طوفان الغزل الحــسي في حواريات فاكهة العطش**

طوفان الغزل الحــسي في حواريات فاكهة العطش**
عبد الله عباس المياح – المثنى
كنت قد قرأت المجموعة الشعرية البكر لتحسين عباس الموسومة بــ عقارب الذاكرة حيث صدرت عام 2010 باستحواذ واضح لنصوص ذاتية أناشيد وأغان وترانيم شعرية دينية ووطنية وكانت خالية تماماً من اي مؤشر للخروج عن المألوف.. وها انا امعن النظر في حواريات فاكهة العطش التي حاور فيها عام 2011 مجموعة من الشاعرات العربيات امثال ايلينا المدني وبلقيس كريمة وتقى محمد وعائشة الحطاب وفوزية محمد امين وخديجة العلام.. وقد شدني للوقوف عندها ما رأيته من افتضاح المشاعر وكشف معاناة العشق على سعة مساحة البوح الذي اكد حرقة الطرفين لتلبية حاجة الآخر جنسياً.. فتارة اقرأ بعجب حين ترشفني مسامات حبك منشية بزيتي الدفيق من ينابيع الرغبة»كيف افر منك وتفاصيلك السائحة جموحاً في اوردة الضياء استعادتني الى العشرين من صبري»كلما امررت على شطيرة العسل ملعقة الهذيان»وأنت تنغمين آهاتك لتعصميني من كلل قد يعتريني ».. وتارة اخرى اقرا»يسلوني ثباتي ويفقدني وجودي حين تتسلل يدها الترفة الى دواتي المولهة بالتدوين»كي نمارس عيد ائتلافنا في مديات النشوة»يسكبك شبقاً في منحى خاطرتي»على فتيلة احتراق الجسد»ونحن على أسرة الوجد»فيسلك الشعر لهاثي محتدماً.. منذهلاً.. محتفلاً في عُسيلتها بأحلى قصيدة وشمت ذاكرتي بالجنون.» بلبل فوق نهودي»سأعلن احتراقي على مشاجب الانتظار»قرأت هذا وغيره وآثرت أن اتحدث وفق ما يلي
ان محاكمة نصوص الحواريات نقداً عرفياً تؤكد حالة الاستخفاف بالمنحى الاخلاقي والاجتماعي بأنزياحات صارخة لا تمت والتجذر الادبي في مجتمعاتنا بصلة والذي تفرض الواقعية سيادتها عليه بقبضة شديدة البأس.. وإذا اعطينا العذر للأرواح الابداعية التي اسهمت في ولادات هذه النصوص لا نجد قطعا ً للتخييل وافرازات الابتكار مكاناً تتوالد فيه او مناخاً او بيئة تجعل التماشي مع ما هو مطروح مباحاً وهو يخرج عن المألوف بشكل غير مسبوق حتى لو افترضنا ان هنالك رغبة لاختراع دلالات تركيبية لإنجاب ظاهرة شعرية جديدة ومن خلالها ترفد هذه الحواريات بدوالها وبنياتها المستحدثة لكي تتصف بالرؤى الشعرية ذات النصوع تركيباً وانساقاً وكمشتركات. ونعتقد ان مضامين الحواريات ستبقى تدور في مدارات مفرغة بحثاً عن متلق يتعاطف معها.. يستحضرها معنى ويستلهم سيناريوهاتها المشفرة ويمتلك خبرة بكيفية تشكيل بناء النصوص وما تحويه من مونولوجات درامية توضح المجهول الدلالي المتعدد الوجوه.. وهذا ما يجعل ضياع دلالات هذه الحواريات في غمرة المفردات ذات المعنى المتفق عليه في كل حوارية وتطويعها وتوظيفها لإبراز مواطن اللذة والانتشاء بغية التفاعل معها وتقمص التواجد في حيثيات زوايا الملتقى والتناغم مع حكايا الخفاء وضوء القناديل الخافتة والمناديل المعطرة.. تجعله أمراً عصياً للفهم والاستيعاب بل مستحيلاً احياناً مما يعرقل الانثيالات التعبيرية لخلق ظاهرة او حالة شعرية لافتة تتعامل معها الاوساط الثقافية.
تضج نصوص الحواريات بأفرازات اللاشعور ليكون انتهاج الفعل اللاشعوري عملية ارتداء لبزة الرفض وكسر القيود وصولاً الى ذيوع الغزل الفاضح الذي يمنح سورة الحب حالة الاطمئنان باستجابة الآخر لنفس المشاعر.. وهذا ما تحفل به التراسلات ونماذجها المتخمة بالتشبب واللهفة الجامحة.
تعد الترميزات والمكاتبات المشفرة بين الباحث والمتلقي حلاُ لطلاسم التوجع والتوق فالتوالد الثنائي يمثل حركة الوجدان وفك الغاز متون الحواريات وانثيالاتها الرامية كسر اطواق المعانات القامعة لتحقيق المرامي والغايات النفسية المتداولة.المجسدة لروح واحدة تلبست في جسدين.
ان خصوصية التقارب بين نصوص إلينا وتحسين بشكل خاص تعد بوابة استيعاب المتلقي المتمرن والممارس لقراءات نصوص الاثنين معاً.. فشفرات المورس المستخدمة من لدن الشاعر تحسين تطرق ابواب الوعي لدى المتلقي من خلال اخيلة التصريح الضاجة بسعير العواطف المتخمة بالمعاني الرخيصة الجهرية بتعابيرها المؤججة لثورة وفورة الارهاصات الغرامية والعاطفية وما تنطوي عليه من خيال جنسي يرسم صورة اللقاء السريري المرسوم ، وذلك ما تحكيه المفردات المرموزة والمتفق عليها التي توصل المتلقي الى ما ستحفل به كواليس الملتقى لاستجلاء معنى لافتراض مشحون بأحاسيس الرغبة من لدن ايلينا المدني ،فنراها تمزق اكفان الليل السوداء لتطوف لاهثة بوحدتها عابثة بنبع قوتها حالمة بلذة الارتماء في احضان معشوقها الجامح الهائج جنسياُ لكي تحقق المتعة الطوباوية المرسومة في مخيلتها حين تذوب هوىً مسلمة جسدها لعشوائية الممارسة لنشوة الحب بلا انتهاء… هكذا يتمخض الملتقى عن تمادٍ لا مشروع , ممجوج ذوقياً لا تنفع معه المحسنات اللغوية لتخرجه من جدلية المتعة الجنسية المتمثلة بغمس تحسين فاكهة حرفة في محبرة ايلينا او في معسلة اخرى انه القتل العمدي لكل المضامين العفيفة والنبيلة وهو الايغال في رسم النوازع المفعمة بالمراهقة بلاحدود ، بل هو تسويق لانفعالات سافرة تغتال عذرية الرغبات الايجابية وتعكر فضاءات العفة وتلوث مناخات اللحمة المشروعة… ولسنا مغالين اذا وصفنا تبادل الرسائل وديمومتها بالتيه في آفاق العتمة.. والبقاء في انفاق معتمة ليس فيها الا التربص بالعوالم الدنيا الرخيصة.. وبما ان النفوس جبلت على معادات المعاد.. فلن تفلح بتاتاً كل السياقات التعبيرية المستحدثة في هذه الحواريات لتكون عامل جذب مستمر مهما اكتست اثواب التناغم الايقاعي السردي وتماهت في اطاريح عشق جديد داعية المتلقي لحلحة شفرات حديثة ليلتمس بتجلياته ما وراء النص من معانٍ ودلالات.
ـ فاكهة العطش مجموعة شعرية للشاعر تحسين عباس لسنة 2011 برقم ايداع من دار الكتب والوثائق ببغداد 1560.

/7/2012 Issue 4254 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4254 التاريخ 18»7»2012
AZP09