
عراق اليوم لا حياة للمستقلين – عبد الستار رمضان
أكبر خسارة للمجتمع وأكبر ضربة يمكن ان تحطم أعظم الدول محاولة السلطة الحاكمة او (الطبقة السياسية الحاكمة) ارغام الناس على فكر واحد وضمن قياس وتنظيم وحزب واحد، واجبارهم بمختلف طرق الترهيب والترغيب بضرورة انضمامهم الى هذا الحزب او ذاك والا سوف يكون هناك سد محكم لكل الابواب بحيث لا يجد المرء ولو خيطا او ضوءا يمكن ان يعينه في طريق الحياة.
وفيما مضى كنا نتهرب من محاولات وضغوط الانتماء لحزب البعث بترديد الشعار المعروف (كل العراقيين الجيدين هم بعثيون وان لم ينتموا)، لكنا اليوم لا نستطيع استخدامه فلا بد ان تكون لك هوية محددة او انتماء لحزب ما، وحتى لو كنت مستقلا فان المجتمع والناس يدفعونك الى حضن هذا الحزب او ذاك لانك لو كتبت في صحيفة معينة فانت سوف تحسب على الحزب او الجهة التي تدعمها ولو ظهرت في قناة فضائية معينة فربما تكون من مُنظري الحزب او الكتلة او المذهب الذي تتبعه.
والظاهر ان مفهوم اللا منتمي او الانسان المستقل حزبيا تكاد تنتهي ويتم القضاء عليها من كل الاحزاب الدينية والقومية والليبرالية والاشتراكية والديمقراطية بحيث وصلنا الى انه يندر ان يقوم حزب ما بترشيح او القبول بتعيين شخص مستقل ما رغم كل شهاداته ونزاهته التي يشيد بها الجميع عند النقاش والتقييم لكنهم ينتخبون ويقررون احداً غيره مفضل عليه عند القرار.
وانقل لكم بالنص كلاما لاحد السادة النواب في العراق عضو لجنة التصويت على اعضاء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (العراق اليوم اذا كنت مستقلا ولو كنت عبقريا أو فيلسوفا أو مخترعا عظيما فلا تترشح لأي منصب بالدولة لان الأحزاب يفضلون الجاهل والفاسد التابع لهم على العالم والنزيه من المستقلين, مفوضية الانتخابات نموذجا).
فاذا كان هذا حال (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات) وهي من يُشرف ويُجـــــــري الانتخابات، فكيف سيكون حال مجلس النواب القادم الذي يبــــدو ان كل (شعـــــيط ومعيط) يمكن ان يدخله مادام منتميا او محسوبا على هذا الحزب او تلك الكتله، وهو ما يظهر في مستوى وكفاءة هذا المجلس الذي بأستثناء الدورة الاولى وبعض الشخصيات المعدودة في دورات المجلس فانك تستطيع ان تعرف مستوى هذه الاحزاب وقيمتها وطريقة تفكيرها وقراراتها من خلال مرشحي قوائهما والفائزين في الوصول الى كراسي الوزارات و البرلمان.
ان استمرار الحال حسب الوضع الراهن وتشريع قانون الانتخابات بكل العيوب والظلم الذي سيلحقه بالاشخاص والكيانات الصغيرة التي وان كانت تملك الكثير من المصوتين والمؤيدين لها، الا ان اصواتهم بالنهاية ستذهب كما هو مخطط الى الحيتان الكبيرة التي جاءت بالكثير من النكرات وفاقدي الضمير والكفاءة الذين لا يعرفون الا كلمة نعم لقوائمهم واحزابهم.
كما ان بقاء نظام الكوتا ونسبة 25 بالمئة من المقاعد للعنصر النسوي ينسف النظام والعملية الديمقراطية من أساسه حيث لا عدالة ولا مساواة بل الفائز من يرضى عنه القائد او الحزب الفلاني ولا حياة ولا مكان للمستقلين والمعتدلين اصحاب الرأي والموقف الحر والرأي المخالف لآراء القطيع.
مشكلة العراقيين هي سرعة اصدار الاحكام والقسوة الى حد التطرف في تصنيف وتحديد هويات الاشخاص من دون أي معيار او ميزان، وربما تكون في نظر البعض حزبيا اوعميلا للحزب الفلاني وفي نفس الوقت يصر آخر انك من جماعة السيد… وهو ما يدعونا الى وجوب ان نتعرف على التمييز والتفريق بين الفكر السياسي لكل شخص وهو حق له كجزء من حرية الرأي والتعبير ، والانتماء السياسي الذي يمكن ان يكون الشخص منتميا او يكون مستقلا ليس له علاقة بالسياسة الا من خلال الاعجاب او التقدير لهذا الموقف او الراي او القرار. في كل الاحوال يبدو ان العراق لا مكان فيه للمستقلين وانه لا بد ان تكون منتميا او حزبياً لانه اذا ما احتجت الى تزكية او تقويم فانه لابد من حزب او كتله تدافع عنك يوم لا تنفع شهادة او تعليم الا من كان منتميا لحزب او تنظيم !.


















