
شذراتٌ نيّرةٌ أخرى اخترتها من صفحة شقيقي الإعلامي الراحل علي النوَّاب على الفيس بوك والتي كان ينشرها تحت عنوان على باب الله؛ ليتَّسع صدر الجريدة لها؛ ريثما استوعب غيابه المفجع الذي شجَّ شغاف قلبي وضرب معاقل وجداني في غربتي الموحشة.
على باب الله ١٧ آذار
صباح الخير..
من أجمل ما قرأت من الأدب الفرنسي هذا الصباح: رجل يدعي «بانورج « كان في رحلة بحريّة على متن سفينة. وكان على نفس السفينة تاجر الأغنام «دندونو» ومعه قطيع من الخرفان المنقولة بغرض بيعها. كان «دندونو» تاجراً جشعاً يمثِّلُ أسوأ ما في هذا العصر وهو غياب الإنسانية. حدث أنْ وقعَ شجارٍ على سطح المركب بين «بانورج» والتاجر «دندونو»، صمَّمَ على أثره «بانورج» الانتقام من التاجر الجشع، فقرّر شراء خروف من التاجر بسعر عال، وسط سعادة دندونو بالصفقة الرابحة. وفي مشهدٍ غريبٍ يمسكُ «بانورج» بالخروف من قرنيِّهِ ويجرُّهُ بقوّةٍ إلى طرف السفينة ثم يلقي به إلى البحر، وإذا بأحد الخرفان يتبع خطى الخروف الغريق ليلقى مصيره مثله، ليلحقه الثاني فالثالث والرابع وسط ذهول التاجر وصدمته، ثُمَّ اصطفت الخرفان الباقية في «طابور مهيب» لتمارس دورها في القفز. جُنَّ جنون تاجر الأغنام «دندونو» وهو يحاول منع القطيع من القفز بالماء، لكنّ محاولاته كلها باءت بالفشل، فقد كان «إيمان «الخرفان بما يفعلونه على قدر من الرسوخ أكبر من أن يُقاوم. وبدافع قوي من الجشع اندفع «دندونو» للإمساك بآخر الخرفان الأحياء آملاً في إنقاذه من مصيره المحتوم، إلّا أنَّ الخروف «المؤمن» كان مُصرَّاً على الانسياق وراء الخرفان، فكان أنْ سقطت جميع الخراف في الماء لتموت غرقاً. من هذه القصة صار تعبير «خرفان بانورج» مصطلحاً شائعاً في اللغة الفرنسية ويعني انسياق الجماعة بلا وعي أو إرادة وراء آراء أو أفعال الآخرين. ليس هناك أخطر على مجتمع ما من تنامي روح القطيع لديه! كثيرا ما تصادفنا في حياتنا قطعان كاملة من «خرفان بانورج « تردِّد كلاماً أو تفعل أفعالا لمجرد أنها سمعت أو رأت من يقوم بذلك. العبرة من القصة، أعطاك الله سلاحين، أعطاك العقل والحرية، فعليك باستخدام عقلك في التخطيط لهدفك والحرية في اختيار طريقة تحقيق الهدف.
الصورة: تأمل هادئ في تفاصيل الحياة علَّنا نصل إلى شيء ما..
عدسة: علاء شاكر الصالحي.
على باب الله ١٨ آذار
صباحُ الخير..
أحياناً تشعر ُ أنَّ هذا اليوم هو كلُ ما تبقى لك من أحلامٍ جميلة، لكن الأمر َ ليس كذلك، فأحلامك الجميلة ربما لم تبدأ بعد، أقول ربما!
الصورة: خلال احتفاء اتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء بالمبدعين «حسن النواب علي حسين عبيد» بفوزهما بجائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي، وحديث جانبي مع الأعزاء «ماجد الخياط وسلام البناي».
عدسة: فاضل الحكيم شخصياً.
على باب الله 21 آذار
صباح الخير..
هو اليوم الأول لخروجي من البيت، بعد أنْ مكثت عدَّة أشهر أسيراً لفراش المرض، الذي صعَّب عليً الحركة وأفقدني قدرتي على المشي، بدأت هذه المناسبة بتناول نفر «معلاگ» مُعتبر والذي حرمت منهُ على مدى أشهر. الحمدُ لله تحركت ومشيت بعض الشيء، شكرا لكل الأصدقاء الذين تواصلوا معي بالزيارة والسؤال والاهتمام، أبعد الله عنهم كل مكروه.
الصورة: شارع حي الحسين، نفر معلاگ، إسكنجبيل، وأجواء ولا أروع.
على باب الله ٢٨ آذار
صباحُ الخَير..
تنتهي حياتكَ قبل الأوان، بفعلِ المرض في الغالب، وليس بفعلِ الملل. استيقظتُ مبكراً كعادتي، التي اكتسبتها من خلال خدمتي العسكرية الإلزامية، كان تغريد البلبلُ ينسابُ بعذوبة إلى أذني فيبعثُ في جسدي النشاط ، تغريدُ البلبلُ هو أيضاً دعوةٌ منه كي أطلقَ سراحهُ من القفص ليجول َ في أرجاء البيت، لأعيدهُ عند بداية المساء إلى قفصهِ، نعم هو يتنقلُ هنا و هناك، لكن مكانهُ الأثير هو فوق كتفي في الغالب، عندما أبدأ بغسل يدي بعد تناول الغداء، ينتقلُ من كتفي إلى كفّي إيذاناً منهُ في بدء عملية الاستحمام اليومي، أفتحُ كفيّ وأملأها بالماء، فيقفز إلى مسبحهِ الصغير ليستحم، بعد ذلك يقفز إلى كتفي مرةً أخرى لينفضَ عنهُ الماء، لا أدري، اليوم ذكّرني تغريدهُ بأغنية «مائدة نزهت» التي غنتَّها منتصف الستينات يقول مطلعها: بغداد يا بغداد، يا نغمة حلوة على لساني.. هذه الأغنيةُ كانت مرتبطةً بصورةٍ منقوشة في ذاكرتي هي: تناولي «الريوگ» وأنا استعدُ الذهاب إلى مدرستي الابتدائية في مدينة «أبو صخير»، وكان تغريدُ البلبلُ الذي يقفُ على «سيباط» العنب ينسابُ إلى أُذنيَّ عبر الشبَّاك المُطلُّ على حديقة البيت، والذي كانت من خلاله تمرُ نسمات الربيع المنعشة في الوقت ذاته، يصاحبهُ صوت الراديو الذي كان يصدحُ بأغنية بغداد يا بغداد..
حسن النواب























