على ضفاف الكتابة والحياة.. ذكريات ويوميات بعيدة وقريبة
عبد الحسن علي الغرابي
كتاب صادر عن الدار العربية للعلوم ـ بغداد \ طبعة أنيقة تحتوي على 393 صفحة ، تناولت السيرة الذاتية للكاتب والصحفي المهندس موثقة بالصور لاماكن وشخصيات ولقاءات مع ابرز رجال الفكر والأدب والسياسة ، أضاف بكتابه هذا ثروة وافرة أخرى الى ثرواته السابقة ، وقد يكن هذا المطبوع التاسع أو العاشر ، ولازال برفقة القلم والقرطاس وبعطاء متواصل ، رغم تخطيه العقد السابع من العمر ، وبروح الشباب لا نرى انه يقف عند هذا الحد بل يبقى محلقاً يحوم على ضفاف الكتابة والحياة ، في هذا المنجز ثمانية فصول وكل فصل تعددت أبوابه دون أن يضع فهرسة ، الكاتب المهندس رافق القلم ليدون على الورق الأيام التي عاشها ، والوقائع التي عاصرها والتجارب التي خاضها وعاناها وكابدها ، بحلوها ومرها ، فرحها وحزنها ، مدها وجزرها ، وصعودها وهبوطها ، ينقلها نصاً وروحاً للأجيال الراهنة الجديدة ، ويحفظها ذخراً ودرساً للأجيال القادمة ، ومن بينهم أحفاد شاهين (شاهين نجل الكاتب) ويصل وهجها للأجيال القادمة البعيدة ، عن جيل سابق قد يزول ، ولعله قد عاد بخياله المحلق الجوال الذي كان خصباً متوثباً مرهفاً ، بقدر ما كان عقله واعياً رصيناً ثاقباً ، ستبقى هذه المدونات ، بما تحمل من ذكريات لها دروس وعبر ، وكلنا نحن البشر نزول ، كما أصبح أسلافنا وأجدادنا مجرد حكايات تسردها أحاديث السمر في المجالس والدواوين ، وقد نجح المؤلف في تقديم وثائق وصور واضحة دقيقة شاملة رسمها بقلم رشيق معبر وأسلوب حي سلس عن حقبة تاريخية مهمة ، تناولت جوانب سياسية وثقافية واجتماعية ، كما عرفها وعاصرها وعاشها بكل جوانحه ، كان وطنياً وقومياً قام بنشاطات سياسية ، واقتيد الى السجون والمعتقلات مرات عديدة ، ورغم تلك الظروف القاسية واصل كفاحه العلمي والثقافي بجد ومثابرة ، نال بامتياز شهادة الهندسة الميكانيكية ، وبخط متواز كان كاتباً وصحفياً معروف في الوسط الثقافي المحلي والدولي ، لا أخشى أن أقع في الغلو وأطلق الكلام حين أقرر أن قدرة هذا الرجل نادرة وغريبة تفوق التصور ، ويعجز أن يصفها قلم في مواجهة قسوة الظروف ، التي أستعد لها بفطنة وشجاعة مثابر ذكي ، ولو رتبنا هذا على شكل سؤال يأتي الجواب على الصفحة ” (89) في صيف عام 1969 ، عملتٌ في المؤسسة العامة لتوزيع الأدوية ، وعندما حل العام الدراسي (1969 ــ 1970) رتبت المؤسسة عملاً ، مفيداً لها ، ومناسباً لي بنفس الوقت ، وهو : أن أقوم مساءً بتوزيع الأدوية على صيدليات في بغـداد ، وهكذا كان دولاب العمل يدور : طالب في كلية الهندسة من الصباح الى الظهر ، أو بعده بقليل ، عندها أتوجه الى مذخر الأدوية رقم (6) والكائن عند مدخل معسكر الرشيد ، حيث أستلم صناديق الأدوية ، مؤشر عليها أسماء الصيدليات ، وكان التوزيع حسب الأمكنة : فيوم لصيدليات الكاظمية ، ويوم لصيدليات مدينة الكرادة .. وهكذا ، أنهي عملية البيع قبل الساعة السادسة مساءً ، أعود للمذخر لاسلم عائد المبيعات للمحاسب ، أتوجه بعد ذلك الى مبنى جريدة الثورة في (أبو نؤاس) ، وعادة ينتهي دوام قسمنا في التاسعة مساءً ، أترك الجريدة وأتوجه لدار الطلبة بباب المعظم (حيث قاعات المطالعة ، وحيث سكننا) لأصلها قبل العاشرة ليلاً ، لأبدأ مطالعة وتحضير دروس اليوم التالي ، كان برنامجاً يومياً متعباً جداً ، ولكني ولجته مضطراً ، بل وأنا في أشد حالات الأضطرار، وليس بإمكاني أن أترك أيا من الأعمال الثلاثة (الدراسة الجامعية ـ بيع الأدوية ـ العمل الصحفي) .. أليس هذا إصرارا وعزيمة بكفاح يتواصل لبلوغ هدف ولتحقيق حلم أبعد من حلم السيدة التي كانت أمنيتها أن يوفق أبنها اليتيم ليصبح معلماً في مدرسة القرية ، المرأة الريفية التي عانت من التعب والقلق وهي تتنقل من معتقل الى سجن خلال سنين النضال ، كان حلمه أكبر وطموحه أبعد ، لذلك وضع نفسه في دولاب عمل يدور ليل نهار ، ودار في فلك مهنة المتاعب ، وملزم أن يقدم عمود صحفي يوميا وفي الصفحة 91 عرض نموذج لعموده بتوقيع أبو شاهين ونموذج آخر على الصفحة 94 وعلى يوميات جريدة الثورة وباسمه الثلاثي الصريح ويستمر بالتوثيق المصور على ضفاف الكتابة والحياة ، بذكر ابرز رموز الأدب والصحافة آن ذاك في باكورة العمل الصحفي وأفرد لهم صفحات مثل الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم والصحفي الشاعر حميد سعيد ويوسف متي وعادل العرداوي وزيد الحلي وأحمد عبد المجيد والشاعر سامي مهدي وسعد البزاز والاعلامي عادل الدلي وحميد المطبعي وشخصيات عديدة زاملته في العمل لا يتسع المجال لذكرها الآن ، ولقاءات عديدة لشخصيات سياسية عربية ودوليه ، وسفرات عديدة الى مختلف دول العالم شرقا وغربا، أرخ لها ووثقها بالصور ، أفرزت علاقات ولقاءات من خلال حضور المؤتمرات في طول وعرض المعمورة ، والجميل أن يضّمن السرد بما مشوق أو بقصد آخر والله وحده يعلم بسريرة الكاتب ، وكمتلقي ليّ الحق في تفسير ما أراه يتوافق مع تحليلي لواقع هواجس الكاتب ، المعروف أن الحب يبدأ من العين والأذن تعشق قبل العين أحياناً في الصفحة 203 (حين وصلت نيقوسيا مطلع عام 1980 ، كانت لدي فكرة ما عن هذه المدينة . وكانت (مونيكا) بانتظاري . ونظمت لي أكثر من برنامج تجوال ، مستخدمين سيارتها الخاصة ، كان طلبها ، أو شرطها الوحيد ، مقابل استخدامنا لسيّارتها ، أن أدفع ثمن البانزين الذي تشتريه لاغراض التجوال ، ووافقت على الفور ، ولسان حالي يقول تتدلل (مونيكا)؛؛ … ص 204 يتدلى من أذن (مونيكا) قرط جميل ، وأثناء جلوسي الى جانبها في السيارة ، مددت يدي نحو هذا القرط ، مُبديا إعجابي به ، ولأنها ـ كأنثى ـ توقعت خطوة لاحقة مني ، كأن تمتد يدي من أذنها نحو خدها الأغريقي ، إمتعضت قائلة ، بالأنكليزية : (do not disturb the driver ) وترجمة هذا القول ، نصاً : لا تزعج أو تؤثر على السائق ؛ ومثل حلم ليلة صيف ، مرت أيامي في نيقوسيا ؛؟) في الزجل العراقي يتكرر حلم ليلة الصيف ، ومطر الصيف يمر سريعا مثل دلال (مونيكا) والمهندس الكاتب كأي عراقي لا تخلو سيرته الذاتية من الحب فمثلما عشق العلم وصاحبة الجلالة ، كان لابد أن تكن هناك صفحة للحب ، الحب في الحياة مثل الملح في الطعام .. في الصفحة 348 (خطابات الحب أجملها ،لأي امرأة كانت ؟ أنا منحدر أو (قادم) من بيئة ريفية والقاعدة التي أؤمن بها ” ليس ريفياً من لم يعشق ” بل وأنا طالب في آخر المرحلة الابتدائية نظمت قصيدة ساعدني في بلورتها الشاعر الراحل الكبير السيد مصطفى جمال الدين أذكر مطلعها : نحن في الريف بقايا فئة .. دينها الحب ودينياها السمر) . كان هذا ضمن حوار مطول أجراه معه الصحفي أبو طالب البو الحية .. والقاعدة التي ذكرها (أبو شاهين) تذكرني بقول أو مثل فرنسي : ” كلما هو غير واضح فهو غير فرنسي ” فالمؤلف كان واضحاً ، صريحاً ، صادقاً بما تضمن منجزه على ضفاف الكتابة والحياة الاعتراف يأتي متأخراً .






















