عبد الأمير البدران في حوار عن القراءة والتأليف:
وظّفت التاريخ لإستخلاص رسائل للمجتمع المعاصر
حوار: رزاق ابراهيم حسن
في كل يوم جمعة من كل اسبوع يمسح شارع المتنبي خطوة خطوة ويتصفح عناوين كل الكتب المعروضة في الارصفة والمكتبات، وبعد ان يجالس ويحاور بعض اصحابها والمشرفين على شؤونها يختار من الكتب ما يلاءم قراءاته وهو يدخل مقهى الشابندر حيث ينتقل بين عدد من الجالسين، ذلك هو عبد الامير البدران، فهل يمارس طقوسه الاسبوعية في شارع المتنبي لاغراض القراءة فقط ام لاغراض القراءة والتأليف ويقول بعد ان طرحت عليه هذا السؤال لقد عشت هذه الطقوس منذ ان عرفت القراءة والكتابة وهل مارست الكتابة للتأيف.
– نعم ذلك ما احرص عليه
{ وهل لكتاباتك اصداء معينة؟
– فقد تناولت العشرات من الصحف والمجلات ومنها على سبيل المثال لا الحصر جريدة الزمان، والصباح، والتآخي، ومجلة الشبكة، والخالدون، والمستقبل العربي، التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية . كتابات البدران بالتحليل، والقراءة النقدية قدمها كتاب ومحللون وإعلاميون نقتبس منها قولهم فيه، وفي مؤلفاته التي صدرت في السنوات الأخيرة. كاتب: هادئ يمر كالنسيم العليل … صمت مع هيبة عراقي اصيل … لم يكن صاحب كتب التراجم والسير والانساب بعناوينها المختلفة خريج دراسات ادبية بالقدر الذي كان فيه رجلاً أكاديمياً في مجالات النظم الوظيفية… لكن الظاهر أن وطأة الاغتراب داخل بلده، وخارجه علاوة على جذور أسرته الأدبية والثقافية دفعة لدخول عالم الثقافة، والأدب، وحتى السياسية من ابوابها المتعددة التي إتكأت على عناصر التاريخ إتكاءً رئيسياً، مع أنها ليست تأريخاً خالصاً. وانما وظف التاريخ لاستخلاص رسائل للمجتمع الإنساني المعاصر.
هذه الاطلالة الوجيزة على ما نشر عن كتابات ومؤلفات الكاتب عبد الامير البدران مهدت لي أجراء الحوار التالي معه:
{ استاذ عبد الامير البدران … اين كنت سابقاً؟ ولماذا تأخرت في الظهور؟
– في ستينيات القرن الماضي كانت كتاباتي ومؤلفاتي تصدر، وتنشر بتوقيعي الصريح، عبد الامير البدران مثل كتاب الحرب العربية مع اسرائيل الذي طبعت منه خمسة الاف نسخة وعمم بكتاب مديرية الشؤون الفنية / مديرية الوسائل التعليمية رقم 544 والمؤرخ في12/1/1970 على كافة المكتبات العامة والمكتبات المدرسية لاقتنائه وكتاب الستراتيجية العربية لاسترجاع فلسطين الذي ثمن من قبل رئاسة الاركان العامة… ومقالتي التي نشرت في مجلة جمعية الاقتصاديين العراقيين بعنوان العامل الانساني …. في الصناعة ومقالات وبحوث أخرى مثل- الساحل المهادن وغيرها. لكن ابداعات الفكر الحر وضعت في مازق سياسي مما أدى الى تسليط الضوء علي ومحاولة الحد من كتاباتي التي تناولت الجانب السياسي والاجتماعي باعتبارها خارج نطاق ايدلوجية فكر الحزب الحاكم، ففي مايس عام 1970 حشرتُ قسراً في نفق السياسة المؤدلجة بموجب احكام قانون تطهير الجهاز الحكومي رقم106 لسنة 1967 المعدل وتم نقلي من من ملاكات وزارة الصناعة إلى ملاكات وزارة الاقتصاد التجارة حالياً بموجب كتاب مجلس قيادة الثورة المنحل مكتب امانة السر رقم 23/1784 والمؤرخ في 17/5/1970…. لأختفي بعد هذا التاريخ خلف ظلال اسمي المستعار عبد الامير مال الله حيث أصدرت مؤلفات كثيرة ونشرت لي مقالات مهمة بتوقيع اسمي المستعار باستثناء البحوث والمؤلفات الوظيفية التي كانت تنشر بتوقيعي الصريح.
{ هل أن مؤلفاتك الصادرة حديثاُ وليدة مشاريع مسبقة … أم وليدة الظروف
– من المستحسن بكاتب المقالة أن يحدد هدف ما يكتب. اما التأليف فيجب أن يكون ممنهجاً يحدد الهدف منه اولاً ثم توضع الخطة وتوفر مستلزمات انجاز البحث، واسلوب البحث وعينات البحث واستخلاص الرسائل التي يراد ايصالها إلى المتلقي…. وبعد نشر البحث او المؤلف يتوجب على الباحث أن يتابع مدى اهتمام القراء، والكتاب والمحللين والنقاد بمؤلفة او كتابة لمعرفة مدى اسهامه مع الباحثين والمؤلفين الاخرين في نشر الوعي او التغير الاجتماعي والثقافي في المحيط الذي يعيش المؤلف بين اعضائه. وفيما أذا كسب ثقة القراء بمخرجات ملكته الفكرية أم لا؟.
{ ماذا تقصد بالملكة الفكرية؟
– الملكة الفكرية من وجهة نظر المفكر لامارتين Lamarrtine هي أن فكرة المؤلف مستمدة من روح الله وهي بمكانة الالهام الذي يهبط على الأنسان لتساعد البشر ثم تعود إلى قواعدها الأولى بعد أن تترك أثراً لامعاً في نفس الأنسان الملهم…… وفي هذا السياق يرى العلماء، والفقهاء بأن الملكة الفكرية هي اقدس الملكيات الاقطاعيات الخاصة.أما من وجهة نظري الملكية الفكرية هي موهبة الاهية تنمي بالمران، وتطور بالتعليم بدليل الآيتين الكريمتين 3-4 من سورة الرحمن خلق الانسان علمه البيان. ثم تصبح بعد ذلك حرفة يمتهنها الانسان، الاديب، الشاعر، الفنان، الموسيقار، القاص … الخ.
{ يتهم البعض: الذين يكتبون عن العشائر بأنهم يغردون خارج السرب اي العصر وانت كتبت عن العشائر ايضاً…. فما هو تعليقك على ذلك؟
– هناك من يكتب عن أنساب العرب ويتعهد بذكر الأجيال من الجيل الحاضر إلى جيل الالف في شجرة النسب: وهؤلاء هم النسابون المهتمون بالنسب العشائري الذي يصفه المستشرق موزيل بالأسطورة.. ويوصف علم النسب بالحديث النبوي الشريف بالعلم الذي لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله. أما مؤلفاتي فهي من باب علم الاجتماع الذي يتناول الاحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسية للعشائر ويبرز العادات والتقاليد التي تتنافى مع القيم الانسانية في المجتمعات المتحضرة. وقد أصدرت بعض المؤلفات في هذا الباب منها موسوعة الوديعة عن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لعشائر ملتقى النهرين، وكتاب العشيرة وآداب العشرة ودراسة حول أهمية وظيفة النسب في المجتمع مثل صلة الرحم، التواصل، نقاوة الاصلاب، طهارة الأرحام، القسائم الشرعية، وما يتلائم مع النصوص القرآنية بهذا الصدد– كما صدر لي كتاب تاريخ المضيف العراقي ودوره في الحركات الوطنية بين الاعوام 1549-1920 وغيرها من المقالات التي حاضرت بها في المركز الثقافي البغدادي في مجال بث الوعي الوطني في المجتمع العشائري- أما الأنساب فلم أكتب عنها شيئاً خارج نص الاية الكريمة وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا 54 سورة الفرقان.
{ كل كتاب من مؤلفاتك يختلف عن الآخر- لماذا؟ وهل تشعر بالتشتت؟ جراء ذلك؟
– موضوع الكتابة والـتأليف يتبع التخصص الدقيق في الدراسات الاكاديمية. كالتاريخ، أو علم الاجتماع، او الأدب، وغيرها…. .
فالدكتور علي الوردي جميع مؤلفاته في علم الاجتماع والدكتور مصطفى جواد كل مؤلفاته في علم اللسان أي اللغة العربية، وهكذا بالنسبة للمتخصصين بالتاريخ أو الجغرافية، طب الانسان. لكن المتخصص بالطب العام يمكن أن يؤلف كتاباً في الامعاء، او في الكبد، أو في الكلى، أو غيرها… وكذلك بالنسبة للعلوم الانسانية فأنا أكتب في الاستشارة الإدارية أو أدارة الأفراد والعلاقات الصناعية في الاعلام والصحافة، وفي الـتأريخ السياسي وهي مواضيع درستها خلال مراحل الدراسة بالإضافة إلى التعليم الذاتي الذي مارسته خارج المدارس الرسمية والجامعات.. لكن لا استطيع ابداً التأليف خارج هذه المواضيع كما أن الدكتور مصطفى جواد لا يستطيع التأليف في الطب، أو الهندسة وحتى في الإدارة العامة لأنها خارج تخصصه الدقيق .
{ ما الدافع الذي يجعلك تمارس الكتابة والتأليف؟ هل هو مادي.. أم معنوي.. أم ماذا؟
– الدافع الأكثر، والمحرك الأقوى هو الطموح لأثبات وجودي وحضوري ضمن لائحة المساهمين في عملية التغير نحو الأفضل وفي مرحلة الصبا سمعت والدي 1867-1956 يردد الحديث النبوي القائل أذا مات أبن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاثة- علم ينتفع منه، أو صدقة جارية أو ولد يدعو له، وخلال مرحلة الدراسة المتوسطة كنت من رواد المكتبة العامة في البصرة… وقرأت لسقراط، وأرسطو، وجمهورية افلاطون.. وكنت أتصور لكل منهم صورة تتحدث معي… عندها دونت في دفتر مذكراتي العبارة التالية: ولدت لأكون حياً بعد وفاتي.
{ هل كرمت او منحت جائزة عن مؤلف أو أكثر من مؤلفاتك؟
– منحت أكثر من ستين جائزة، وشهادة تقديرية وكتاب شكر وتقدير من مؤسسات رسمية وثقافية محلية وعربية وأجنبية أهمها الجائزة الأولى في مسابق البحوث عام 2010م وقلادة مهرجان الملكية الفكرية عام 2013م وساعة ذهبية، وسيت قلم شيفر ذهبي وشارة السنبلة الذهبية، وجوائز أخرى ثمينة يطول عدها وذكرها.
{ أنت تكتب تاريخياً وتراثاً … وتكتب للظروف الراهنة فكيف تجمع بين الأثنين؟
– التراث هو السمات العلامات الدالة على أحداث التاريخ، ويجب على الكاتب أن يستخلص رسائل للأجيال التي يعاصرها. للاستفادة من عبر التاريخ لتطوير الظروف الراهنة.. وهذه هي سنة التطور التي أشارت إليها الاية الكريمة 75 من سورة الحجر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ والآيات تعني الدلالات أو العلامات الدالة على أحداث التاريخ.. والمتوسمون هم الذين يستخلصون العبر عبر التاريخ وتوظيفها في تطوير الحياة الراهنة.
{ ما العلاقة بين مؤلفاتك … وتجاربك العلمية؟
– العلاقة عضوية… وهي انعكاس لتجاربي في الحياة … الدنيا.. والعبرة من ذلك هي الجمع بين تجارب الصبا، والشباب لاستذكار الصفحة الأخيرة التي هي مسك الختام.
{ هل تنتسب إلى مدرسة معينة… أو جماعة؟
– أنا أكره استنساخ الشخصية…. وأنا كما يراني الآخر.. لاكما أرى نفسي. ولم انتم إلى أية مدرسة أو جماعة وإنما أنا كاتب حر.
{ هل من إيجاز لسيرتك الذاتية؟
– نعم ومع أجل التقدير لك ولأسرة جريدة الزمان الغراء ولقراءتها الاجلاء..ولدت في قرية البدران التي تتوسط عشائر الصيامر في ناحية المدينة قضاء في محافظة البصرة حالياً عام 1938. توفيت والدتي في اليوم الأول من شباط عام 1942.
كنت متفوقاً في مرحلة الدراسة الابتدائية 1949-1955 وحصلت على جائزة وزارة المعارف لنجاحي في المرتبة الثانية امتحان البكالوريا لعام 1954-1955 مع تحمل الوزارة نفقات الدراسة المتوسطة في ثانوية فيصل الثاني بالبصرة 1955-1958 والمرحلة الاعدادية الفرع العلمي في الاعدادية المركزية بالعشار 1959-1960 وأكملت الدراسة الجامعية بدرجة جيد جداً 1965-1968 بكلية الادارة العامة جامعة بغداد-ودرست اللغة الانكليزية في المعهد الثقافي البريطاني ببغداد بتفوق- ومنحت زمالة دراسية في موضوع إدارة الأفراد والعلاقات الصناعية في المملكة المتحدة البريطانية 1976-1977 ودرست في معهد واشنطن الدولي- ومعاهد مؤسسة القمح الامريكي 1984 وفي جامعة لوزيانا الامريكية عام 1986-1987 وبلغ عدد البحوث والمؤلفات التي صدرت لي بين عام 1968-2016 أكثر من خمسين مؤلفاً وحصدت ملكتي الفكرية أكثر من ستين جائزة وشهادة تقديرية وكتاب شكر وتقدير من مؤسسات ثقافية وعربية ودولية مرموقة… الان أكملت الثمانين.. أعتز بما حصدت ومعتذراً لمن قصرت .. والله ولي التوفيق.
























