طوق النجاة – حسام الدين الانصاري

 

خرقوا السفينة وحجبوا

طوق النجاة – حسام الدين الانصاري

لقد وصلت الصناعة في العراق بقطاعاتها الثلاث (العام والمختلط والخاص) الى مستويات متقدمة قبل الحصار عام (1991) وبمستوى أقل قبل الاحتلال عام (2003) بحيث أصبحت المنتجات الصناعية العراقية تلبي احتياجات المستهلك العراقي وتسد فراغاً كبيراً من الاحتياجات المنزلية في كل بيت عراقي، وكان اللجوء للبضاعة المستوردة حالة استثنائية حينما كانت مساهمة الناتج المحلي للقطاع الصناعي قبل (2003) يشكل (14 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي ويغطي أغلب احتياجات المستهلك، على عكس ما آلت إليه بعد الاحتلال لتصبح (1 بالمئة وتتجه الحاجة لإشباع السوق عن طريق الاستيراد الذي أخذ باستنزاف العملة الصعبة.

كانت الصناعة ولا تزال تمثل العمود الفقري لعملية التنمية الاقتصادية كونها تمثل القاعدة الاقتصادية الديناميكية التي تساعد في خلق التراكم الاقتصادي للتنمية الاقتصادية التي يتعرض الاقتصاد بغيابها الى التدهور والانعكاسات المتوالية على كافة القطاعات، نظراً لكون الصناعة هي النشاط المحوري للعملية الإنتاجية التي تفرز إيجابياتها في اطار ستراتيجيات التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية وعملية التطور الدائمة.

إن التدهور الذي أصاب الصناعة في العراق بعد (2003) أدى الى شلل الحياة الاقتصادية وإيقاف عجلة التنمية في كافة المجالات، مما أدى الى الاقتصار على موارد القطاع النفطي الذي عادة ما يكون عرضة لتلاعب الاحتكارات العالمية والعرض والطلب وتقلبات الأسعار بدوافع مختلفة.

وعلى مدى الأربعة عشر عاماً التي مرت بعد الاحتلال ازداد تدهور القطاع الصناعي في العراق الى حد الانهيار، حيث توقفت مئات المعامل والشركات الصناعية التابعة للقطاع العام والمختلط التي كانت تمثل القاعدة الرصينة لهيكل الصناعة الثقيلة والمتوسطة وآلاف معامل وشركات القطاع الخاص التي تدخل في نطاق الصناعات المتوسطة والخفيفة، إضافة الى عشرات آلاف المعامل والورش الصغيرة والحرفية التي تشكل مورداً لملايين المواطنين العاملين فيها والذين يقدمون خدماتهم لها.

لقد كانت حصيلة هذا الوضع المتدهور جملة من الانتكاسات تمثلت في تفشي البطالة ، وانهيار المستوى المعاشي، وتراجع البنى التحتية والخدمات، وهجرة الكفاءات والقوى العاملة الماهرة الى خارج البلاد ، وموجة النزوح من الأرياف والقرى الى مراكز المحافظات والى العاصمة، والتوطن العشوائي الذي خلق وضعاً كارثياً على المجتمع وسوق العمل من النواحي المعاشية والاجتماعية والحضارية والأمنية ، والانجرار الى مظاهر التخلف التي لم يكن لها وجود في العاصمة، والتي تمثلت في فوضى الأسواق التجارية وأساليب التعامل والتعيينات العشوائية، والتزوير، والجريمة الاقتصادية، وانحدار التعليم وانتشار الأمية ، وطغيان السلوك والعادات العشائرية والتقاليد الريفية، والتجاوز على المال العام وأراضي الدولة في بناء مجمعات سكنية عشوائية بأساليب متخلفة وطرق بناء ريفية، ونسف مفاهيم التخطيط العمراني، وانتكاسة المظاهر المدنية في العاصمة وتوقف اعمال البناء والنشاط العمراني الذي أدى الى غياب مهارات العاملين في هذا القطاع، والتحول باتجاه المهن غير الإنتاجية التي احتلت سوق العمل بانتشار الاكشاك والباعة الجوالين وسيارات الأجرة التي خرج عددها عن المألوف بوجود سيارات التاكسي المسجلة رسمياً وسيارات الصالون الخاصة التي أصبح مالكوها يستخدمونها كسيارات أجرة.

لقد كان هـــذا الواقع المأساوي حصيلة طبيعية للسياسة الاقتصادية المتخبطة وجهل القائمين على إدارة شؤون الاقتصاد في البلد ، والمساومات والفساد المالي وعقد صفقات المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة.

واذا كان كل هذا قد حصل فقد آن الأوان لاتخاذ الإجراءات التي تعمل على تصحيح المسارات، والخروج من هذه الحالة الكارثية بمعالجات مجدية عن طريق إنعاش الصناعة التابعة للدولة بقطاعيها العام والمختلط وتوفير الدعم والمساعدة لمشاريع القطاع الخاص، والتي لا زالت مقوماتهما وقواعدهما موجودة وقائمة، وبالإمكان إحياؤها بزمن قياسي اذا ما اتجهت النية الصادقة والحقيقية لذلك، من خلال إمكانيات الدولة القادرة على توفير مستلزمات النهوض بتهيئة التخصيصات المالية اللازمة، وفتح فرص الاستثمار بعيداً عن العقلية الحكومية البيروقراطية المتخلفة، وإيقاف هدر العملة الصعبة عن طريق مصارف السوق السوداء الأهلية، واتخاذ القرارات الحاسمة بشأن إيقاف الاستيرادات وفرض الرسوم الكمركية على ما يدخل منها … الأمر الذي سيساعد على إعادة الحياة للصناعة وعـــــــودة مئات آلاف العاملين الى مواقع العمل والإنتاج وامتصاص البطالة، وإيقاف هدر العملة الصعبة على الاستيرادات ، وإصدار التشريــــــــعات الكفيلة بمــــنع دخول (بضائع الخردة) التي أغرقت الأسواق العراقية من السلع والبضائع الرديئة والمسرطنة وما فات تأريخ نفادها.

وعندئذٍ يكون القرار الحكومي الحاسم طوق نجاة لانتشال الاقتصاد المتدهور والقضاء على البطالة وفوضى الاستيرادات وهدر العملة الصعبة وإيقاف تفضيل المصالح الاقتصادية لدول الجوار على المصلحة الوطنية، وعدا ذلك فإن الكارثة مستمرة.

وان نجاح عملية إعادة الحياة للمشاريع الصناعية التي تنتشر في كل محافظات العراق كفيلة بإعادة التوازن السكاني في عودة العاطلين عن العمل ممن تركوا محافظاتهم بالعودة إليها مشفوعة ببعض التشريعات والامتيازات المحفزة.

واذا كان هذا الواقع يمر على البلد في ظل حكم جمهوري وطني تلعب الأحزاب الإسلامية دوراً فاعلاً تتلاطم فيه أمواج من الفساد والتطاول على المال العام، فان أنظمـــة حكم مدنية مرت على العراق لم تكن تتمتع بما يتمتع به البلد اليوم من إمكانيـــــات، مدت يدها بإخلاص لدعم الصناعة رغم الإمكانيات المتواضعة ومحدودية الصناعة النــــاشئة، ورموز الحكم التي كانت تتمتع بالوطنية الحقة، حين حظيت بالدعم والتشجيع من لدن الملك فيصل الأول شمل صناعات النسيج والدباغة والصابون والورق والسمنت التي كانت تمثل بداية مرحلة التصنيع في مجتمع زراعي، وتم افتتاح أول معــــمل نسيج كبير من قبل الملك هو معمل فتاح باشا للصناعات الصوفية عام 1926 الذي ساهم في سد جزء من احتياجات السوق المحلية من الأقمشة الصوفية والبطانيات تعويضاً عن المستوردة، وتوجـــــيه الأجهزة الحكومية لدعم وتشجيع الصناعة المحلية عن طريق فرض الكمارك على السلع المستوردة ومنح السلف لشركات الصناعة الأهلية، ومن أمثلة الدعم التي تعبر عن إخلاص من تولى المسؤولية يذكر التأريخ أعمال الوالي مدحت باشا وكان يمثل سلطة الاحتلال العثماني الذي قدم أعمالاً بقيت خالدة في ذاكرة بغداد لم يفعلها الكثير ممن حكم العراق من أبناء البلد.