طيب جبار.. الحكيم وغوايات أغانيه المؤرقة

 طيب جبار.. الحكيم وغوايات أغانيه المؤرقة

شاعر مجدد لموقعه الأثير في نفسه

فاروق مصطفى

ظهرت للشاعر المهندس طيب جبار نصوص جديدة على صفحات مجلة (كيكا) مجلة الادب العالمي العدد الرابع صيف 2014، ثلاثة منها تنشر لاول مرة، واخرها يجدد الشاعر نشره لموقعه الاثير في نفسه، النصوص الثلاثة الأًول حمل اولها عنوان (اغاني الذين يصابون بالارق) وتعنقد النص الى اربع اغانٍ، وكل اغنية توزعت على ثلاثة مقاطع، وكأني بالشاعر رغب في ان يدوزنها في هارمونية مموسقة او ان هذه الاغاني تلقى على قارعة الطريق، نسغها الشمس وزادها النسيم الهاب، والمستمع اليها يخال مرسلها ومدوزنها حكيما مؤديا وهل هناك شيء اجمل من حكم تغنى وهتافات ترذذ برذاذ الشعر وهيام الموسيقى و (طيب جبار) يذكر المرء بالفيلسوف اليوناني (ديوجين) (404 ـ 323) قبل الميلاد، هذا الفيلسوف اليوناني الحكيم الذي تهجم على الفروقات الطبقية ودعا الى الزهد والاعتدال وقالت الاخبار عنه انه عاش داخل برميل ومن موضعه هناك كان يراقب الرعية واحوالهم وتصرفاتهم ويطلق حكمه الزهدية، ولكن صديقنا المهندس يطل من منطقته (هوارة برزة) حيث يعيش في هذه البقعة الحبيبة من مدينة السليمانية، يتأمل الاشجار الوادعة في (توي مليك) ويرقب الانسام وهي تهوَم بأجنحتها او عندما تصعد عالية لتتمسح بسفوح الجبال وتحنو على الطرق التي تعبت من الوصول الى طيتها، اقول يظهر الشاعر (طيب) حكيما انضجت الايام والسنون حكمه وعندما تنضج الحكمة لابد من اطلاقها وانطلاقها ولابد من اذان تتلقاها فلتكن اذان القصائد ومسامع الجداول وصدور الجبال وتويجات الزهور، يقول الشاعر :

” لو مضى الامر هكذا

 سوف يضيع الجدول طريقه

ينعطف ظمآن نحو بيت وحيد

ليستجدي رشفة ماء

سوف تصاب الاشجار بالحمى وتتعرى

عاجزة عن ان تتقدم خطوة اخرى

فتتكور في مكانها . “

تجربة الشاعر تحتفي بنسق التكرار فهو يعمد اليه من باب التوكيد لان واقع حاله يستوجب ذلك، فليس ثمة وقت للتلكؤ والاحجام وثانيا هذا النسق يضفي مزيته الجمالية على اقمصة الكلام فهو اللازمة المستحبة المستملحة، وصديقنا يجيد هذه التقانة ويبرع فيها فلهذا غدت تصاحب نصوصه الشعرية، ففي الاغنية الاولى استهل مقاطعها الثلاث بالفعل المضارع المعتل الاخر (يبدو) وفي الاغنية الثانية افتتح المقاطع بـ(لو مضى) وفي الاغنية الثالثة بدأ مقاطعها بـ(ربما)، اما الاغنية الاخيرة فقد شرعها بالفعل المبني المجهول (ترى) . ففي الاغنية الرابعة نصغي الى تمنيات الشاعر في ان يغير الزمان ثيابه وعبر اسلوب الطلب وبصيغته الاستفهامية يطرح ان يطرأ ثمة تغيير على سير التاريخ، انه الشغف بهدم العالم القديم والحلم بأعادة اقامته من جديد والدعوة الى قراءات جديدة  للجذور، يهتف الشاعر :

” ترى هل يغيير الزمن دثاره

 هل يعدل ضوء الشمس قانونه ؟

وتقرأ الجذور  هل يصدر امر للتاريخ ليقف على رجليه

ويراقب مستقبله . “

ان الطبيعة من المهيمنات الاساسية في الشعر الكردي، وهذا المهيمن ينعكس ايضا على شعر صديقنا، فمفردات الطبيعة تغطي حيزآ كبيرآ في نصوصه ولكن ليس بالتعامل المألوف والمشاع بل يتعامل معها تعاملا فيه جدة وطزاجة وابتكار حيث يوظف مخيلته الممراعة وما ترسب فيها من صور الطبيعة وكذلك ترسبات قراءاته الادبية المستمرة بحيث تظهر هذه المفردات مكتسبة ثوبها الآنق والابهى :

” ربما يرتخي عصب السماء

  فلا تشع النجوم

والقمر يتهاوى

من اجل حفنة وميض

يستجدي متنقلا بين النجوم “

لا يستطيع الناظر في شعره ان يمر من حدائقه الشعرية دون ان تستوقفه انزياحاته اللغوية فميزة مهمة في هذه النصوص ان الشاعر يتعامل هذه الانزياحات ليس بشكلها العفوي العابر وانما يتعامل معها بأستذة مقتدرة وهذا ما عاهدناه في كتاباته الشعرية فهو يأتيها عبر مجازات مبتكرة يستنبطها من معجمه الشعري وتخص ابتكاراته وبراعاته اللغوية، نصغي الى ما يقوله في المقطع التالي :

” لو مضى الامر هكذا

 سوف يكف الجبل عن التلصص

فيعجز عن ان يرفع هامته

سوف يغفو برشفة مطر مقيتة

السهول تقفز خوفا من نسمة تهب فزعة . “

اما في نصه المعنون بـ (قلت لك) فهو الاخر يتعنقد الى خمسة مقاطع وكل مقطع يستهل ب (قلت لك) فالمخاطب (بفتح الطاء) يتلقى من الشاعر حكمه المغموسة بعصارات تجاربه ورؤاه فهو يجترح محنها عله يقدم لها العون ويخفف من آساها :

” قلت لك : ان ذلك الشجر لا ينام

 فهو مصاب بالحمى

لذلك اجلبْ له ملعقتي  نسـيم وندى

كي لا تسوء حاله اكثر . “

ومن المفارقات الشعرية التي احتواها النص معاناة الطريق لانها من كثرة ما وطئت حتى طفقت تحس بأنها تقصر وتتضاءل وهي تريد الوصول الى مبتغاها، وتشعر بثقل الخطى والاقدام والعجلات فلهذا تنشد العون وتستغيث، ولكن هل تغاث من اجل منجاة وصولها :

” قلت لك : ان هذه الطريق قد قصرت

 قل لاهل القرية ان يغيثوها

فهي لا تستطيع الوصول . “

وعندما ننتقل الى نصه الثالث الموسوم بـ (هذه القصيدة لا تتخلى عني) نجد ان مهيمنين يتنازعانه، مهيمن البوح ومهيمن تصارعه مع قصائده وقد مد الى هنا ايضا سقائف نسق التكرار، هذا النسق الذي يستهوي الشاعر، ولان الثيمة التي بصددها تستوجب هذه اللازمة من اجل امطارنا بالبوح الذي يتصاعد من دخيلائه :

” مرات كثيرة احب ان اوصد الباب على نفسي

 كي لا اسمع المشادات الكلامية بين الظل والضوء

كي لا ارى وجه الاضطرار . “

كل مبدع حقيقي يتصارع مع شخصياتة التي يبدعها، يبتكرها، يمنحها حياتها، وكلنا يتذكر العبقري الروسي (دوستويفسكي) وتصارخه مع شخصياته عندما تتمرد عليه فهو يصرخ عليها طالبا الامساك بها و (طيب جبار) هو الاخر قصائده تضيق الخناق عليه لا تتركه ان يتمتع بسويعات من الهدوء والهناء بل الانكى في كل ذلك انها تمسك من ياقته وتهزه يمنة ويسرة، تستفزه، تشتته :

” هذه القصيدة لا تتخلى عني

 لا تدعني انزوي

دائما تمسكني من ياقتي

تحرضني ضد الاستقرار والتأرجح . “

بقي ان اشير ان الذي ترجم هذه النصوص من الكردية الى العربية هو الاديب (عبدالله طاهر البرزنجي) عشير الشاعر وخدنه الصفي ومصاحب مسيرته الشعرية والادبية واقل ما يقال فيه انه لا يألو جهدآ في نقل نصوص شاعرنا الى العربية وفتح فضاءات ارحب من التلقي امامها وبذلك يقيم بهذه المهارة هذا التآدب والتلاقح الممراعين بين القراءات والثقافات .