً لايمكن ان يستهان به. والحوارات بطبعها نوع من الاستبطان الذاتي والتخارج الموضوعي الذي يستثيره فكر القراءة بالدرجة الاولى، وهي نوع من الجذب والصد والأخذ والرد، وغالباً ما يفسح الطريق للمجذاف أن ينطلق عكس اتجاه القارب في بحر لا يكون له شاطئ نهائي. الحوارات أيضاً، نوع من السباحة التي لا يمكن حسمها أو تثبيتها في حركة تيارات الأعماق أو تقاطعات الأمواج مع نفسها، وهو ما حاولت استكماله في قسم مستقل وخاص أطلقت عليه حوارات بيروت، بعد أن شكلت حوارات القاهرة لديّ خزيناً أساسياً حاولت البناء عليه.”

وفي تقييمه للتجربة الفكرية يضع خضير ميري خلاصات قراءاته حين يكتب:

” وكان شعبان ومازال مثيراً للجدل في تجربته الفكرية العراقية والعربية، عصيٌّ على التصنيف أحياناً، لاسيّما في الاصطفافات والاستقطابات السائدة، ولعلّ هذا ما حاولت إضاءته بحيث نصغي إليه مفكراً وناقداً وإنساناً، استثمر الفكر بالعمل وغامر وجاهر وانقلب وتمرّد لأكثر من مرة، وما زال متمسكاً بصميميته وهاجسه الأول والأخير هو الوصول إلى الحقيقة!

ولعلّ هذه الحقيقة هي أول الاشياء والمعتقدات التي لا يحتملها شعبان، أو لنتحدث بشكل أدق، أنه لا يأخذها على علاّتها. ولا يمكن الحديث بالطبع عن حقائق أو حقيقة واحدة في فكر متعدّد ومتنوّع، بل وشاسع، وهو فكرٌ ناضل وجاهد واختلف وتمرّد وتمرّس حتى تعدّدت وجوهه وأشكاله، وتقلّبت همومه ومشاغله، وصار جمعه نوعاً من العناء الذي لابدّ منه والذي كنت قد مررت به وأنا أسجل وأساجل وأحاور وأحاول وأشاكس، على طول جلسات غذّتها سماء في القاهرة وأخرى في بيروت، وعليّ أن أعترف بأن الكثير مما قيل هنا هو استعادة لما كان عبد الحسين شعبان قد فعله في قراءاته وبحوثه واطروحاته التى لا تعدُّ ولا تُحصى بسهولة، ولكنها استعادات تنظيرية تقع في مجال المنهج الوضعي النقدي الذي كان شعبان يمارسه على مراحل ودفعات ليست كلها مشفوعة بتنظيرات كافية، لهذا المنهج الذي مازال قابضاً على جمرة الماركسية الحيّة، وهو يريد أن يستخرج الأخطاء الثمينة من داخلها غير مكترث بنقد ذاته، بل والاسراف في نقدها نظرية وتطبيقا، مثلما لا يتوانى من نقد الآخر فكراً وممارسة، حتى وإنْ كان من داخل الماركسية، بل إنه يفعل ذلك على نحو “متطهّر” من “إثم” الماضي! “.

          ويمضي ميري مستعرضاً الكتاب الحواري ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” حيث يقول:

” قد يستغرب القارئ عدد المحاور واختلافها في متن هذه الحوارات وغزارة الأسئلة والموّجهات النظرية التي حرصت على تفجيرها مع شعبان، وذلك عملاً بروح الفائدة العامة التي توخّيت من خلالها نوعاً من التداعيات الفكرية لشخصية شعبان المعرفية، ومحاولة أن أجلب من تجربته الطويلة والعريضة ما يقدّم من خلالها توازياً بين العيش والمشاهدة والقراءة والكتابة والفكرة والنظرة، دون أن أحجم السؤال البحثي أو أقطع التسلسل القولي والمنطقي.

ولابدّ لي أن أنوه بأن معظم هذه الحوارات، جاءت في بداية الأمر لدعم جهدي النظري الخاص للكتاب الذي مازلت أعمل عليه والذي يتناول “عبد الحسين شعبان: في النقد الماركسي للماركسية- من الراديكالية الانقلابية إلى الوضعية النقدية ” وهو ماكنت عازماً على انجازه أولا، لولا إن فرصة الحوارات المباشرة ومانجم عنها من إطروحات خصبة ومهمة، وفرّت لي فكرة اصدار هذه الحوارات في كتاب مستقل يُيَسر للقارئ أن يطلّع على شعبان، بل يواجهه وجهاً لوجه، من خلال مشغل حواري يجمل الكثير من آرائه وأفكاره بأحوال الثقافة وأهوال الفكر ومتغيّرات الخطاب والآيدولوجيا والتاريخ الماركسي ونظريات القمع وفكر ما بعد الحداثة وصولاً إلى المرأة والجنس والدين والهوّية والاختلاف والمسألة القومية بشقيها العربي والكردي، وغيرها من هموم المشهد الثقافي العراقي والعربي والعالمي. وذلك من خلال انطولوجيا الحوار: معناه ودلالاته، ونظائره وتمثّلاته، ثم عبر أصواته وديناميته، وصولاً إلى الذات والتاريخ من خلال مقارباته، وهي الأقسام الثلاث التي تضمنها حواري مع شعبان في القاهرة وبيروت واستكملتها من خلال مراسلات واتصالات استمرت على مدى ثلاث أشهر.”

ويختتم ميري مقدمته للكتاب الحواري بقوله:

” ولابدّ لي من الإشارة إلى أن الحوار مع شعبان لا يكاد ينضب أو يتحدّد أو يجفّ معينه، وما هذه الحصيلة إلاّ ما سمح به الوقت وما ساعدتني به الظروف المكانية والزمانية على استحصاله، وكنت قد حملت حقيبتي راحلاً عائداً إلى القاهرة، وحين مرقت السيارة التي تقلّني إلى مطار بيروت بمحاذاة شقته الكائنة في الدور السادس من بناية جانبية  تلحظ من شرفتها الصغيرة الأنيقة بحر بيروت وألوانه المتميّزة، فشعرت بدقات قلبي تتسارع، فهذا الرجل الذي تجاوز الستين وعانى ما عانى، ما يزال يكتب كل صباح حيث يجلس على طاولة عمله منشغلاً كلياً بكلماته وحروفه ومعانيه، غير مبال بالتعب والسهر والانشغالات الكثيرة التي اختارته، لأن يكون واحداً من المفكرين القلائل الذين لا يصدّقون بالفكر على حساب الحياة، ولا يريدون للوهم أن يكون لهم صديقاً!!”

في خصائص الصعلوك

ليس بإمكان أي امرئ أن يكون صعلوكاً، أو درويشاً، فالصعلوك أو الدرويش يمتاز بموهبة، مثلما هو ذكاؤه، إنه محكوم بالظرف الدائم، قد يكون صعب المنال، لكنه في الوقت نفسه سهل ويمكن التواصل معه، حتى وإن كان أحياناً سهلاً ممتنعاً، بحضوره وبغيابه.

هذا هو خضير ميري يتحدّث بلغة أحياناً خارج طنين البلاغة، وهو يصطنع المبالغة أحياناً أخرى فيدهشك، وأحياناً يرجوك ألاّ تعترض على اختلاقاته وتوليفاته، فذلك ضمن عدّة العمل ودع الأمور تمشي. إنه يعرف محدثه على نحو بارع ولديه جرأة مبهرة، ولكنه في الوقت نفسه يعرف المزاج، سواءً اتفاقاً أو معاكسة، سلباً أو إيجاباً، إنه يشكّل نموذجاً كاريكاتورياً جديداً وقديماً للمثقف الصعلوك الدرويش، والمسكون بهذا الهاجس، والمحكوم بقواعد غير مألوفة وأحيانا غريبة، وبسرعة بديهة.

إذا استشعر خضير ميري على تواضعه وبساطته وتسامحه، ثمة استهداف فيميل إلى الصمت أو إلى الانسحاب، قد يداري أو حتى يداهن، ولكن كل ذلك لحين، ثم سرعان ما يشاكس ويتغالظ، بل ويبتكر التنغيص. وقد حدّثني عن جلسة قاهرية شبه رسمية دخل عليها بعض الدخلاء، فقرّر ميري أن يقلبها نكداً.

وبقدر إخلاصه في الود، فإنه لا يقبل الاستغفال أو الاستغلال أو الإذلال، وللأسف حاول بعضهم استثمار سماحته وطيبته للنيل منه أو لتحقيق مآربه، لكنه ظلّ عند مواقفه متسامحاً ولا يميل إلى العنف ولا يسعى إلى القطيعة، حتى وإنْ جاءته إساءة بالغة، فسرعان ما يغفر وينسى.وحين ترسخت مكانته في القاهرة على الصعيد الثقافي والفكري وتعزّزت صداقاته مع أدباء كبار مثل محمد عفيفي مطر  وجمال الغيطاني، حاول وزراء وسفراء ومسؤولون عراقيون استدراجه بوسائل مختلفة للكتابة عنهم أو الإشارة إليهم في عمود أو صحيفة أو مقابلة ووعد بعضهم أحياناً، ولكنه يعرف كيف يزوغ وكيف يتملّص، وكيف يخلف المواعيد، ولديه عشرات الحجج الجاهزة، خصوصاً إذا شعر إن ثمة في الأمر ضرورة، وأحياناً كتب بالضد وبعد حين كتب بالإيجاب، فقد أثّر فيه بعض العتب، ولكنه لم يبتعد عن النقد. ولأنه كان مقروءًا، فقد كان هناك من يسعى إليه، أو يحاول معه أو يقدّم له وعود وإغراءات.

القاهرة والصعلوك

تستمر معرفتي بالقاهرة لأكثر من نصف قرن، فقد زرتها أول مرة في العام 1965 في شهر شباط (فبراير) في إطار سفرة جامعية، ثم في العام 1969 ضمن وفد طلابي، وبعدها في مطلع العام 1971 لحضور مؤتمر بمناسبة ميلاد جمال عبد الناصر بعد رحيله بأربعة أشهر، وفي العام 1974 كانت زيارتي شخصية باستضافة من الصديق حازم النعيمي، وبعدها انقطعت حتى أواخر الثمانينات، بسبب الأوضاع العامة، وما كتبته عن كامب ديفيد والصلح المنفرد وزيارة السادات إلى القدس.

ولكن زياراتي منذ أواخر الثمانينات لا تعدُّ ولا تُحصى، فقد كنتُ أحياناً أزورها في الشهر مرتين وصادف أكثر من ذلك، وعلى نحو تقريبي كانت زياراتي كل عام بين 4-5 زيارات، كما أقمت فيها عاماً ونيّف خلال عملي كمدير عام لقناة البغدادية الفضائية، ولهذا أستطيع أن أجزم بحكم معرفتي بالقاهرة وبالأجواء العامة والثقافية بشكل خاص، أنه لم يكن لشخص حضور في القاهرة، بل ونفوذ فيها مثل خضير ميري، والأساس هو صعلكته المحبّبة التي استهوت أوساطاً غير قليلة ثقافية وأدبية وفكرية وسياسية ، رسمية وشبه رسمية وشعبية، من الأعلى وحتى القاع، وبالعكس. وقد لا يكون غريباً والحالة هذه أن تنعي وزارة الثقافة المصرية رحيله. ويكاد يكون الوحيد من العراقيين الذي حصل على عضوية اتحاد كتاب مصر وعضوية أتليه القاهرة وعضوية الجمعية الفلسفية المصرية.

انطلق ميري في القاهرة، وخلال سنتين أو ما يزيد على ذلك، حتى أصبح نجم المحافل الفكرية والثقافية، خصوصاً بعد أن عرف خفايا القاهرة وخباياها. والقاهرة وإنْ كانت مدينة مفتوحة، لكنها صعبة وليس من السهولة الوصول إلى عمقها ومكنونات روحها. إنها تختبر القادم جيداً وتمحّصه وتقلّبه وتستفزّه، وإذا ما استطاب لها تصالحه وتصادقه، بل وتؤاخيه . كل ذلك بعد أن تتأكد أنه جدير لكي تكشف له عن جميع مفاتنها وتطلعه على أسرارها، ثم تتبسّط معه، بل وتفتح ذراعيها لاحتضانه، وتداعب شعره وتتغزّل به، ليتماهى هو في عشقها الأسطوري.

وبقدر ما أعطت القاهرة لخضير ميري، وهو كثير، فقد أخذت منه، وهو ليس بقليل، حيث زادت عادته السيئة سوءًا، وإذا هو كان يسهر في العادة، فإن القاهرة لا تنام، بل تشعر معها وكأنها تحتقر عادة النوم أو ضرورته، لدرجة أنها تهجوه. وإذا كان يدخن علبتين سكائر فقد أخذ يدخن ثلاثة ،وإذا كان لا يتعاطى بعض أنواع “الكيف” إلاّ نادراً لأنه كان محرّماً في العراق وتصل عقوبته إلى الإعدام في النظام السابق، فقد أصبح مثل هذا الأمر متاحاً لاحقاً، مثلما هو في القاهرة، أما المشروب فقد كان يتغنّى به لدرجة، سألني ألا يمكن وضع مخصص من العرق أو الخمور في الحصة التموينية، أو تأسيس وزارة للعرق؟! تردّد خضير ميري على على مجالس الظرفاء وأوكار الفكاهة والمجتمع الجوّاني، مثلما عرف النخبة ومجتمع الهاي لايف. ولم يكن يبالي باللقاء بنجم مشهور أو مفكّر أو أديب أو فنان من كبار القوم أو شخص عابر أو مجهول في مقاهيها وحاناتها، من المطعم اليوناني الذي عرّفته عليه واستهواه كثيراً، إلى مقهى ريش الذي كان يتردّد عليه مع آخرين، إنْ وجد من يغطي طلباته، لأنه غالي نسبياً، إلى لاغريون La grillon وهو مطعم طريف وحانة شبه شعبية يعرفها مثلما أعرفها وتردّدنا عليها مراراً لاعتدال أسعارها، ولحضور الفنانين والفنانات إليها كل يوم ثلاثاء مساءً، إلى الفيش ماركيت Fish Market الذي كنت أدعوه عليه مرّة على الأقل خلال وجودي في القاهرة، وعندما عرّفته بأحد الأصدقاء السعوديين وهو يوسف مكي، اصطحبه إليه وتكرّرت الحالة.لكننا فوجئنا ونحن نأخذ قنينة العرق اللبناني ” البران” اللذيذ معنا وعلى سطح المطعم، إن المطعم امتنع عن تقديم المشروبات الروحية واكتفى بالغازية، والأمر لا يتعلّق بفترة حكم الأخوان المسلمين، وإنما قال لنا أحد الشغيلة: إن الله هدى صاحب المطعم إلى الطريق القويم، فنظر كلٌ منا ومن معنا بوجه الآخر، ولا أتذكّر من علّق بأن طريقنا لا زال طريق الرذيلة، فاعترض خضير ميري، بقوله لاحظ كيف فرغ المطعم، فقد كنا نحجز قبل ذلك ولا نحصل على الطاولة التي نريد، أما الآن فالنادل قال لنا أين تريدون الجلوس فيمكنكم ذلك؟ وكانت العادة قد جرت على إننا نأتي بالمشروب وندفع عنه رسوما للمطعم.قرّرنا مغادرة المطعم وألغينا الطلب الذي اخترنا فيه أنواع السمك والمقبّلات، وذهبنا إلى حانة أخرى، لكن خضير ميري لم يكتفِ بتلك السهرات التي كانت تنتهي قبل الحادية عشر مساءً في أكثر الأحوال، فيتسلّل بزعم إن طريقه غير طريقي، ليعبر الشارع لكي يأخذ تاكسي بالاتجاه المعاكس، وينتظر مغادرتنا ، فيعود للبحث عن بارات رخيصة تقدّم الخمور الرديئة والسكائر المحلية الزهيــــدة الثمن، وكنتُ أخمن ذلك، وقد اختـــبأت مرّة وسرتُ بعيداً عنه، وعرفت إلى أين اتجه، وحين دخل إلى حانة متواضعة، انتظرت لخمسة دقائــــــق، فلم يخرج منها، وعرفت أنه بعد ذلك بقي فيها حتى الثـــــالثة صباحاً.

قلتُ له في اليوم الثاني، لقد اضطررت بعد عدم حصولي على تاكسي، المشي لعدّة مئات من الأمتار ووصلت إلى حانة، ليس لها اسم، ولكنها قريبة من ميدان طلعت حرب، وطلبت لنفسي كأساً وجلست فيها لنحو ساعة. نظر في عينّي وحرّك نظارته وارتسمت على وجهه ابتسامة فيها شيء من المكر، وقال صحيح، لكنك أخطأت، قلت له: كيف؟ قال: لقد بقيت أنت إلى الساعة الثالثة، وليس إلى حوالي الثانية عشر، وطلبت ثلاثة كؤوس، ثم أخذت بالغناء لأم كلثوم وعبد الوهاب. وقد كنت آخر من غادر الحانة.