عراق داعش.. من الحرب الأهلية إلى التقسيم

عراق داعش.. من الحرب الأهلية إلى التقسيم عبد الحسين شعبان على نحو شديد المفاجأة وأمام ذهول الجميع تمكّنت قوى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروفة باسم “داعش” السيطرة على مدينة الموصل حيث انسحبت قوات الجيش العراقي دون أي اعتراض يُذكر، وكذلك الحكومة المحلية، واستولت “داعش” على المطارات والثكنات العسكرية والمصارف والمرافق العامة ووضعت اليد على أموالها وممتلكاتها، ليس هذا فحسب، بل أعلنت أنها تتجه إلى العاصمة بغداد بشكل مباشر. ولعلّ مثل هذه التطورات الميدانية دفعت عشرات الآلاف من أهالي الموصل وعموم محافظة نينوى للنزوح باتجاه إقليم كردستان الذي يعاني من وجود لاجئين سوريين أصلاً، وصل عددهم إلى ما يزيد عن 100 ألف لاجئ، ناهيكم عن وجود عشرات الآلاف من أهالي الأنبار وخصوصاً الفلوجة، الذين نزحوا بعد عمليات الصدام المسلح قبل أشهر قليلة، خصوصاً عندما حاولت ” داعش” التحصّن في المدينة.ولعلّ الحدث الأبرز ذى المغزى السياسي الذي رافق عملية “داعش” باحتلال الموصل، هو فرض قوات اقليم كردستان سيطرتها على مدينة كركوك بالكامل ولأول مرّة، خصوصاً ما تمثله المدينة من رمزية، وهو ما أطلق عليها جلال الطالباني (الرئيس العراقي الغائب عن الوعي منذ نحو عامين) ” قدس الأقداس”، فضلاً عن كونها مدينة غنية بالنفط، وكانت ولا تزال محطّ نزاع منذ بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 وحتى الآن بين الحكومة المركزية (الاتحادية الآن) ومنطقة الحكم الذاتي (إقليم كردستان الفيدرالي حالياً) ويسكنها خليط من العرب والتركمان والكرد.وكان الدستور العراقي المؤقت ” قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية” لعام 2004 قد تعرّض لها بوضع المادة 58 التي اشترطت تطبيع الأوضاع وإعادة المهجرين وتعويضهم وإنصاف الضحايا وإجراء استفتاء سكاني، لكن هذه المادة لم يتم تنفيذها ورحّلت للمادة 140 من الدستور العراقي الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) العام 2005، وهي مصدر خلاف شديد ولا يمكن إيجاد حل له الاّ بالتوافق، إذا استبعدنا استخدام القوة المسلحة. وبرّرت قوات البيشمركة الكردية السيطرة على كركوك بأن قطعات الجيش العراقي انسحبت من مواقعها، ولذلك حاولت هي أن تحلّ محلها خوفاً من احتمال تسلّل جماعات “داعش” إليها، وهو أمر مبرّر إذا كان الاتفاق مع الحكومة الاتحادية أو جاء برغبة منها أو مبادرة ضد الارهاب، ولكنه قد يثير حساسيات لاحقة بعد الانتهاء من عملية “داعش” الموصلية، وقد حاولت غزوة “داعش” الامتداد سريعاً، وذلك بعد أن أخذتها نشوة نصر سهل فاتجهت إلى بلدة العظيم التي تبعد 90 كيلومتراً (شمال بغداد) وسيطرت عليها، حيث تركتها قوات الجيش منسحبة نحو قضاء الخالص، وأهمية هذه المنطقة أنها الطريق الستراتيجي الذي يربط العاصمة بغداد بمحافظة كركوك، وهي تقبع على الحدود بين محافظتي ديالى وصلاح الدين. كما سيطرت “داعش” على ناحيتي الضلوعية والمعتصم شمال بغداد، وذلك بعد هجوم شنّته قواتها على مدينة سامراء التي تحتل رمزية خاصة لدى، الشيعة والسنّة لوجود مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري الذي سبق أن تم تفجيرهما في العام 2006 وأثار الأمر انفجار المسألة الفتنة الطائفية على نحو لم يسبق له مثيل، إضافة إلى التطهير المذهبي الذي أعقبها، علماً بأن قوات مدنية متطوعة وصلت إلى المدينة للدفاع عنها، قيل أنها من كتائب حزب الله العراقي ومن عصائب أهل الحق ومن لواء بدر وغيرهم، وقد حاول رئيس الوزراء استعادت المعنويات بوصوله إلى مدينة سامراء. كما داهمت قوات “داعش” مدينة تكريت (محافظة- صلاح الدين) واستولت عليها على الرغم من أن قوات عسكرية حكومية حاولت استعادة المدينة، لكن المعركة لم تحسم بعد. في الموصل التي لا تزال “فضيحة” الموسم استعرضت قوات “داعش” عربات الهمفي الأمريكية التي استولت عليها من القوات العراقية، كما استطاعت السيطرة على طوافتين حلّقتا في الأجواء، مع أن القوات الحكومية حاولت إطلاق صواريخ من الجو لتفجير مواقع لقوات “داعش”، كما هاجمت “داعش” قوات من البيشمركة قرب مدينة سنجار في الطريق بين سوريا والموصل. من جهة أخرى عمّت حالة من الرعب والذعر والخوف العديد من مناطق العراق، الأمر الذي دفع مرجعية النجف إلى دعوة كل من قادر على حمل السلاح للتطوع في القوات المسلحة والانخراط في تشكيلاتها ومساندتها باعتبار ذلك واجباً شرعياً، فضلاً عن كونه واجباً وطنياً، كما أصدرت بعض المراجع السنية دعوات مماثلة، لكن بعضها الآخر اعتبر عدم تلبية مطالب المتظاهرين الاحتجاجية وحالة التهميش والإقصاء هي السبب في وصول البلاد إلى ما وصلت إليه، بحيث يأتي مئات من المسلحين بعضهم من خارج الحدود ليستولوا على الموصل ويهددوا الوحدة العراقية التي تعاني من اعتلالات وخور في الكثير من المواقع بسبب السياسات السائدة. وتقول الحكومة العراقية أنها وضعت خطة أمنية جديدة هدفها حماية العاصمة ومحيطها من أي هجوم محتمل ولمواجهة هذا الوضع الاستثنائي. إيران عرضت مساعدتها للتصدي للارهاب بعد ساعات من سقوط الموصل بيد “داعش”، وذلك على لسان رئيسها حسن روحاني، وقدّم الرئيس الأمريكي أوباما عروضاً مشابهة عن تحركات عسكرية قريبة وقصيرة المدى وفورية والبحث في كل الخيارات.ولعلّ انهيار الدولة العراقية وذهابها باتجاه الحرب الأهلية، سيعني فشل المشروع الأمريكي في العراق وكذلك فقدان حليف مهم لإيران بالمنطقة، لذلك سيسعى البلدان إضافة إلى بعض دول المنطقة لاحتواء الموقف، خصوصاً احتمالات امتداداته وتأثيراتها الارهابية على دول المنطقة، بغض النظر عن المشاكل السياسية العراقية المستفحلة. ولكن حتى لو تم استعادة الموصل واستعادة صلاح الدين وكذلك الأنبار وخصوصاً الفلوجة المستعصية منذ بضعة أشهر وديالى التي لا تزال منطقة ساخنة بامتياز، وحزام بغداد الذي يشكّل منطقة اختراق للعاصمة، فإن استعادة وحدة الدولة العراقية سيبدو أمراً في غاية الصعوبة، بعد تعمّق انعدام الثقة ونهج التربص واستثمار الفرص للايقاع كل بالآخر، حتى ما بين الحلفاء، فما بالك بالفرقاء أو ” الشركاء” رغماً عنهم، ويعود ذلك لأسباب عدّة منها: أولاً- إن البيئة الحاضنة للقوى المناوئة في مناطق غرب وشمال العراق، لتوجهات الحكومة وقيادتها، ولاسيّما لرئيس الوزراء، هي بيئة معادية بامتياز، وهي تضغط بكل الاتجاهات لعدم تجديد ولايته وتطالب بصلاحيات وحقوق، وهي تشعر بالتهميش والغبن والحيف. ثانياً- إن البيئة الكردية، ولاسيّما القيادات الكردية وجدت الفرصة مناسبة للاجهاز على رئيس الوزراء واعتبار تجديد ولايته خطاً أحمر، وخصوصاً رئيس الإقليم مسعود البارزاني وهي بلا أدنى شك سوف لا تتراجع عن المكاسب التي حققتها في كركوك أو غيرها، بل تريد مقايضتها. ثالثاً- إن المعارضة بمختلف توجهاتها سواء من داخل العملية السياسية أم من خارجها وقفت ضد تجديد رئاسة المالكي، كما هي “القائمة العراقية” و”متحدون” و”القائمة العربية” وغيرها. رابعاً- إن البيت الشيعي الذي دعا لتأسيس د. أحمد الجلبي ونجح في إحراز نصر كبير في انتخابات العام 2005 وفي العام 2010 تصدّع الآن على نحو كبير، حيث يقف مقتدى الصدر (الأحرار) وعمار الحكيم (مواطنون) وغيرهم ضد تجديد ولاية المالكي. وإذا افترضنا أن الأمر سيحصل، سواءً بإبعاد المالكي أم إبقائه، على الرغم من ان المالكي حصل على 95 مقعداً ولديه الآن ضمن قائمته نحو 120 مقعداً بانضمام قوائم صغيرة له، فإن تكريس التباعد والافتراق أصبح أمراً واقعاً، وربما يدفع ذلك إلى استعادة مشروع جو بايدن لتقسيم العراق، حيث يكون الجنوب شيعياً وغرب وجزء من شمال العراق (سنياً) وجزء من شماله وشماله الشرقي كردياً، بإعلاء الهوّيات الفرعية وتبدّد الهوّية الوطنية العراقية، وقد تكون عملية “داعش” وما ستفرضه من استحقاقات تصب في هذا الإطار، وحتى لو افترضنا أن الصورة غير مكتملة، فقد يتم استكمالها، لاسيّما بتسعير آوار الحرب الأهلية أو التهديد بها، وذلك للوصول إلى محطة التقسيم، باعتباره أفضل الحلول السيئة، كما سيتم تبريره .