
عناوين البحث العلمي بين مطرقة الأهمية وسندان التكرار – نعمة العبادي
على خلفية الضجيج الذي لم يكن الاول ولن يكون الاخير بخصوص موضوع احدى الطلبات في اختصاص الجغرافية الصناعية، ونتيجة لتضارب وجهات النظر حولها، اود بيان الآتي:
1- مما لا جدال فيه، ان مستوى الموضوعات التي يتم التعرض لها في البحث العلمي متفاوت بدرجة غير قليلة، وهذا حال البحث العلمي قديما وحديثا، وفي العراق وخارجه بما في ذلك الجامعات العالمية المهمة.
2- وايضا مما لا جدال فيه، ان هناك موضوعات محدودة الاهمية، واخرى بسيطة وساذجة، واخرى تقدم تزلفا لسلطة ما او لمصالح معينة، تم مناقشتها ومنح اصحابها درجات والقاب، وهذا الحال في عراق ما قبل 2003 وما بعده، بل وايضا هذه المشكلة موجودة في معظم جامعات دول العالم الثاني والثالث، وحتى بعض دول العالم الاول.
3- يمثل اختيار العنوان الملائم احد اكبر التحديات التي تواجه طالب الدراسات العليا وخاصة في مرحلة الماجستير لعدة اسباب من اهمها:
أ. ان يكون العنوان غير مكرر ولم يشتغل عليه احد من قبل.
ب. توجد له مصادر مناسبة تغطيه.
ج. عينة البحث متاحة.
د. متناسب مع خط الكلية والقسم والاختصاص الذي يعمل عليه.
ه. يتوفر له استاذ مشرف.
و. مناسب لقدرات الطالب ولديه رغبة في الاشتغال عليه.
وكل المشتغلين في البحث العلمي يدركون صعوبة هذه المحددات خصوصا مع هذا الانفجار في اعداد طلبة الدراسات العليا وعدد الموضوعات التي تبحث.
4- هناك مداخل مهمة لتوفير الموضوعات، والتي يمكن ان تقدم خدمة جليلة للبلد وللطالب، ومما يؤسف له انها غير معمول عليها، وغير ملتفت لها، تتمثل في الآتي:
تجديات غير مدروسة
أ. حاجات الوزارات والهيئات وفي مقدمتها وزارة التخطيط لقضايا وموضوعات ومشاكل وتحديات غير مدروسة او فيها مستجدات تقتضي الدرس او ان المدروس منها لا يغطي الحاجة، وهذا الامر يشمل الموضوعات العلمية والهندسية والانسانية، فلو تقدمت المؤسسات الحكومية وبالتنسيق مع الامانة العامة لمجلس الوزراء بعرض ما تحتاج ان يبحث ويدرس من المشاكل والمتطلبات ووفرت البيانات الاولية عنه، لوجدنا امام الطلبة آلاف الموضوعات المهمة والجدية والتي تغطي حاجة البلد وفي ذات الوقت تسهل على الطالب الاختيار، وكنت ولا زلت اقول ان: « العراق بلد غير مدروس»، فهناك عشرات آلاف الاسئلة المعرفية والعملية التي تستحق ان يغطيها البحث العلمي.
ب. نقاشات وحوارات النخب والتي يمكن ان تبلور مئات الاسئلة المهمة والعناوين التي يمكن ان يجري التنسيق حولها من قبل الجامعات وتتحول الى مشاريع بحثية.
ج. رصد علمي مختص من قبل الجامعات بمختلف كلياتها للموضوعات والفراغات المعرفية، وتقديمها عبر مؤتمرات خاصة تعقد لاجل متطلبات البحث العلمي، إذ يمكن ان تضع الجامعة بين يدي الطلبة موضوعات ذات اهمية للدراسة والبحث او على الاقل مسارات عامة لقضايا محددة على سبيل المثال (تحديات التحول الى اقتصاد السوق) او (تحديات تنويع الاقتصاد) او (معوقات تطور النظام الاروائي)، وهذه المسارات تتحمل في داخلها عشرات العناوين، وبهذا يكون الطالب امام خيارات واسعة.
5- هناك مدخل مهم لانتاج مقترحات العناوين يتمثل في اقتراحات يقدمها اساتذة المواد التي تدرس في الفترة التحضيرية، حيث يمكن ان يقترح كل منهم في المجال الذي يدرسه على الطلبة، البحث في اكثر من مشكلة او موضوع، وبذلك يزداد رصيد المقترحات بين يدي الطالب.
زاوية المقاربة
6- ان فكرة العنوان المكرر تحتاج الى اعادة نظر في الحدود والشروط، فهناك موضوعات تتحمل عشرات الدراسات مع اختلاف زاوية المقاربة وتبقى لكل مقاربة خصوصيتها، كما ان تبدل عينة البحث يغير مسار المقاربة كثيرا، لذا فإن على لجان الدراسات العليا، ان تنظر في هذه القضية بجدية وتبدل من المنهج التقليدي في التعامل مع الموضوعات المكررة او المدروسة.
7- من المهم ان يدرك الجميع، ان دراسة بعض الموضوعات التي قد تظهر للوهلة الاولى بسيطة او يسمونها تافهة، هي ليست كذلك في المنظور العلمي، فمن اهم الدرسات في مجال الرأي العام دراسة (النكتة والطرائف)، وفي علم الاجتماع تولى اهمية عالية لسلوكيات وفعاليات بسيطة لانها تمثل كاشف عن المجتمع، وهكذا في كل المجالات العلمية، فصناعة الحلويات مثلا صناعة مهمة ولها خصوصياتها وتمثل في بلدان معينة احد مرتكزات الهوية، فهل تعلمون ان سلطة عمان لديها تشريعات تتعلق بضوابط صناعة الحلوى العمانية، بل والدشداشة العمانية، فدراسة هذه الموضوعات يقدره اهل الاختصاص وليس محلا لسخرية العامة.
8- ان عقلية بعض الاساتذة الذين يشرفون على المصداقة على اختيار الموضوعات ليست بالمستوى المناسب لمتطلبات البحث العلمي، كما ان المزاجية والشخصنة والانطباعات الشخصية لهذا اثرها في قضية التعامل مع مقترحات الطلبة في الدراسات العليا.
ختاما: ان العمل على المداخل التي اشرت إليها، واعادة النظر في فلسفة تحديد الموضوعات المكررة، وسعي الاساتذة لترشيح موضوعات للطلبة خلال التدريس، وبحث الجامعة عن الموضوعات المهمة وتقديمها بين يدي طلابها، واعادة النظر في لجان اختيار الموضوعات، يساهم بشكل فاعل ومؤثر في نتاج دراساتنا العليا، كما ان سلوك التندر والسخرية والتنمر على الاخرين، لا يعني بأي وجه حبا لمصلحة الوطن او دفاعا عن الرصانة العلمية بل هو تهريج غير محترم، ومن لديه نقد عليه ان يقدمه بموضوعية وفي المحافل المناسبـــــــــــة وبمقصد شريف.























