على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ (‬2‭)‬-حسن النواب

شذراتٌ‭ ‬نيّرةٌ‭ ‬أخرى‭ ‬اخترتها‭ ‬من‭ ‬صفحة‭ ‬شقيقي‭ ‬الإعلامي‭ ‬الراحل‭ ‬علي‭ ‬النوَّاب‭ ‬على‭ ‬الفيس‭ ‬بوك‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬ينشرها‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬الله؛‭ ‬ليتَّسع‭ ‬صدر‭ ‬الجريدة‭ ‬لها؛‭ ‬ريثما‭ ‬استوعب‭ ‬غيابه‭ ‬المفجع‭ ‬الذي‭ ‬شجَّ‭ ‬شغاف‭ ‬قلبي‭ ‬وضرب‭ ‬معاقل‭ ‬وجداني‭ ‬في‭ ‬غربتي‭ ‬الموحشة‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬‮١٧‬‭ ‬آذار

صباح‭ ‬الخير‭..‬

من‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬قرأت‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬هذا‭ ‬الصباح‭: ‬رجل‭ ‬يدعي‭ ‬‮«‬بانورج‭ ‬‮«‬‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحريّة‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬سفينة‭. ‬وكان‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬السفينة‭ ‬تاجر‭ ‬الأغنام‭ ‬‮«‬دندونو‮»‬‭ ‬ومعه‭ ‬قطيع‭ ‬من‭ ‬الخرفان‭ ‬المنقولة‭ ‬بغرض‭ ‬بيعها‭. ‬كان‭ ‬‮«‬دندونو‮»‬‭ ‬تاجراً‭ ‬جشعاً‭ ‬يمثِّلُ‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬وهو‭ ‬غياب‭ ‬الإنسانية‭. ‬حدث‭ ‬أنْ‭ ‬وقعَ‭ ‬شجارٍ‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬المركب‭ ‬بين‭ ‬‮«‬بانورج‮»‬‭ ‬والتاجر‭ ‬‮«‬دندونو‮»‬،‭ ‬صمَّمَ‭ ‬على‭ ‬أثره‭ ‬‮«‬بانورج‮»‬‭ ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬التاجر‭ ‬الجشع،‭ ‬فقرّر‭ ‬شراء‭ ‬خروف‭ ‬من‭ ‬التاجر‭ ‬بسعر‭ ‬عال،‭ ‬وسط‭ ‬سعادة‭ ‬دندونو‭ ‬بالصفقة‭ ‬الرابحة‭. ‬وفي‭ ‬مشهدٍ‭ ‬غريبٍ‭ ‬يمسكُ‭ ‬‮«‬بانورج‮»‬‭ ‬بالخروف‭ ‬من‭ ‬قرنيِّهِ‭ ‬ويجرُّهُ‭ ‬بقوّةٍ‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬السفينة‭ ‬ثم‭ ‬يلقي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬وإذا‭ ‬بأحد‭ ‬الخرفان‭ ‬يتبع‭ ‬خطى‭ ‬الخروف‭ ‬الغريق‭ ‬ليلقى‭ ‬مصيره‭ ‬مثله،‭ ‬ليلحقه‭ ‬الثاني‭ ‬فالثالث‭ ‬والرابع‭ ‬وسط‭ ‬ذهول‭ ‬التاجر‭ ‬وصدمته،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬اصطفت‭ ‬الخرفان‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬‮«‬طابور‭ ‬مهيب‮»‬‭ ‬لتمارس‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬القفز‭. ‬جُنَّ‭ ‬جنون‭ ‬تاجر‭ ‬الأغنام‭ ‬‮«‬دندونو‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬منع‭ ‬القطيع‭ ‬من‭ ‬القفز‭ ‬بالماء،‭ ‬لكنّ‭ ‬محاولاته‭ ‬كلها‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬إيمان‭ ‬‮«‬الخرفان‭ ‬بما‭ ‬يفعلونه‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الرسوخ‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُقاوم‭. ‬وبدافع‭ ‬قوي‭ ‬من‭ ‬الجشع‭ ‬اندفع‭ ‬‮«‬دندونو‮»‬‭ ‬للإمساك‭ ‬بآخر‭ ‬الخرفان‭ ‬الأحياء‭ ‬آملاً‭ ‬في‭ ‬إنقاذه‭ ‬من‭ ‬مصيره‭ ‬المحتوم،‭ ‬إلّا‭ ‬أنَّ‭ ‬الخروف‭ ‬‮«‬المؤمن‮»‬‭ ‬كان‭ ‬مُصرَّاً‭ ‬على‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬الخرفان،‭ ‬فكان‭ ‬أنْ‭ ‬سقطت‭ ‬جميع‭ ‬الخراف‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬لتموت‭ ‬غرقاً‭. ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬صار‭ ‬تعبير‭ ‬‮«‬خرفان‭ ‬بانورج‮»‬‭ ‬مصطلحاً‭ ‬شائعاً‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ويعني‭ ‬انسياق‭ ‬الجماعة‭ ‬بلا‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬إرادة‭ ‬وراء‭ ‬آراء‭ ‬أو‭ ‬أفعال‭ ‬الآخرين‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬تنامي‭ ‬روح‭ ‬القطيع‭ ‬لديه‭! ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تصادفنا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬قطعان‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬‮«‬خرفان‭ ‬بانورج‭ ‬‮«‬‭ ‬تردِّد‭ ‬كلاماً‭ ‬أو‭ ‬تفعل‭ ‬أفعالا‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬سمعت‭ ‬أو‭ ‬رأت‭ ‬من‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭. ‬العبرة‭ ‬من‭ ‬القصة،‭ ‬أعطاك‭ ‬الله‭ ‬سلاحين،‭ ‬أعطاك‭ ‬العقل‭ ‬والحرية،‭ ‬فعليك‭ ‬باستخدام‭ ‬عقلك‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬لهدفك‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬طريقة‭ ‬تحقيق‭ ‬الهدف‭.‬

الصورة‭: ‬تأمل‭ ‬هادئ‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬علَّنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬ما‭..‬

عدسة‭: ‬علاء‭ ‬شاكر‭ ‬الصالحي‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬‮١٨‬‭ ‬آذار

صباحُ‭ ‬الخير‭..‬

أحياناً‭ ‬تشعر‭ ‬ُ‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬كلُ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬أحلامٍ‭ ‬جميلة،‭ ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬َ‭ ‬ليس‭ ‬كذلك،‭ ‬فأحلامك‭ ‬الجميلة‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد،‭ ‬أقول‭ ‬ربما‭!‬

الصورة‭: ‬خلال‭ ‬احتفاء‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتاب‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬بالمبدعين‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬النواب‭ ‬علي‭ ‬حسين‭ ‬عبيد‮»‬‭ ‬بفوزهما‭ ‬بجائزة‭ ‬الطيب‭ ‬صالح‭ ‬للإبداع‭ ‬الأدبي،‭ ‬وحديث‭ ‬جانبي‭ ‬مع‭ ‬الأعزاء‭ ‬‮«‬ماجد‭ ‬الخياط‭ ‬وسلام‭ ‬البناي‮»‬‭. ‬

عدسة‭: ‬فاضل‭ ‬الحكيم‭ ‬شخصياً‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬21‭ ‬آذار

صباح‭ ‬الخير‭..‬

هو‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لخروجي‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬مكثت‭ ‬عدَّة‭ ‬أشهر‭ ‬أسيراً‭ ‬لفراش‭ ‬المرض،‭ ‬الذي‭ ‬صعَّب‭ ‬عليً‭ ‬الحركة‭ ‬وأفقدني‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬المشي،‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬بتناول‭ ‬نفر‭ ‬‮«‬معلاگ‮»‬‭ ‬مُعتبر‭ ‬والذي‭ ‬حرمت‭ ‬منهُ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أشهر‭. ‬الحمدُ‭ ‬لله‭ ‬تحركت‭ ‬ومشيت‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬شكرا‭ ‬لكل‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬تواصلوا‭ ‬معي‭ ‬بالزيارة‭ ‬والسؤال‭ ‬والاهتمام،‭ ‬أبعد‭ ‬الله‭ ‬عنهم‭ ‬كل‭ ‬مكروه‭.‬

الصورة‭: ‬شارع‭ ‬حي‭ ‬الحسين،‭ ‬نفر‭ ‬معلاگ،‭ ‬إسكنجبيل،‭ ‬وأجواء‭ ‬ولا‭ ‬أروع‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬‮٢٨‬‭ ‬آذار

صباحُ‭ ‬الخَير‭..‬                                                                       

تنتهي‭ ‬حياتكَ‭ ‬قبل‭ ‬الأوان،‭ ‬بفعلِ‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬وليس‭ ‬بفعلِ‭ ‬الملل‭. ‬استيقظتُ‭ ‬مبكراً‭ ‬كعادتي،‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خدمتي‭ ‬العسكرية‭ ‬الإلزامية،‭ ‬كان‭ ‬تغريد‭ ‬البلبلُ‭ ‬ينسابُ‭ ‬بعذوبة‭ ‬إلى‭ ‬أذني‭ ‬فيبعثُ‭ ‬في‭ ‬جسدي‭ ‬النشاط‭ ‬،‭ ‬تغريدُ‭ ‬البلبلُ‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬دعوةٌ‭ ‬منه‭ ‬كي‭ ‬أطلقَ‭ ‬سراحهُ‭ ‬من‭ ‬القفص‭ ‬ليجول‭ ‬َ‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬البيت،‭ ‬لأعيدهُ‭ ‬عند‭ ‬بداية‭ ‬المساء‭ ‬إلى‭ ‬قفصهِ،‭ ‬نعم‭ ‬هو‭ ‬يتنقلُ‭ ‬هنا‭ ‬و‭ ‬هناك،‭ ‬لكن‭ ‬مكانهُ‭ ‬الأثير‭ ‬هو‭ ‬فوق‭ ‬كتفي‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬عندما‭ ‬أبدأ‭ ‬بغسل‭ ‬يدي‭ ‬بعد‭ ‬تناول‭ ‬الغداء،‭ ‬ينتقلُ‭ ‬من‭ ‬كتفي‭ ‬إلى‭ ‬كفّي‭  ‬إيذاناً‭ ‬منهُ‭ ‬في‭ ‬بدء‭ ‬عملية‭ ‬الاستحمام‭ ‬اليومي،‭ ‬أفتحُ‭ ‬كفيّ‭ ‬وأملأها‭ ‬بالماء،‭ ‬فيقفز‭ ‬إلى‭ ‬مسبحهِ‭ ‬الصغير‭ ‬ليستحم،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يقفز‭ ‬إلى‭ ‬كتفي‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى‭ ‬لينفضَ‭ ‬عنهُ‭ ‬الماء،‭ ‬لا‭ ‬أدري،‭ ‬اليوم‭ ‬ذكّرني‭ ‬تغريدهُ‭ ‬بأغنية‭ ‬‮«‬مائدة‭ ‬نزهت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬غنتَّها‭ ‬منتصف‭ ‬الستينات‭ ‬يقول‭ ‬مطلعها‭: ‬بغداد‭ ‬يا‭ ‬بغداد،‭ ‬يا‭ ‬نغمة‭ ‬حلوة‭ ‬على‭ ‬لساني‭.. ‬هذه‭ ‬الأغنيةُ‭ ‬كانت‭ ‬مرتبطةً‭ ‬بصورةٍ‭ ‬منقوشة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬هي‭: ‬تناولي‭ ‬‮«‬الريوگ‮»‬‭ ‬وأنا‭ ‬استعدُ‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مدرستي‭ ‬الابتدائية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬صخير‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬تغريدُ‭ ‬البلبلُ‭ ‬الذي‭ ‬يقفُ‭ ‬على‭ ‬‮«‬سيباط‮»‬‭ ‬العنب‭ ‬ينسابُ‭ ‬إلى‭ ‬أُذنيَّ‭ ‬عبر‭ ‬الشبَّاك‭ ‬المُطلُّ‭ ‬على‭ ‬حديقة‭ ‬البيت،‭ ‬والذي‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تمرُ‭ ‬نسمات‭ ‬الربيع‭ ‬المنعشة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬يصاحبهُ‭ ‬صوت‭ ‬الراديو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يصدحُ‭ ‬بأغنية‭ ‬بغداد‭ ‬يا‭ ‬بغداد‭..‬

حسن‭ ‬النواب