عندما تكون الكتابة نوعاً من الحرية.. المكوث داخل السؤال
علوان السلمان
الكتابة نوع من ممارسة الحرية على حد تعبير سارتر ..لخلق الابداع الذي هو نتاج الذات منطلقا من الذات نفسها واليها والاخر.. وفن القصة القصيرة..آلية جمالية محورها المغامرة وفق الرؤى الابداعية بحكم تعاملها واللغة المجازية التي تتكئ على الصورة الفنية من منطلق التكثيف والايجاز والترميز والتركيز والايماء ببنية تعبر عن الافكار وتعتمد تقنيات ابداعية بطريقة تمنح المتلقي فسحة التأويل والمشاركة في بناء النص..و(عليك المكوث طويلا داخل السؤال) مجموعة قصصية نسجتها انامل خلقها حسين محمد شريف واخترق بها الافاق فاحتلت مكانتها بفوزها بجائزة الشارقة السنوية للابداع العربي/2012 ..فساعدت دائرة الثقافة والاعلام في حكومة الشارقة بنشرها .كونها تتكئ على التيمات والمحاور الدلالية التي تعكس الواقع الاجتماعي المازوم وتداخله والواقع التخييلي وانصهارهما في بوتقة موضوعية منحت الوجود نصوصا معتمدة لغة ذات مستويات متعددة تجمع ما بين الحكائية والمفارقة وفعلية الجملة الدالة على الحركة..مع استلهام القاص للتراث والحدث بجزئياته.. (كاي طفلين نزقين في حدود عمريهما كان العبث سمة مميزة في حياتيهما الناشئتين في مدينة باب غادة الموغلة بالقدم..عدا ان احدهما كان اكثر اطمئنانا من تداعيات عبثه الذي طالما اوقعهما في مشكلات قلما كانت تنتهي بسرعة بسبب طيشهما..وكان بمواجهة عبثيهما عبث ذويهما الذي لم يجد نفعا رغم كل محاولات فصلهما عن بعضهما البعض وبشتى السبل..اذ سرعان ما كانا يلتقيان فوق سور المدينة الترابي الذي يرتفع قرابة الثلاثين قدما ويقف كدالة تؤرخ لفواجع البحر القديم الذي وصف ذات مرة قبل قرنين من الزمن بوصفه دموع الامهات وهن يودعن ابناءهن الى الموت..) ص5.. فالنص ينمو ويتحرك بتحرك الاحداث كونه يلتقط اللحظة في زمنها الواقعي ويعيد نسجها في زمن القص..زمن الخطاب الذي تتفاعل فيه الشخصية وتنفعل متلائمة وسيرورة الاحداث..فضلا عن نموها على مستوى اللغة بحركيتها وديناميتها ابتداء من اللفظة وانتهاء بالتعبير المتحرك لبحث الدلالة..وهو يحمل في طياته رؤيتين اولهما اجتماعية وثانيهما انسانية وما بينهما يسبح القاص مقدما نصوصه المتميزة بالتكثيف الدلالي من اجل اثارة التاملات والتفسيرات مع شعرية مجنحة..متدفقة تضفي الايحائية المنبثقة من انهمار لغوي شفيف..ابتداء من العنوان الاشاري باسم فعل الامر(عليك= الزم)المتشكل من مجموعة من (العلامات اللسانية..) على حد تعبير لوي هويك.اذ هناك خمس مفردات شكلت معمارها الهندسي كمكون شخصي وزمكاني يحتضن جسد النصوص.. كونه العتبة الرئيسة للولوج الى كوامنها..فضلا عن انه يشكل الحبل السري بين المتن والمتلقي..وهو لا يستقبلنا عند البوابة الغلافية الاولى بل يفرش روحه على آخر نص قصصي بابجدياته الوجودية(ابجدية الولادة والاسم والرضاعة والنطق والمشي والركض والمراهقة والولوج والتأمل..)عبر شخصية (محجوب) المتأملة..ابتداء من (عسر الولادة التي مر بها..) ص30…وانتهاء بوقوفه على اعتاب الخمسين من العمر وتساؤلاته(عن حتمية الحياة وما الجدوى لكائن مثله ان يعيش على خلاف ابناء جنسه السامي..) ص146..هذا يعني انه يدخل ضمن نطاق السيرة الذاتية التي تنسج خيوطها من خلال استعادة الذات لوجودها الاول.. اضافة الى انه يحتضن مجموعة من العنوانات الرقمية والرمزية والكتابية التي شكلت نصوصا موازية مشحونة بالدلالات التي تعكس واقعا سايكولوجيا.. (استنادا الى تلك الوثيقة اخرج الطلسم في محاولة منه اعادة تركيبه بصيغة تتلاءم مع ما سوف يحدث لتجاوز القادم السيء كما فعل قبل قرون الاب المؤسس للمدينة يوم كتب الطلسم ودفنه في مكانه الحالي الذي بات يعرف بالمقبرة القديمة للمدينة وكان الناس يؤمنون بالطلسم ايمانا فائقا دون ان يروه واقعا مكتفين باستشعارهم اياه اوقات المحن..)ص33..فالنص يعتمد الميتا بناء فنيا وثيمة.. فضلا عن انه يتلمس الواقع بتضاداته الثنائية وصراعاته القائمة ما بين الحلم والواقع وتحقيق ذلك من خلال بناء فني يطرح ثلاثة معطيات توثيقية منحصرة في:التحديد المكاني المتفاعل والبعد النفسي والذاتي..والتحديد الزماني والكتابة الرقمية..(وصلت اخيرا الى غرفتها الرطبة ذات الروائح الفوسفورية المركزة بفعل خزن الادوية ذهبت الى خزانة اوراق المرضى دون الذهاب الى خزانة ملابسها انها تبحث عن شيء غاب عنها منذ وقت.. اخيرا عثرت عليه وسط العشرات من الاوراق المهملة وبدات تقرا ما كتبته المريضة ذات الرقم احد عشر.12/3/1979 دخل رجال الامن الى بيتنا الآمن واحالوا كل شيء هباء منثورا دون وازع من خوف او احترام لاحد بدافع وجود منشورات ضد السلطة..)ص62 – ص63.. فالسرد يسير بمستوياته الحسية والزمانية مع احتضانه معطيات توثيقية(ارقام وتواريخ)..فضلا عن انه يجمع ما بين التحليل الاجتماعي والانساني ضمن العقل الجمعي الذي ينزع لحظاته من الواقع ويعتمد اشتغالات سردية تتجاوز حواجز الذات وهي تجمع ما بين الجمالي والفكري بتقنية واعية عبر لغة دينامية تتحرك بتحرك الواقع وتوزيع الرؤية الذي اسهم في تحريك الركود المجتمعي..فضلا عن اعتماد القاص تقنيات سرد تتمثل في الخيال الذي يفرز العجائبي حتى على بعض العنوانات الفرعية الرامزة والذاكرة.. لاشاعة روح الحياة في الكيان الفني واللغة التي تفقد وظيفتها التعبيرية وتقدم ذاتها فنا..(طلب مني الفارس ان اغمض عيني لبرهة وما ان فعلت حتى اختفى ثانية خلف السماء التي غلقت ابوابها وكأن شيئا لك يكن..استفقت مذعورا في باديء الامر ووجدت نفسي اكتب في بعض الرقاع من كتابه الكبير الذي وصلني الهاما من الفارس تحت عنوان(منازل الاقمار في تسيير الطوالع والاقدار)../ص81.. فالقص يعتمد المشهدية السيمية لتصوير اللقطات البؤرية باسلوب توثيقي يمتزج فيه الخيال والصورة الفنية المدهشة ..المتجاوزة للمألوف من اجل اثراء النص بالمعاني والدلالات..فضلا عن اعتماده التركيز المختزل لساحة الحدث المشبع بالزمن باعتماد تقانة
الاسترجاع ولحظات التذكر والمواجهة التي يرتكز عليها فعل الكتابة التي ساعدت في القبض على لحظات منفلتة..بالرغم من اعتماد السرد عدة مستويات لغوية انحصرت في الشكل والحوار بشقيه الموضوعي والذاتي(المنولوجي)..فضلا عن اعتماده انساق تركيبية توحي وتحيل وترمز.. (احس بدغدغة على وجهه..ادرك انه الذباب الذي يتناسل في هكذا وقت من السنة لذلك اهمل الانتباه لها..تكررت الحالة ثانية ..من المؤكد انه لا يحلم ..فتح عينيه ليجد ما هو غير متوقع..المئات من الفراشات منتشرة في كل مكان من الغرفة..
– ماذا يحدث هل انا في حلم؟ قال ذلك ووقف منتصبا دون ان ينسى احتضان تمثال الفراشة ) /ص49. فالسرد يتوزع عبر ضمير المخاطب والمتكلم والغائب وهذا يعني انه يسير باتجاهين متلازمين(داخل السرد وخارج السرد)..فضلا عن ان النص يضيء الشخصية المتمظهرة عبر محورين هما:محور الصراع(الداخلي)و(الجلي) الذي يظهر في العلاقات والوجود..ومحور الرغبة ..وهما يشتغلان من داخل الدائرة السردية.. وبذلك قدم القاص الشريف نصوصا تحفر في اتجاه تعميق مفهوم الانسان باعتماد المجاز اللغوي والاتكاء على التراث وهي تتجاوز المألوف في فضاءاتها المفتوحة تارة والمغلقة اخرى من اجل اثراء النص بالمعاني والدلالات..






















